مَن كان أمثال السِّلفي ﵀ في سَعَة الرحلة، وكثرة التَّجوال يصعب بل يستحيل تعداد شيوخه، فقد كان فيهم كثرة كاثرة لا يحصيهم إلاَّ العليم الخبير، ففي بلده سمع من أكثر من ستة مائة شيخ، وألَّف معجمًا لهم، وفي بغداد سمع أكثر من مائتين وأربعين شيخًا مِمَّن نصَّ عنهم في المشيخة البغدادية، وألَّف كتابه معجم السفر في بقية شيوخه الآخرين، وفي شيوخه المعروف الثقة، والمجهول المستور، والضعيف، والمحدث والفقيه، والأديب والشاعر، وغيرهم، ولم يترك فنًّا من الفنون وإلاَّ وسمع من أهله، فكان كلَّما دخل مدينة أو قرية سأل عن شيوخها، فقد يدرك من يدرك منهم، وقد يفوته بعض الشيوخ ويكون بين دخوله ووفاتهم شهر أو أكثر، وقد يكون عارض آخر يمنعه
[ ١ / ٢٧ ]
من السماع، ويتحسَّر لذلك، وكثيرًا ما كان يسلي نفسه بقوله: «والسماعُ رِزقٌ»، قال في ترجمة محمد بن أبي الرعد العكبري: «توفي ببغداد وأنا بها في صفر سنة أربع وتسعين، ولم يتفق لي سماع شيء عليه، مع أنِّي قصدته غير مرة، فلم أصل إليه لعارض مرض برح به وبلغ منه، وحضرت جنازته» (^١)، وقال في ترجمة أبي طاهر ابن محمويه العبدي:
«وقد سألت أنا عنه لَمَّا دخلت البصرة أبا محمد جابر بن محمد بن جابر التميمي الحافظ في جمادى الأولى سنة خمس مائة، فقال: مات قبل وصولك بشهر» (^٢)، وهؤلاء الشيوخ الذين أدركهم ولم يسمع منهم استدعى لنفسه منهم إجازات فأجازوه، وتولى أيضًا بعض محبِّيه أخذ الإجازة منهم له، فصنَّف فيهم كتابًا سمّاه: «الوجيز في ذكر المُجاز والمجيز».
وأمَّا شيوخه الذين أدركهم وسمع منهم فهم كثرة كاثرة، والكتاب الذي بين أيدينا نموذج لهؤلاء الشيوخ الذين سمع منهم، وسيأتي في دراسة الكتاب مبحث في ذكرهم وذكر عددهم وتراجمهم.