الرحلة في طلب الحديث سنة الأوائل، ودأب المحدِّثين، وقليل منهم لم يرحل في طلب الحديث، وأبو طاهر السِّلفي عُرف بكثرة تجواله وترحاله، قال ابن نقطة: «كان جوَّالًا في الآفاق، تغرَّب وكتب الكثير» (^٣).
وأول رحلة كانت له إلى بغداد ولم يبلغ العشرين من عمره، بدأ ها في شهر رمضان من سنة (٤٩٣ هـ)، ووصل إليها في أواخر شهر شوال من السنة نفسها، كما أفاده هو في أول حديث من هذه المشيخة (^٤)، فقرأ على شيوخ بغداد، وكان أول شيخ التقاه هو أبو الخطَّاب نصر بن أحمد بن عبد الله بن البَطِر القارئ، ورحلته هذه فيما يبدو كانت
_________________
(١) السير (٢١/ ٢١).
(٢) السير (٢١/ ٧)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٩٨).
(٣) التقييد (ص ١٧٧).
(٤) وانظر أيضًا: الوجيز (ص ٤٥، ٤٩).
[ ١ / ٢١ ]
عسرة صعبة، ذاق فيها ألوان التعب والمشقة، وما وصل بغداد إلاَّ وفي جسمه دماميل من طول السفر، وقد حدثت له مع شيخه ابن البَطِر قصة رواها السِّلفي وبكى من جَرَّاء ما وقع له فيها، يقول ﵀: «دخلت بغداد في الرابع والعشرين من شوال، فبادرتُ إلى ابن البَطِر، فدخلتُ عليه، وكان عسِرًا، فقلت: قد وصلتُ من أصبهان لأجلك، فقال: اقرأ - ونطق بالراء غينًا - فقرأتُ متَّكئًا من دماميل بي، فقال: أبصِر ذا الكلب! فاعتذرتُ بالدماميل، وبكيت من كلامه، وقرأت سبعة وعشرين حديثًا، وقمتُ، ثمَّ ترددتُ إليه، فقرأت عليه خمسة وعشرين جزءًا، ولم يكن بذاك» (^١).
ومع قسوة كلام ابن البطر لم يهز ذلك شيئًا في نفسية المحدِّث الرَّحَّال، الذي هَمُّه التقاء الشيوخ والسماع منهم، فرجع إلى شيخه وسمع منه أحاديث وسجل بعضها في أول هذه المشيخة.
وبقي في بغداد مشتغلًا بمدارسة العلماء من كلِّ فنٍّ، فقد كانت مدينةَ العلم آنذاك، تزخر بالعلوم، وكان للمدرسة النِّظَامية أثر واضح في كثرة العلماء والعلوم التي يدرسونها، فقد سمع فيها السِّلفي، ودرس الفقه والحديث على شيوخها، ولم يكتف بما في تلك المدرسة، بل سمع من كلِّ عالم وفقيه وأديب في المدينة غربيِّها وشرقيِّها، يذهب إلى دورهم ومساجدهم، يتلقى عنهم أنواعًا من العلوم والمعارف، فكان كما قال عنه ابن ناصر: «كان ههنا - يعني السِّلفي - ببغداد كأنَّه شُعلة نار في تحصيل الحديث» (^٢).
وذكر في هذه المشيخة الأماكن التي سمع واستفاد فيها من شيوخه، فلم يترك محلَّة ولا مدرسة ولا دربًا ولا بيتًا ولا سوقًا سمع فيها إلاَّ وذكرها، حتى إنَّه من شدَّة عنايته بالسماع والتلقي فقد كان يسمع وهو في وسط نهر دجلة، كما قال: «أخبرنا الشيخ أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج، بقراءتي عليه وأنا في السفينة وسط
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٦)، تاريخ الإسلام (١٢/ ٥٧١).
(٢) التقييد (ص ١٧٩)، السير (٢١/ ٢٣).
[ ١ / ٢٢ ]
دجلة ببغداد» (^١)، وسمع في كلِّ وقت من شيوخه، حتى في السَّحر، قال ﵀:
«سمعتُ القاضي أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن المروزي الصَّمَدِي يُنشد لنفسه لفظًا، ليلة الأحد الرابع من شهر رجب وقت السَّحر سنة أربع وتسعين» (^٢)، وبقي على هذه الحال مدة أربع سنوات من دخوله بغداد، وفي سنة (٤٩٧ هـ) زاره والده محمد بن أحمد الأصبهاني، والتقاه ببغداد، ورحل معه في تلك السنة إلى الحجاز لأداء مناسك الحج، وصحبهما في تلك السفرة الحافظ أبو بكر بن أبي المظفر السمعاني، والد أبي سعد صاحب كتاب الأنساب، ولم يُرِد السِّلفي مغادرة بغداد في هذه الفترة؛ لانشغاله بالعلم، فيقول في ذلك: «فألحَّ عليَّ - يعني والده - حتى أصحبه، وبالغ في ذلك، وامتنعت لما كنت بصدده من التفقه والاشتغال بالحديث وقراءة الأدب، فأبى إلاَّ الخروج معه، وأعانه على ذلك الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن أبي المظفر السمعاني، إمام أصحاب الشافعي بمرو ونواحي خراسان، وكان قد قدم حاجًّا وبعضُ حفَّاظ أصبهان وغيرها، فلم أستصوب مخالفتهم ولا اسْتحْسَنتُها؛ إذ كانوا يَدْعُون إلى الخير، فخرجت حاجًّا معه ﵀ فعند وصولنا إلى الكوفة سمعنا … ثم إنِّي بعد قفولي من الحجاز ووصولي إلى الكوفة شتوت بها واستوفيت عن محدِّثيها، واستعرت الأصول وطالعتُها» (^٣).
ففي هذا النص بيان أنَّه دخل الكوفة مرَّتين، مرة عند ذهابه إلى الحجاز عرَّج بها، والمرة الثانية بعد قفوله (^٤).
_________________
(١) انظر النص (١٦٢٧) من الجزء الرابع والعشرين، وسيأتي ذكر الأماكن التي نصَّ السِّلفي على سماعه فيها، في مبحث مستقل.
(٢) انظر النص (٩٧٧).
(٣) شرط القراءة على الشيوخ (ل: ٦/ أ).
(٤) نفى د. حسن عبد الحميد دخوله إلى الكوفة هذه السنة، ورجَّح أنَّه دخلها بعد رجوعه من الحج، ودلل على ذلك بأنَّ السِّلفي ذكر مرارًا أنَّه كان في الكوفة سنة (٤٩٨ هـ)، ولم يذكر مرة واحدة أنَّه كان فيها سنة (٤٩٧ هـ). قلت: وفيما ذكره نظر؛ للنص الذي تقدَّم، وقال أيضًا في ترجمة خمارتكين بن عبد الله الجستاني: «قرأت عليه عن أبي محمد الجوهري بالمدينة، وقبل ذلك بالكوفة سنة سبع وتسعين وأربع مائة». معجم السفر (ص ٦٩). وهذا نصٌّ جليٌّ واضح في دخوله الكوفة قبل الحجاز.
[ ١ / ٢٣ ]
وفي الحجاز التقى بطائفة من أهل العلم، وسمع منهم، وأخذ عنهم مروياتهم، هو وأبو بكر السمعاني، إلاَّ أنَّه في فترة الحج وخاصَّة في يوم عرفة لم يكن يُشغِلُ نفسَه بسماع الحديث، وكان شُغلُه الشاغل عبادةَ ربِّه والتقرُّبَ إليه في مثل هذا اليوم، وكان من نتاج ذلك أن فاته السماع على شيخ ممَّن قدم لأداء الحج، فصبر على ذلك، وآنسه أن كان في عبادة ربِّه، وروى في ذلك قصة وقعت له مع أبي بكر السمعاني، فقال في ترجمة شيخه بالإجازة أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر الهروي: «وقد اجتمعنا في عرفات سنة سبع وتسعين لمَّا حَجَجتُ مع الشيخ والدي ﵀، قال لي الإمام أبو بكر محمد بن أبي المظفر السَّمعاني المروزي: اذهب بنا إليه لنقرأ شيئًا عليه، فقلت له: هذا الموضعُ موضع العبادة، وإذا دخلنا إلى مكة نسمع عليه ونجعله من شيوخ الحَرَم المقدَّس، فاستصوبه -رحمه الله تعالى- … فلمَّا حجَّ ورجع من عرفات إلى مكَّة رحل إلى سَرَاة مع النفر الأول من أهل اليمن، وكان ابن السمعاني لما سمع برَحيله لَامَنِي على فِعلي، فهوَّلتُ عليه وقلت: لا تأسف! ولم يكن معه مِمَّا يرويه سوى كتاب البخاري، وأنت وهو في دَرجة واحدة، فأحَدُ شيوخ أبيه أبي ذر في الكتاب أبو الهيثم، وقد سمعتَه أنت على أبي الخير بن عِمران بمَرْو، عن أبي الهيثم، فطابت نفسُه حينئذ» (^١).
ثم غادر مكة سنة (٤٩٨ هـ) متوجِّهًا إلى بغداد مرة ثانية، فعرّج في طريقه على الكوفة في السنة نفسها، وسمع من أهلها، ثم دخل بغداد، وسمع فيها إلى سنة (٤٩٩ هـ)، وقد أثبت هذا السماع في مشيخته (^٢).
_________________
(١) الوجيز (ص ٨٥)، وذكرها عن السِّلفي أيضًا علي بن المفضل في كتاب الأربعين (ص ٤٨٤).
(٢) انظر: النصان (١٦٨، ١٦٩).
[ ١ / ٢٤ ]
ثم غادرها سنة (٥٠٠ هـ)، ودخل في هذه السنة البصرة في شهر جمادى الأولى (^١)، وسأل عن علمائها، وروى عن ثقاتها، وذكر الدكتور حسن عبد الحميد أنَّه عاد إلى بغداد، مرة أخرى، وفي السنة نفسها غادرها متوجِّهًا إلى مدن وقرى الخلافة الشرقية، وقد ذكر السِّلفي عدة مدن دخلها وروى عن أشياخها في كتابه في الأربعين، كأذربيجان وأرمينية وهمذان وأبهر وباب الأبواب والدينور وغيرها، وفي رحلته هذه كان يسمع وينتخب وينسخ، وكان ينسخ المجلد الضخم في الليلة الواحدة، وكان يملي ويصنف، فمما صنفه في تلك الرحلة، الأربعون البلدانية، وتراجم شيوخه الأبهريين، وغيرها، وتَجمَّع لديه عدد كبير من الأجزاء والكتب، وكان من الصعب عليه حملها معه، فتركها واستودعها في أماكن متعدِّدة، كثغر سَلَماس، وثغر آمد، وسيأتي ذكر ذلك في مبحث مصنفاته وكتبه.
وبعدها توجه إلى الشام، فدخل دمشق سنة (٥٠٩ هـ)، وذكره ابن عساكر في تاريخه، فقال: «قدم علينا دمشق طالب حديث سنة تسع وخمس مائة، وأقام بها مدة، وكتب بها عن جماعة من شيوخنا … وحدَّث بدمشق فسمع منه بعضُ أصحابنا ولم أظفر بالسماع منه، وقد سمعت بقراءته من شيوخ عدة» (^٢).
ولم يلبث كثيرًا في دمشق، حيث خرج منها سنة (٥١١ هـ)، فدخل صور، وبعدها ركب البحر في نفس السنة إلى الإسكندرية، وفي نيته التوجه إلى المغرب والأندلس للسماع من أصحاب أبي عمر ابن عبد البر، ثم العود إلى أصبهان، فلما دخل إلى الإسكندرية دخلها عالمًا في كل فنٍّ من فنون الشريعة، فاحتفى به كبراؤها، وأكرمه أهلها، فعقد لهم مجالس للسماع والأخذ عنه، فرُحل إليه من المشرق والمغرب، وتردَّد عليه المغاربة والأندلسيون، خاصة من كان متوجِّهًا منهم إلى الحج، مع أنَّه كان تحت
_________________
(١) انظر: الوجيز (ص ٨٣).
(٢) تاريخ دمشق (٥/ ٢٠٨، ٢٠٩).
[ ١ / ٢٥ ]
نفوذ الدولة الفاطمية، ولَمَّا زالت تلك الدولة الشيعية ارتحل إليه خلق كثير، بل ارتحل إليه السلطان صلاح الدين الأيوبي وإخوته وأمراؤه، فسمعوا منه أماليه الحديثية، وقبل ذلك في الإسكندرية بنى له العادل ابن سلاَّر والي المدينة للفاطميين مدرسة العادلية (السِّلفية) (^١)، فدرَّس فيها أنواع العلوم، واستقطبت هذه المدرسة الكثير من التلاميذ من داخل البلد وخارجها، وكان السِّلفي مكبًّا على الكتابة والاشتغال والرواية، لا راحة له غالبًا إلاَّ في ذلك، حتى قال هو عن نفسه: «لي ستون سنة بالإسكندرية ما رأيت منارتها إلاَّ من هذه الطاقة، وأشار إلى غرفة يجلس فيها» (^٢)، وهذا ينبئ على شدة حرصه على التحصيل والإفادة والتصنيف، ولم يغره جمال البلدة ونسيمها، فلم يكن يغادر مدرسته إلاَّ في القليل النادر، ورحل مدة تواجده في الإسكندرية إلى القاهرة، فأقام فيها ثلاث سنوات، وسمع من محدِّثيها، وأفاد من كان فيها من التلاميذ.
ثم رجع إلى الإسكندرية وبقي فيها إلى آخر حياته، وتأهَّل بها، فطاب له المقام، ووضع عصا الترحال بعدما شقَّ الأرض شقًّا، وأمضى أكثر من ثلاثين سنة في التجوال ﵀.
ولم يَعُد إلى مسقط رأسه أصبهان، وكان يتمنَّى ذلك، بل يتحسَّر على فراق الأهل والأحبة، وذكر الرعيني قصة فيها بيان شوق السِّلفي إلى أهله وبلده، فقال في ترجمة أبي محمد بن المُلَيَّح: «أنشدني الحاج أبو الحجاج بن الشيخ يُخاطب الحافظ أبا طاهر السِّلفي رحمهما الله تعالى:
أيا من حلَّ منِّي نورَ عيني … ويا مَن حاز كلَّ عُلًا وزين
_________________
(١) وصفها السِّلفي بقوله: «لم يُنشأ للفقهاء ولم يُبن قطُّ مثلها شرقًا وغربًا، بُعدًا وقُربًا، والله تعالى يكافئ منشئها الحُسنى، ويبوِّؤه جنات عدن في العُقبى»، ومَدَح مدرسةَ العادلية ومنشئَها والقائمَ عليها (السِّلفي): الشاعرُ عبد الوهاب بن إسماعيل الوراق. انظر: مقدمة إملاء الاستذكار (ص ٢٦)، معجم السفر (ص ٢٠٧).
(٢) السير (٢١/ ٢٢).
[ ١ / ٢٦ ]
أنا مذْ صرتُ عبدَك زدتُ فخرًا … وزال بملككم نقصي وشيني
أتيتكم لأقرأ أو لأروي … فعدتُ لمنزلي صفرَ اليدين
قريح القلب لم أظفر بشيء … كأنِّي لم أكن أهلًا لِذَيْنِ
يروح الناس عنكم بكلِّ خير … وأرجع لابسًا خُفَّي حُنين
وما ذنبي سوى أنِّي غريبٌ … وقومي حيل بينهمُ وبيني
قال أبو محمد المذكور: قال لي أبو الحجاج: لَمَّا وقف الشيخ أبو طاهر على هذه الأبيات، وبلغ إلى قولي:
وما ذنبي سوى أنِّي غريب البيت.
تواجد وبكى، وصاح بأعلى صوته:
وقومي حيل بينهم وبيني
حنينًا إلى وطنه أذربيجان، وشوقًا إلى من خلَّف بها من القرابة والإخوان، وغشي عليه، فجعل طلبتُه يلومونني، ويقولون: ما هذا الذي جنيتَ علينا اليوم؟! وأُدخل الشيخ ﵁ دارَه، فلَم يخرج إلاَّ بعد أربعة أيام».