الإمام السِّلفي محدِّث فقيه، روى الكثير من كتب الحديث وأجزائه، ومرَّت عليه كلمات للعلماء فيها بيان مذهب أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، وجال البلاد ورأى ما كان يتخبط فيه العالم الإسلامي آنذاك من انتشار الفرق والبدع والحوادث، ولم يثنه ذلك عن بيان ما كان عليه من الاعتقاد الصحيح المنافي لما كان ينتشر هنا وهناك من اعتقادات باطلة وخرافات جائرة، و«مِن مقتضى كون الرجل محدِّثًا أن يكون سلفيَّ العقيدة، وقَّافًا عند حدود الكتاب والسنَّة، يرى ما سواهما من وسواس الشيطان، وأن يكون مستقلاًّ في الاستدلال لما يُؤخذ ويُترك من مسائل الدين، وقد تعالت همم
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧٣).
(٢) انظر: السير (١٧ - ٢١)، وقد ذكر خلقًا ممَّن روى عنه بالسماع والإجازة.
[ ١ / ٢٩ ]
المحدِّثين عن تقليد الأئمة المجتهدين، فكيف بالمبتدعة الدجَّالين، وعُرفوا بالوقوف عند الآثار والعمل بها، ولا يعْدونها إلى قول غير المعصوم إلاَّ في الاجتهاديات المحضة التي لا نصَّ فيها» (^١)، وكان ﵀ متبعًا لهؤلاء الأعلام، وقد أنشأ قصيدة فيها الذَّبُّ عن المعتقد الصحيح في الأسماء والصفات، وبيان ما كان عليه العلماء الأعلام في ذلك، وفيها الحث على اتباع السنة واقتفاء آثار ومنهج مَن مضى من ذوي العلم والمعرفة والتُّقَى، ابتدأها بقوله:
ضلَّ المعطل والمجسِّم مثله … عن منهج الحق المبين ضلالَا
وأنهاها بقوله:
والأصلُ ما كان الرسول وصحبُه … قِدمًا عليه وما سواه فلَا لَا
وهي صغيرة الحجم في تسع وعشرين بيتًا.
وممَّا يدل على صحة اعتقاده واقتفائه ما كان عليه سلف الأمة أنَّه روى في المشيخة البغدادية نصوصًا كثيرة عن السلف الصالح، وفيها بيان المعتقد الصحيح في الأسماء والصفات، وإثبات القدر، وكلام الله، وعدم التعرض للصحابة، وحبهم والترضي عنهم، بل روى اعتقادات أئمة السلف كالإمام أحمد والشافعي، فروى عن شيخه أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قراءة عليه، قال: وقال لي: والله لو رحلتَ إلى هذه لَمَا ضاعت رحلتُك، قال: أنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: سمعتُ أبا بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمئة، نا الحسن بن إسماعيل الرَّبَعي، قال: قال لي أحمد بن حنبل إمام أهل السُّنَّة والصابرُ لله ﷿ تحت المِحنة:
«أَجْمَعَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ التَّابعِينَ وَأَئِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ وَفُقَهَاءُ الأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ السُّنَّة الَّتِي تُوُفِّيَ عَلَيْهَا رَسُولُ الله ﷺ أَوَّلُهَا: الرِّضَا بقَضَاءِ الله ﷿ وَالتَّسْلِيمُ لأَمْرِهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى حُكْمِهِ، وَالأَخْذُ بِمَا أَمَرَ اللهُ بهِ، وَالنَّهْيُ عَمَّا نهَى اللهُ عَنْهُ، وَإِخْلَاصُ
_________________
(١) من كلام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ﵀ كما في آثاره (٣/ ٥٤٤).
[ ١ / ٣٠ ]
العَمَلِ للهِ، وَالإِيمَانُ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَتَرْكُ المِرَاءِ وَالجِدَالِ وَالخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ، وَالمَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَالجِهَادُ مَعَ كُلِّ خَلِيفَةٍ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ، وَالإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ بالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بالمَعْصِيَةِ، وَالقَرْآنُ كَلَامُ الله مُنَزَّلٌ عَلَى قَلْبِ نبيِّه ﷺ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْ حَيْثُ مَا تُلي، وَالصَّبْرُ تَحْتَ لِوَاءِ السُّلْطَانِ على مَا كَانَ فِيهِ مِنْ عَدْلٍ أَوْ جَوْرٍ، وَلَا يُخْرَجُ عَلَى الأُمَرَاءِ بالسَّيْفِ وَإِنْ جَارُوا، وَلَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَإِنْ عَمِلُوا بالكَبَائِرِ، وَالكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ، وَأَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيُّ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ الله ﷺ وَأَوْلَادُهُ وَأَصْهَارُهُ رِضْوَانُ الله عليهم أَجْمَعِينَ، فَهَذِهِ السُّنَّةُ الْزَمُوهَا تَسْلَمُوا، أَخْذُهَا هُدًى، وَتَرْكُهَا ضَلَالَةٌ» (^١).
وقال أيضًا: أخبرنا الشيخ أبو الحسين بن الطيوري، قراءة عليه مرتين وأنا أسمع، الأولى بقراءة أبي نصر محمود بن الفضل الأصبهاني في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وأربع مائة، والثانية بقراءة أبي نصر المؤتمن بن أحمد الساجي، في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وأربع مائة، أنا أبو طالب محمد بن علي بن الفتح العُشاري الحربي، أنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن مَردك البردعي، قراءة عليه، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، نا يونس بن عبد الأعلى المصري، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول، وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به، فقال:
«لله ﵎ أسماء وصفات، جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيُّه ﷺ أمَّتَه، لا يسع أحد من خلق الله قامت لديه الحجة أنَّ القرآن نزل به وصحَّ عنده بقول النَّبيِّ فيما روى عنه العدل خلافه، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو بالله كافر، فأمَّا قبل ثبوت الحجة من جهة الخبر فمعذور بالجهل؛ لأنَّ علمَ ذلك لا يُدرك بالعقل، ولا بالرؤية والفكر، ونحو ذلك إخبار الله إيانا أنَّه سميع، وأنَّ له يَدَيْن بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ
_________________
(١) انظر: النص (٤٩٨) من هذه المشيخة.
[ ١ / ٣١ ]
مَبْسُوطَتَانِ﴾، وأنَّ له يمينًا، بقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وأنَّ له وجهًا بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وأنَّ له قَدَمًا بقول النَّبيِّ ﷺ: (حتى يضع الربُّ فيها قَدَمَه)، يعني في جهنَّم، وأنَّه يضحك من عبده المؤمن، لقوله ﷺ للذي يقتل في سبيل الله: (أنَّه لقي الله وهو يضحك إليه)، وأنَّه يهبط كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، بخبر رسول الله ﷺ بذلك، وأنَّه ليس بأعور، لقول النَّبيِّ ﷺ إذ ذَكَر الدَّجَّال، فقال: (إنَّه أعور وإنَّ ربَّكم ليس بأعور)، وأنَّ المؤمنين يرون ربَّهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وأنَّ له أصبعًا بقوله ﷺ: (ما من قلب إلاَّ وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿.
وإنَّ هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ لا يُدرك حقيقة ذلك بالفكر والرؤية، ولا يُكفَّر بالجهل بها أحد إلاَّ بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبرًا يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ، ولكن نثبت هذه الصفات وننفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^١).
وهذان الاعتقادان المنقولان عن إماميين عظيمين كافيان في إثبات صحة اعتقاد الإمام السِّلفي ﵀، بل جاء منه التصريح بشيء من اعتقاده، فقال:
أخبرنا أبو غالب محمد بن عبد الواحد بن الحسن القزاز، بقراءتِي عليه بالحريم الطَّاهري ببغداد فِي الجانب الغربي فِي المحرَّم سنة أربع وتسعين، أخبرنا أبو محمد الحسن ابن علي الجوهري، نا أبو الحسن علي بن محمد بن الفتح الأُشْنَانِي، نا أحمد بن عبد الرحمن البُزُورِي، قال: سألت الحسن بن علي الحلواني فقلت: إنَّ الناسَ قد اختلفوا عندنا في القرآن، فما تقول؟ فقال: «القُرْآنُ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا نَعْرِفُ غَيْرَ هَذَا».
_________________
(١) انظر الورقة (٢٩٥/ ب، ٢٩٦/ أ) من هذه المشيخة.
[ ١ / ٣٢ ]
وسمعت ابن أبي العَصَب يعني الأُشْنَانِي يقول: سمعتُ أحمد بن أبي عَوف يقول: سمعتُ هارون الفَرْوي يقول: «لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالمَدِينَةِ وَأَهْلِ السُّنَّة إِلاَّ وَهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ قَالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَيُكَفِّرُونَهُ، وَأَنَا أَقُولُ بِذَلِكَ، هَذِهِ السُّنَّةُ».
قال أحمد: وأنا أقول بمثل ذلك، قال ابن أبي العَصَب: وأنا أقول بمثل ذلك، قال الجوهري: وأنا أقول بمثل ذلك، قال لنا أبو غالب: وأنا أقول بمثل ذلك، قال السِّلَفي فيما أنبأني: ونحن نقول بذلك، قال إبراهيم (^١): وأنا أقول بذلك (^٢).
وروى أيضًا آثارًا كثيرة في مدح أهل الحديث وأنَّهم أتباع النبي ﷺ ورفقاؤه، والواردون حوضه يوم القيامة، وهم الحافظون للشريعة المحمدية.
وكان السِّلفي ﵀ أثناء إقامته في الإسكندرية تحت ظل دولة شيعية فاطمية من سنة (٥١١ هـ) إلى زوال ملكهم سنة (٥٦٧ هـ) على يد الأمير صلاح الدين الأيوبي، ومع ذلك كان ينشر عقيدة السلف، خاصة في الصحابة ﵄، ويحدِّث بفضائلهم ومآثرهم، ويذكر الرافضة ومثالبهم، وفي المشيخة نصوص عدة في ذلك.
ومع هذا ما كان يثير فتنًا مع دولة الفاطميين، ولا يصطدم برجالها السياسيين، بل كان يتخلص إذا اختبروه بالمعاريض وحسن الجواب، تخلصًا من بطشهم وإيذائهم له، ذكر في كتابه معجم السفر أنَّ همام بن سوار اللخمي أحد ولاة الفاطميين قال له مختبرًا رأيه في الدولة الفاطمية: «ما الخلفاء عندي سوى العلماء»، قال السِّلفي: «وذلك بمحضر من جماعة من الأمراء، فتداركت الأمر وقلت: ما أبعدَ الأمير - وفقه الله - فقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: اللهم ارحم خلفائي، قالوا: يا رسول الله! ومن خلفاؤك؟ قال: قوم يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنتي ويعلِّمونها الناس. لكن النبي ﵇ لمَّا توفي ورَّث العلم والسيف، فالعلم للعلماء يقولون ما أمر به الشارع والسيف
_________________
(١) هو إبراهيم بن عثمان بن عيسى بن درباس الماراني، رواي المشيخة عن السِّلفي.
(٢) انظر النصان: (٧٥، ٧٦).
[ ١ / ٣٣ ]
للأمراء وجيوش الإسلام يأتمرون ذلك، لكن بين من يقول: افعل، وبين من يفعل بونٌ بعيد وفرق ظاهر، ونحن الآن وأنتم وإن اختلفنا في الزي، فوارثان لإرث النبوة وكجسم واحد، فاستحسنوا هذا، وأثنوا بخير، وأرضيتهم بهذا الفصل خوفًا من التشعيث» (^١).
هكذا كان ﵀ ينشر عقيدة السلف بين طلاَّبه، وإن أحسَّ بخطر من الدولة الشيعية فرَّ من ذلك بجواب لبق، خوفًا من شرِّهم، وفرح كثيرًا لمَّا زالت دولتهم، وأصبح في غنى عن مثل تلك الأجوبة، فنشر عقيدته وعقيدة من سبقه من علماء الملة؛ إذ يقول فيهم:
وهم الأئمة إن أردتَ أئمَّة … وهم الرجال لئن أردت رجالَا (^٢)
وإلى جانب اعتقاده في كثير من مسائل العقيدة اعتقاد السلف الصالح رضوان الله عليهم، إلاَّ أنَّ ثمَّة أمور ينبغي التنبيه عليها أوردها السِّلفي في كتابه هذا، تخالف ما كان عليه السلف الأولون، وهي في الجملة أمور تتعلق ببعض المحدثات وقع فيها بعض الأئمة - غفر الله لنا ولهم - ورواها عنهم السِّلفي ولم ينكرها، بل ظاهره تقويتها والفخر بها، وهي من آثار التصوف الذي كان يمارسه في رحلاته في رُبُط الصوفية، وتقدَّم أنَّ أباه وجدَّه كانا صوفيين، وبعض شيوخه معروف بالتصوف، وقد حكى عنهم ومن طريقهم بعض الآثار المخالفة لما كان عليه سلف الأمة من حسن الاعتقاد، فمن تلك الآثار التي رواها في كتابه، قال:
١ - سمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن علي بن الحُسين بن زكريا الصوفي، بقراءتي عليه يقول: سمعتُ والدي أبا الحسن علي بن الحسين المقرئ يقول: «كُنْتُ رَاجِعًا مِنْ زِيَارَةِ قَبْرِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ ﵁، فَلَقِيَنِي أَبُو الحَسَن المَوْصِلِيُّ، وَكَانَ مِنْ صُلَحَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ
_________________
(١) معجم السفر (ص ٤١١)، والتشعيث هو التفرُّق والتفريق.
(٢) قصيدة من إنشاء السِّلفي (ص ٢٢).
[ ١ / ٣٤ ]
لِي: مِنْ أَيْنَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ بَابِ حَرْبٍ، فَقَالَ لِي: لَا تَقُلْ هَكَذَا، قُلْ: مِنَ البَقِيعِ الصَّغِيرِ، سَمِعْتُ أُسْتَاذِي أَبَا الحُسَين بْنَ سَمْعُونَ الوَاعِظَ يَقُولُ: كُنْتُ شَابًّا، فَمَضِيتُ وَحْدِي إِلَى قَبْرِ أَحْمَدَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، حَتَّى أُحْيِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَبَدَأْتُ بسُورَةِ البَقَرَةِ وَأَنَا وَحْدِي، إلَى أَنْ بَلَغْتُ مِنَ المِئَةِ مِنْ سُورَةِ هُودٍ، ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ فَنَسِيتُ مَا بَعْدَهَا، فَكَرَّرْتُ هَذِهِ الآيةَ مرَّةً أو مَرَّتَين حَتَّى أَذْكُرَ مَا بَعْدَهَا، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ - وَلَمْ أَرَ شَخْصًا ـ: يَا أَبَا الحُسَيْنَ! إِلَى كَمْ تُكَرِّرُ هَذِهِ الآيَةَ؟ وَاللهِ مَا فِينَا شَقِيٌّ! وَاللهِ مَا فِينَا شَقِيٌّ! وَاللهِ مَا فِينَا شَقِيٌّ!» (^١).
فمثل هذه الحكاية عن ابن سمعون من إحياء ليلة النصف من شعبان في قبر الإمام أحمد بالصلاة وقراءة القرآن لم يرد به حديث عن النَّبيِّ ﷺ ولا أثر عن أصحابه الأطهار، فلا يُشرع مثل هذا العمل، بل هو بدعة منكرة، والمصنف ﵀ حكاها عن شيخه الطريثيثي الصوفي، عن أبيه - ولا يُعرف من هو - ولم يعلق عليها بشيء، وفيها من الأمور المنكرة ما فيها، نسأل الله أن يغفر للأولين والآخرين من المسلمين.
٢ - وروى بسنده إلى أبي محمد الخلال قال: كتب إليَّ علي بن الحسن بن محمد بن الصَّيقل الواعظ، قال: سمعتُ عمر بن أحمد القطان، قال: سمعتُ إبراهيم بن شيبان، يقول: سمعتُ أبا عبد الله المغربي يقول: «رَأَيْتُ فِي البَادِيَةِ امْرَأةً بلَا يَدَيْنِ وَلَا رِجْلَيْنِ، عَمْيَاءَ العَيْنَيْنِ، صَمَّاءَ الأُذُنيْنِ، فَقُلْتُ: يَا أَمَةَ الله! إلَى أَينَ؟ فقالت: إلَى بَيْتِ رَبِّي وَقَبْرِ نبيِّي، فَقُلْتُ: عَلَى هَذهِ الحَالِ؟ فقالت: يَا ضَعِيفَ اليَقِينِ، غَمِّضْ عَيْنَيْكَ، قال: فَغَمَضْتُهُمَا، ثمَّ قالَت لِي: افْتَحْ عَيْنَيْكَ، فَفَتَحْتُهُمَا، فَإِذا أَنا بهَا بحِذاءِ الكَعْبَةِ، فَبَقِيتُ مُتَعَجِّبًا، فقالتْ: أَيْشٍ تَعْجَبْ؟! مِنْ قَوِيٍّ حَمَلَ ضَعِيفًا؟ !» (^٢).
وهذه الحكاية باطلة - ولم يتكلم عليها المصنف بشيء - ففي الإسناد إليها من يُجهل
_________________
(١) انظر النص (٣١٤).
(٢) انظر: النص (١٠١٣).
[ ١ / ٣٥ ]
حاله من الصوفية، وإن ثبتت فلا كرامة فيها للمرأة، ولا لأبي عبد الله المغربي، بل هذا من تلاعب الشيطان بهؤلاء الجهلة، مِمّن يزعم أنَّه دخل مكة ليطوف بغير إحرام، وقد حملته الجن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وذهابه محمولًا مع الجنِّ أو غيرهم في الهواء ليطوف ليس من الأعمال الصالحة المشروعة، لا واجبًا ولا مستحبًّا، ولو كان ذلك مشروعًا لكان الأنبياء أقدرَ على ذلك، وكانوا يذهبون في الهواء يَحجُّون، وهذا لم يُعرف عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة، والأنبياء أفضل الخلق، والصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء، ولو كان عملًا صالحًا لكان هؤلاء أحقُّ به من غيرهم، ونبيُّنا إنَّما أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليُريه الله من آياته بالمعراج …» (^١).
ثم إنَّ في الحكاية نكارة واضحة، فكيف يخاطب أبو عبد الله المغربي هذه المرأة العمياء الصمَّاء، وكيف سمعته وفهمت كلامه وردَّت عليه؟!
وفيها أيضًا سفر المرأة من غير محرم، وجاء عند أبي نعيم أنَّها كانت في برية تبوك، وهذا منهيٌّ عنه في الشرع.
٣ - وذكر أيضًا أبياتًا شعرية للحسين بن منصور الحلاج، القائل بالحلول والانحلال، فقال:
رَأَيْتُ حبِّي بعَيْنِ قَلْبِي … فَقُلْتُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنْتَ
إلى آخر الأبيات (^٢)، وفيها إشارة إلى القول بالحلول ووحدة الوجود، فكان على السِّلفي أن يُنزِّه كتابه من هذه الأقوال الشنيعة، ولعله ذكرها لبيان ضلاله، والله أعلم.
ومثل هذه الحكايات قليل جدًّا في كتاب المصنف، وجلُّ ما ذكره من الاعتقادات موافقة لما كان عليه السلف الأول، نسأل الله تعالى أن يغفر لنا وله الزلل، ويختم لنا بحسن العمل.
_________________
(١) جامع المسائل - المجموعة الأول (ص ٢١٣).
(٢) انظر النص: (٥٠٧).
[ ١ / ٣٦ ]