اعْلَم ان الْمُتَقَدِّمين من عُلَمَاء الْعَرَبيَّة اخْتلفُوا فِي أَي الطَّرفَيْنِ من اللَّام الف هِيَ الْهمزَة
فحكي عَن الْخَلِيل بن احْمَد ﵀ انه قَالَ الطّرف الاول فِي الصُّورَة هُوَ الْهمزَة والطرف الثَّانِي هُوَ اللَّام
وَذهب الى هَذَا القَوْل عَامَّة اهل النقط من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين وَاسْتَدَلُّوا على صِحَة ذَلِك بأَشْيَاء قَاطِعَة مِنْهَا ان رسم هَذِه الْكَلِمَة كَانَ اولا كَمَا ترى
لاما ممطوطة فِي طرفها الف كنحو رسم مَا اشبه ذَلِك مِمَّا هُوَ على حرفين الثَّانِي مِنْهُمَا الف من سَائِر حُرُوف المعجم نَحْو (يَا) و(هَا) و(مَا)
[ ١٩٧ ]
وَشبهه فاستثقلوا رسم ذَلِك كَذَلِك وكرهوه فِي اللَّام الف خَاصَّة لاعتدال طَرفَيْهِ وقيامهما مستويين اذ هُوَ بذلك كصورتين متفقتين مَعَ اشتباهه فِي الصُّورَة بِكِتَاب غير الْعَرَب من الاعاجم وَغَيرهم فغيروا صورته لذَلِك وحسنوا رسمه بالتضفير فضموا اُحْدُ الطَّرفَيْنِ الى الآخر فَأَيّهمَا ضم الى صَاحبه كَانَت الْهمزَة اولا ضَرُورَة وَتعْتَبر حَقِيقَة ذَلِك بِأَن يُؤْخَذ شَيْء فيضفر وَيخرج كل وَاحِد من الطَّرفَيْنِ الى جِهَة ثمَّ يُقَام الطرفان فيتبين فِي الْوَجْهَيْنِ ان الاول هُوَ الثَّانِي فِي الاصل وان الثَّانِي هُوَ الاول لَا محَالة
قَالُوا وايضا فَإِن من اتقن صناعَة الْخط من الْكتاب الْمُتَقَدِّمين وَغَيرهم انما يبتدىء برسم الطّرف الايسر قبل الطّرف الايمن وَمن خَالف ذَلِك وابتدا برسم الطّرف الايمن قبل الطّرف الايسر فجاهل بصناعة الرَّسْم اذهو بِمَنْزِلَة من ابتدا برسم الالف قبل الْيَاء وَالْهَاء وَالْمِيم فِي (يَا) و(هَا) و(مَا) وَشبه ذَلِك مِمَّا هُوَ على حرفين فَلَا يلْتَفت الى رسمه وَلَا يَجْعَل ذَلِك دَلِيلا على تَرْجِيح اُحْدُ قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين فصح بذلك ايضا ان الطّرف الاول هُوَ الْهمزَة وان الطّرف الثَّانِي هُوَ اللَّام اذ الاول فِي اصل الْقَاعِدَة هُوَ الثَّانِي وَالثَّانِي هُوَ الاول وانما اخْتلف طرفاهما فصارا كَذَلِك للتضفير الَّذِي لحقهما
وَقَالَ الاخفش سعيد بن مسْعدَة بعكس ذَلِك فَزعم ان الطّرف الاول هُوَ اللَّام وان الطّرف الثَّانِي هُوَ الْهمزَة وَاسْتدلَّ على صِحَة مَا ذهب اليه من
[ ١٩٨ ]
ذَلِك بِأَن الملفوظ بِهِ من حُرُوف الْكَلم اولا هُوَ المرسوم فِي الْكِتَابَة اولا وان الملفوظ بِهِ من حروفهن آخرا هُوَ المرسوم آخرا قَالَ وَنحن اذا قرانا لَأَنْتُم ولأمرنهم ولأتينهم وَشبهه لفظنا بِاللَّامِ اولا ثمَّ بِالْهَمْزَةِ بعد
قَالَ ابو عَمْرو وَهَذَا القَوْل لَا يتَحَقَّق عِنْد امعان النّظر وَلَا يَصح عِنْد التفتيش بل يبطل عِنْد ذَلِك بِمَا قدمْنَاهُ من الدَّلَائِل وأوردناه من الْحجَج مَعَ ان الْقَائِل بِهِ قد يتْركهُ وَيرجع الى قَول مخالفه فِيمَا تتفق فِيهِ حَرَكَة اللَّام والهمزة بِالْكَسْرِ نَحْو قَوْله لاخوانهم ولابراهيم ولايلف قُرَيْش وَشبهه وَفِيمَا تخْتَلف فِيهِ نَحْو لأقتلك ولأهله وفلأمه ولأبين وَشبهه من حَيْثُ يلْزمه على مَا قَالَه وَأَصله وَقطع بِصِحَّتِهِ ان تجْعَل الكسرة اولا فِي ذَلِك ثمَّ تجْعَل الْهمزَة بعد واذا جَعلهمَا فِي ذَلِك كَذَلِك ترك قَوْله ونبذ مذْهبه وَرجع الى مَذْهَب الْخَلِيل وَمن تَابعه من سَائِر اهل النقط اذ الاول فِي ذَلِك هُوَ طرف اللَّام وَالثَّانِي هُوَ طرف الْهمزَة بِإِجْمَاع
[ ١٩٩ ]
فَإِن قَالَ بل اقود اصلي وَلَا ازول عَن مذهبي وَاجعَل الْهمزَة فى ذَلِك اولا اذ هُوَ طرفها وَاجعَل الْحَرَكَة بعد اذ هُوَ طرف اللَّام قيل لَهُ اذا فعلت ذَلِك تركت ايضا قَوْلك وزلت عَن مذهبك بَان الملفوظ بِهِ اولا هُوَ اللَّام وان الملفوظ بِهِ اخرا هُوَ الْهمزَة بجعلك الْهمزَة ابْتِدَاء ثمَّ الْحَرَكَة اخرا وَرجعت الى قَول من خالفك واذا كَانَ تبين فَسَاد قَوْلك واضطراب مذهبك وَتحقّق قَول مخالفك واطراد مذْهبه لانه جَامع للباب عَام فِي جَمِيع الاصل فَكَانَ لذَلِك اولى بِالصَّوَابِ وأحق بالاتباع
فَإِن قيل لم قرنت الالف بِاللَّامِ وخلطت بهَا هلا افردت بِالْكِتَابَةِ كَسَائِر الْحُرُوف قيل لم يفعل ذَلِك من حَيْثُ كَانَت سَاكِنة والابتداء بالساكن مُتَعَذر فَجعل قبلهَا حرف متحرك يُوصل بِهِ الى النُّطْق بهَا فَجعلت اللَّام فَقيل لَا
فَإِن قيل من ايْنَ خصت اللَّام بِأَن تقرن بهَا دون غَيرهَا من الْحُرُوف قيل وَجب تخصيصها بذلك من جِهَتَيْنِ احداهما المشابهة الَّتِي بَينهمَا فِي الصُّورَة اذ كَانَتَا على صُورَة وَاحِدَة فقرنت بهَا لشبهها بهَا فِي ذَلِك والاخرى ان وَاضع الهجاء انما قصد الى تَعْرِيف كَيْفيَّة رسم الالف اذا اتَّصَلت بِاللَّامِ طرفا اذ هِيَ فِي تِلْكَ الْحَال مختلطة بهَا وَلَيْسَ شَيْء من الْحُرُوف مَعهَا كَذَلِك فَلذَلِك قرنها بهَا
فَإِذا نقطت اللَّام الف على مَذْهَب الْخَلِيل واهل النقط جعلت الْهمزَة نقطة بالصفراء فِي الطّرف الأول من الطَّرفَيْنِ لانه الالف الَّتِي هِيَ صورتهَا وَجعلت الفتحة نقطة بالحمراء عَلَيْهَا ان كَانَت مَفْتُوحَة وَجعلت حَرَكَة اللَّام على
[ ٢٠٠ ]
الطّرف الثَّانِي ان كَانَت اللَّام مَفْتُوحَة وَذَلِكَ نَحْو لارينكهم ولانتم اشد وولأملئن ولارجمنك ولاقتلنك وَشبهه
وان كَانَت الالف الَّتِي هِيَ الطّرف الاول آتِيَة بعد الْهمزَة جعلت الْهمزَة وحركتها قبلهَا على ذَات الْيَمين فِي الْبيَاض نَحْو لاية ولايتنهم ولادم والاخرة والافلين والاكلين وَشبهه
وان كَانَت الْهمزَة مَضْمُومَة سَوَاء اتى بعْدهَا وَاو اَوْ لم يَأْتِ جعلت النقطة بالصفراء فِي وسط الطّرف الاول وَجعلت الضمة امامها نَحْو لاوتين وَلَا منينهم ولاصلبنهم ولاغوينهم ولاولي الالباب وَشبهه
[ ٢٠١ ]
وان كَانَت مَكْسُورَة جعلت الصَّفْرَاء فِي الطّرف الثَّانِي من الْقَاعِدَة لانه طرف الالف الَّتِي تتقدم صورتهَا وَجعلت الكسرة تحتهَا نَحْو الى الملا وبالملا ولألى الله ولالى الْجَحِيم وللايمان والانجيل وَشبهه
وان كَانَت اللَّام مَفْتُوحَة جعلت الفتحة نقطة بالحمراء على الطّرف الثَّانِي الْأَعْلَى لانه طرف اللَّام الَّتِي تتأخر صورتهَا بالتضفير
وان كَانَت مَكْسُورَة جعلت الكسرة نقطة بالحمراء تَحت الطّرف الاول من الْقَاعِدَة لانه طرف اللَّام وَذَلِكَ نَحْو قَوْله لاخوانهم ولاهله وَشبهه
وان كَانَت الْهمزَة آتِيَة بعد الالف وَكَانَت الالف حرف مد جعلت فِي الْبيَاض بعد الطَّرفَيْنِ وَلم تجْعَل بَينهمَا اصلا وَذَلِكَ انها لما وَقعت طرفا فِي الْكَلِمَة وَلَفظ بهَا لذَلِك بعد الْفَرَاغ من اللَّام الف وانقضاء النُّطْق بِهِ واستقرت الْعين الَّتِي يعْتَبر موضعهَا بهَا هُنَاكَ ضَرُورَة تحقق ان ذَلِك موضعهَا الَّذِي تلْزمهُ ومكانها الَّذِي تستحقه لَا غير وَتجْعَل حركتها من فَوْقهَا ان كَانَت مَفْتُوحَة وَمن اسفلها ان كَانَت مَكْسُورَة وَمن امامها ان كَانَت مَضْمُومَة
[ ٢٠٢ ]
وَذَلِكَ نَحْو ءالاء الله والجلاء وفبأي ءالاء رَبكُمَا والاخلاء وَمَا اشبهه
قد أَتَيْنَا فِي كتَابنَا هَذَا على مَا اشترطناه وتحرينا وَجه الصَّوَاب فِيمَا اوردناه وَنحن نَسْتَغْفِر الله من زلل كَانَ منا وَمن تَقْصِير لحقنا وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
[ ٢٠٣ ]
مُلْحق فِي ذكر مَذَاهِب مُتَقَدِّمي النقط من النُّحَاة
[ ٢٠٥ ]