إنَّ أحسن مصدر لترجمة إمام من الأئمة هو ما يكتبه العالم عن نفسه، ثم يلي ذلك ما يكتبه عنه تلامذته، وبعده ما يكتبه المعاصرون له، ثم من بعدهم وهكذا.
والإمام السِّلفي لم يُترجم لنفسه ترجمة مستقلة - فيما أعلم - لكنه ذكر في بعض كتبه بعض الحوادث التي تناولت جوانب من حياته الشخصية، تُعدُّ تلك الحوادث والحكايات من أهمِّ المصادر التي يستقي منها من أراد كتابة ترجمة لهذا الإمام العلَم، وذلك في كتابه معجم السفر، والوجيز في ذكر المُجاز والمجيز، وشرط القراءة على الشيوخ، والمشيخة البغدادية، وغيرها من الكتب والأجزاء.
وبعدها في الرُّتبة تأتي كتب تلامذته، وقد ترجم له أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المُرسي التُّجيبي محدِّث تِلمسان (٦١٠ هـ)، كما نقل ذلك ابن الأبَّار فقال: «وذكره شيخنا أبو عبد الله التجيبي في معجم مشيخته مصدِّرًا به ومبتدئًا لسنِّه وفضله وعِظم قدره وعلوِّ سنده» (^١).
ثم يلي ذلك كتب المعاصرين له، وقد ترجم له بعض معاصريه، منهم السمعاني (٥٦٢ هـ) في كتابه الأنساب، في مادة: (السِّلفي)، ذكر فيه اسمه ونسبه ونسبته، وصحبته لأبيه أبي بكر السمعاني في رحلته من بغداد إلى الحجاز، وعمَّن سمع بأصبهان وغيرها من المدن، ثم إقامته بالإسكندرية إلى حين كتابة السمعاني لذلك، وذكر شيئًا من شعره المليح (^٢).
وترجم له أيضًا في كتابه المذيَّل على تاريخ بغداد، كما في المختار منه لياقوت الحموي، واكتفى في المختصر بذكر اسمه ونسبه ونسبته، وذكر بعض الآثار من طريقه،
_________________
(١) معجم أصحاب الصدفي (ص ٥٠).
(٢) انظر: الأنساب (٣/ ٢٧٤).
[ ١ / ١٤ ]
وبعض أشعاره فقط (^١).
وأورد الذهبي نصًّا من المذيَّل خلا منه المختصر (^٢).
ويظهر أنَّ السمعاني لم يلق أبا طاهر السِّلفي، وإلاَّ لأخذ عنه ولم يحوجه عدم لقائه أن يذكر أشعاره بواسطة شيوخه.
وبعد السمعاني ترجم له ابن عساكر (٥٧١ هـ) في تاريخ دمشق، وذكر وفادته على دمشق سنة تسع وخمسمائة، وذكر شيوخه الدمشقيين، وحضر ابن عساكر مجالس عدة سمع فيها بقراءة السِّلفي، ولم يظفر هو بالسماع منه، وله عنه إجازة، وحدَّثه أخوه
هبة الله بن الحسن عن السِّلفي، وذكر حديثًا من طريقه، وبعض أشعاره.
وذكر أيضًا توجهه إلى مصر والإسكندرية، وتزوجه بها بامرأة ذات يسار، وحصوله على ثروة بعد فقر وحاجة، وتدريسه بالمدرسة العادلية (^٣).
وذكره أيضًا في معجم شيوخه، وليس في مادة الترجمة شيئًا زائدًا عمَّا في التاريخ (^٤).
ومِن بعد ابن عساكر ترجم له العديد ممَّن جاء بعد هذه الطبقة، كابن نقطة (٦٢٩ هـ) في التقييد وتكملة الإكمال، وابن الأثير (٦٣٠ هـ) في اللباب والكامل، وابن الأبار (٦٥٨ هـ) في معجم أصحاب أبي علي الصدفي، وغيرهم.
ثم مِن بعدهم الذهبي (٧٤٨ هـ) في العديد من كتبه، كالسير وتاريخ الإسلام والميزان، وغيرها، وذكره في الميزان للدفاع عنه، لا لتضعيفه، حيث قال ﵀: «أحمد ابن محمد بن أحمد الحافظ الثقة أبو طاهر السِّلفي، ما علمت أنَّ أحدًا تعرَّض له حتى ظفرت بشاردة باردة … فالسِّلفي شيخ الإسلام وحجَّة الرواة» (^٥).
_________________
(١) انظر: المختار من ذيل التاريخ (ل: ٩٩/ ب).
(٢) سيأتي ذكره في مبحث ثناء العلماء عليه.
(٣) انظر: تاريخ دمشق (٥/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٤) انظر: معجم الشيوخ (١/ ٩٢).
(٥) وتبعه على ذلك الحافظ في اللسان. انظر: الميزان (١/ ١٥٥)، اللسان (١/ ٢٩٩).
[ ١ / ١٥ ]
ثمَّ تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية (٧٧١ هـ)، والحافظ ابن كثير (٧٧٤ هـ) في البداية والنهاية، وغيرهم.
ثم توالت التراجم إلى عصرنا، فتناوله بعض الباحثين في أطروحاتهم العلمية، من مستشرقين ومسلمين، منهم:
الدكتور شير محمد زمان في تحقيقه لمعجم السفر للسِّلفي، ترجم له في مقدمة الكتاب ترجمة مطولة، إلاَّ أنَّها باللغة الإنكليزية.
وكتب عنه محمد محمود زيتون كتابه: الحافظ السِّلفي أشهر علماء الزمان، وهو مطبوع في مجلد لطيف.
كما تناوله الدكتور حسن عبد الحميد صالح في أطروحته الدكتوراه بالدراسة، وكانت ترجمة الحافظ السِّلفي القسم الأول من أطروحته، وقد طُبع الكتاب، وهي أنفس وأحسن ترجمة للسِّلفي، اجتهد في جمع مادة الترجمة من مختلف الكتب، وكتبها بأسلوب أدبيٍّ، لا يملُّ قارؤها، ولو قرأها مرارًا، سمَّاه: الحافظ أبو طاهر السِّلفي، وقد استفدت من هذا الكتاب فوائد جمَّة، لكن لمَّا كانت طباعة الكتاب سنة (١٩٧٧ م) أي بنحو ثمان وعشرين سنة، وتوفي مؤلفه قبل طباعته بعام استدرك عليه مَن جاء بعده، خاصة في ذكر مؤلفات السِّلفي المطبوع منها والمخطوط.
ومن أحسن مَن ذكر مؤلفاته ما قام به محققا الطيوريات للسِّلفي (^١)، من دراسة وافية لجميع مؤلفات السِّلفي، وقد فاتتهم أشياء نبَّهت عليها في موضعها.
كما تُرجم للسِّلفي في مقدِّمات كتبه المطبوعة، وغالب تلك التراجم مختصرة، تناسب حجم الرسائل والأجزاء المطبوعة.
ولما كان السِّلفي قد تناوله المعاصرون بالترجمة، وكُتبت عنه دارسة موضوعية
_________________
(١) وهما: دسمان يحيى معالي، وعباس صخر الحسن، ونالا به درجة الماجستير بالجامعة الإسلامية، وطُبع الكتاب بمكتبة أضواء السلف بالرياض عام (١٤٢٥ هـ) في أربعة مجلدات.
[ ١ / ١٦ ]
شاملة رأيت أن تكون ترجمتي له مختصرة، تتركَّز على أهمِّ الأمور التي في حياته الشخصية والعلمية، وعلى ما فات بعض المعاصرين ذكره، أو بيان خطأ وقعوا فيه؛ لتتم الفائدة من كلِّ التراجم، والله ولي التوفيق والسداد.
* * *
[ ١ / ١٧ ]