وأمَّا تلاميذ السِّلفي، فهم أكثر من شيوخه، رجل بدأ في التدريس والإفادة منذ صغره، وأملى في رحلاته، وأخذ عنه الصغار والكبار، وألحق المتأخر بالمتقدم، والخلف بالسلف، حريٌّ بمن مثله أن يكون في تلاميذه كثرة، والآخذون عنه وفرة، بحيث لا يمكن حصرهم وتعدادهم، فقد تولى التدريس في أصبهان وعمره لم يتجاز العشرين، ورحل بعد ذلك إلى الشرق والغرب، وأملى مجالس كثيرة في ترحاله وتجواله، ثم لما استقر به المقام في الإسكندرية، وخاصة بعد وفاة شيخه ابن الحطاب وتوليه التدريس في العادلية (السِّلفية) عادت الإسكندرية دارَ حديث، وحضره الكبار والصغار،
_________________
(١) الوجيز (ص ٦٥)، وانظر أيضًا (ص ٦٨).
(٢) الوجيز (ص ٨٢)، وانظر أيضًا (ص ٤٩) وفيها.
[ ١ / ٢٨ ]
والولاة والوزراء والأمراء، والغرباء والأدباء والشعراء، وكافة طبقات المجتمع، ورُحل إليه من الشرق والغرب، ونشطت الحركية العلمية أيما نشاط، ودرَّس فيها أكثر من ستين عامًا، ولا يكاد القارئ يتصفح الأجزاء الحديثية وغيرها إلاَّ وللسِّلفي فيها يد، من تخريج أو رواية أو سماع وغيره.
وحدَّث عنه مشاهير أعلام، أمثال عبد الغني المقدسي، وكتب عنه الكثير، قال الذهبي: «لعله كتب عنه ألفَ جزء» (^١)، والحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي الحنبلي، وله جزء فيه فوائد حسان عن السِّلفي، وأبو عبد الله محمد بن أحمد ابن وضاح المرسي، والقاضي سَنَد بن عنان المالكي، والإمام أبو الحسن علي بن المفضل الإسكندراني المالكي، صاحب كتاب الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين، وقد أكثر عنه في هذا الكتاب، وروى عنه خلق كثير، وآخرهم موتًا أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام السفاقسي، وبينهما في الوفاة سبع وأربعون سنة، قال الذهبي: «وذا لم يتفق مثله لأحد في كتاب السابق واللاحق» (^٢).