تتنوَّع فوائد كتب المشيخات ومعاجم الشيوخ حسب تنوع أساليب التأليف وأسبابه، فمن المصنفين من يجمع أسماء شيوخه ويذكر مروياته عنهم أو نماذج منها من غير بيان لكثير من عناصر الترجمة الكثيرة، ومنهم من يتوسَّع في ذكر تلك العناصر، فيذكر كلَّ ما يتعلَّق بشيخه من بيان اسمه ونسبه وكنيته وسنة ولادته ووفاته وشيوخه والكتب التي سمعها منه ومرتبته من حيث الجرح والتعديل، وغير ذلك.
فالفوائد التي تستخرج من كتب المشيخات تتوقَّف على منهج المصنف في جمع شيوخه، ويمكن تلخيص تلك الفوائد فيما يلي:
١ - بقاء سلسلة الإسناد، فالمصنف الذي يذكر مشايخه في كتاب معيَّن ويورد الأحاديث والآثار عن ذلك الشيخ بإسناده إلى النَّبِيِّ ﷺ أو إلى أصحابه أو من دونهم يكون قد حفظ لنا سلسلة الإسناد، وهي من ميزات هذه الأمة.
٢ - أنَّ كتب المشيخات والمعاجم تُعتبر من مصادر كتب الرجال بأنواعها، من أنساب ومؤتلف ومختلف وكنى وألقاب وجرح وتعديل وغير ذلك من الفنون المتشعبة عن علم الرجال، وذلك أنَّ المصنِّف أعلم بشيوخه من غيره، وأدرى بأحوالهم وأسمائهم وكلِّ ما يتعلَّق بالشيخ من صفات خَلقية وخُلقية وغيرها، وأصحاب المشيخات كثيرًا ما يعتنون ببيان كلِّ ما يتعلق بشيوخهم من حيث الأسماء والكنى والأنساب والألقاب، والولادة والوفاة، والجرح والتعديل، وغير ذلك، خاصة الكتب
[ ١ / ٥٣ ]
التي وُضعت لمعرفة سير الشيوخ وأحوالهم.
وقد بيَّنت ما في كتاب السِّلفي من هذه الفوائد في مبحث منهجه في تصنيف الكتاب.
٣ - إنَّ كتب المشيخات تُعدُّ أيضًا وثائق هامة لمعرفة كثيرًا من الأمور المتعلقة بغير الحديث وعلومه، فهي وثائق علمية لمجالات كثيرة من العلوم الإسلامية والإنسانية، فكثير من المصنفين في المعاجم يشيرون إلى الأحداث التي وقعت في زمن شيوخهم، خاصَّة إن كان الشيخ توفي في تلك الأحداث، وهذه وثائق تاريخية هامة، قد لا يجدها القارئ في مظانِّها (^١).
وفي مشيخة السِّلفي معلومات كثيرة حول بغداد، من حيث المعالم الجغرافية فيها، فقد ذكر السِّلفي الأماكن والدور والمساجد والطرق والشوارع وغير ذلك من المعالم التي سمع فيها من شيوخه بالتفصيل، يبيِّن موقعها في مدينة دار السلام، وقد انفرد بذكر بعض تلك المناطق والمعالم عن سائر من ألف في معاجم البلدان فيما وقفت عليه.
وقد ذكرت تلك المواقع والمعالم في مبحث المعالم الجغرافية لمدينة بغداد المذكورة في المشيخة البغدادية.
فهذه وثائق تاريخية وجغرافية تمتاز بها كتب المشيخات عن سائر كتب الحديث.
٤ - تُعدُّ كتب المشيخات وثائق علمية دقيقة للسنة النبوية، فهي مصدر من مصادر السنة، ومصدر وثيق لمعرفة طرق الحديث، وتُعتبر أيضًا مصدرًا لتوثيق مرويات السنة من كتبها الأصيلة، ففي الغالب يروي صاحب المشيخة تلك النصوص من كتب السنة المشهورة وغيرها.
وفي المشيخة البغدادية الكثير من تلك النصوص، حيث يصل المصنف إلى تلك
_________________
(١) ذكر بعض النماذج في ذلك د. موفق بن عبد الله في كتابه: «علم الأثبات ..» (ص ٢٣٠).
[ ١ / ٥٤ ]
الكتب من طريق شيوخه، وقد بيَّنت في مبحث موارده في القسم المحقق الكثير من تلك المصادر.
٥ - تُعتبر كتب المشيخات وثيقة هامة لتصحيح ما قد يطرأ على النسخ الخطية لكتب العلماء والمحدِّثين من أمالي وأحاديث وأجزاء وغيرها من أخطاء إسنادية ومتنية، وذلك أنَّ غالب كتب المشيخات عمدة نصوصها كتب الأوائل من مسانيد وجوامع وسنن وأجزاء حديثية وغيرها، فهي عبارة عن نسخ أخرى لهذه الكتب (^١).
٦ - وهي أيضًا وثيقة هامة لتصحيح ما في عالم المطبوعات اليوم من كتب تختلف درجات التصحيف فيها بين كتاب وآخر بناء على قوة المحقق والناشر في قراءة النصوص الخطية، وقد ذكرت في هوامش الكتاب بعضًا مما وقع فيه المحققون والناشرون للكتب من أخطاء وتصحيفات، والأمثلة في ذلك كثيرة (^٢).
٧ - تُعدُّ كتب المشيخات من كتب الحديث التي اعتنت بالمرويات، فهي من مصادر تخريج الحديث وتتبع الطرق لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه.
٨ - اشتملت كتب المشيخات على ذكر الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة والمقطوعة، والأشعار والإنشادات، وغير ذلك من أنواع المرويات، وهي إثراء للعلوم الإسلامية بشتى أنواعها؛ وفي المشيخة البغدادية العديد من تلك الفنون المتنوعة والنصوص البديعة.
٩ - لم يقتصر بعض المصنِّفين في المشيخات على ذكر المحدِّثين من الشيوخ فقط، بل ذكروا شيوخهم في العلوم الأخرى من فقه ونحو وغير ذلك، فكتب المشيخات من مراجع كتب التراجم بشتى أنواعها، فيُعرف من خلالها النحوي والزاهد والمحدِّث
_________________
(١) انظر مثلًا النص: (٥٩، ٢١٤، ٢٢٨)، وغيرها من الأمثلة من هذه المشيخة.
(٢) انظر التعليق على النص (٢٤، ٢٥، ٢٨، ٣٧٤، ٥٢٩، ٧٨٤، ٨١٨)، وغيرها من الأمثلة.
[ ١ / ٥٥ ]
والأديب والفقيه وغير ذلك، والسِّلفي في هذه المشيخة ذكر عددًا من شيوخه من مختلف الفنون والعلوم (^١).
١٠ - تُعدُّ كتب المشيخات من أهم المصادر التي تعتني ببيان أسماء الكتب والأجزاء المسموعة، ونسبتها لمؤلفيها، فهي أسانيد لتلك الكتب والأجزاء، وهي دلائل على صحة نسبتها؛ وذلك أنَّ صاحب المشيخة يذكر إسناده إلى أصحاب الكتب والأجزاء الحديثية، بل إنَّ بعض الأجزاء والكتب هي من رواية صاحب المشيخة بإسناده المذكور، فتتفق المشيخة والجزء الحديثي في ذلك الإسناد الواحد، فبالتالي تكون دليلًا واضحًا على صحة نسبة الكتاب لمؤلفه، والسِّلفي ﵀ مِمَّن كان له اليد الطولى في رواية الأجزاء الحديثية، وكثير منها من روايته أو تخريجه، وبعضها موافق لما ذكره في مشيخته (^٢).
والفوائد والعوائد في كتب المشيخات كثيرة جدًّا، وما ذكرته لا يُعدُّ أن يكون إلاَّ لمسات من تلك الفوائد للاستدلال بها على غيرها.
* * *
_________________
(١) انظر: المبحث الرابع من هذا الفصل.
(٢) وقد ذكرت بعض النماذج في المبحث الخامس من هذا الفصل، موارده في القسم المحقق.
[ ١ / ٥٦ ]