كانت أصبهان مدينة عظيمة مشهورة، من أعلام المدن وأعيانها، تزخر بالعلم والعلماء، وكان لأهلها عناية بسماع الحديث وغيره من الفنون، والحافظ أبو طاهر السِّلفي نشأ في تلك البيئة العلمية، من حبٍّ للعلماء، والسعي في الأخذ عنهم، خاصة الغرباء، وقد صوَّر لنا الحافظ صورة من تلك المشاهد فيقول في ترجمة أحد شيوخه بالإجازة: «الإمام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، شيخ الحنابلة بها ورئيسهم، قدم أصبهان رسولًا من قبل الخليفة إلى السلطان، وأنا إذ ذاك صغير، وشاهدته يوم دخوله إلى البلد ووصوله، وكان يومًا مشهودًا كالعيد، بل أبلغ في المزيد … وحضرت في الجامع الجُورْجِيري - الذي بالقرب من باب القصر محلّتنا - مجلسه بنفسي، لا بمحضر من الكبار، بل متفرِّجًا كعادة الصغار» (^٣).
وبعد أن ترعرع اعتنى به أبوه أشدَّ عناية، فحدَّثه هو بنفسه، وأقرأه القرآن على شيوخ أصبهان، وسمع على محدِّثيها، فتصدَّى للسماع وكتب الحديث على رغبة تامَّة، وعزيمة مستدامة، فالتقى بمن كان بها من المحدثين، وأول من سمع منه محمد بن محمد بن عبد الرحمن المديني، وله سماع سنة (٤٠٩ هـ)، ومن الرئيس أبي عبد الله
_________________
(١) تاريخ دمشق (٥/ ٢٠٩).
(٢) التكملة في وفيات النقلة (٣/ ١٨٧).
(٣) الوجيز (ص ٤٤، ٤٥).
[ ١ / ٢٠ ]
القاسم بن الفضل الثقفي، وله سماع سنة (٤٠٣ هـ)، ومن أروى بنت محمد، وهي ابنة عم جدَّته فاطمة الشعبية، وغيرهم من شيوخ أصبهان، وقد ألف معجمًا في شيوخه الأصبهانيين، يقول تلميذه الحافظ ابن المفضل: «عدة شيوخ الحافظ السِّلفي بأصبهان تزيد على ست مائة نفس» (^١).
وبعد سنوات قليلات من التلقي آنس من نفسه قدرة على الإلقاء والإفادة، فتصدى للتدريس ببلده أصبهان ولم يبلغ العشرين، يقول هو عن نفسه: «كُتِبَ عنِّي بأصبهان أوَّل سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة، وأنا ابن سبع عشرة سنة أو أكثر، أو أقلَّ بقليل، وما في وجهي شعرة، كالبخاري ﵀ يعني لَمَّا كتبوا عنه» (^٢).
ثم ارتحل بعد ذلك كعادة المحدّثين وطلاَّب الحديث للقاء الشيوخ والإكثار من الروايات.