﷽
إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فأدَّى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربِّي وسلامه عليه.
وبعد:
فإنَّ العمل بكتاب الله، واتِّباعَ سنَّة رسول الله ﷺ، ومعرفةَ واقتفاءَ آثار مَن مضى من السَّلف من صحابةٍ وتابعين، مِن أسباب عِزِ الأمَّة ووحدتها، وهو دليل وجودها وجِدِّها، وقد تعهَّد الله تعالى بحفظ هذا الدِّين؛ فاختار له رجالًا صالحين، عدولًا ضابطين، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، من لدن صحابة رسوله ﷺ إلى يوم المعاد، فلا تزال طائفة من هذه الأمَّة المباركة على الحقِّ قائمين، لا يضرُّهم مَن خالفهم ولا مَن ناوأهم إلى قيام الساعة، وجعل الله ﷿ في كلِّ زمن مَن يُجدِّد لهذه الأمة أمر دينها، ويُحيى ما اندرس مِن علومها وأخلاقها وآدابها في كلِّ عصر ومصر؛ لذلك وغيره اتَّجهت هِمَمُ علمائها لحفظ هذا الدِّين بإيداعه في الصدور، وجمعه في الدواوين والسطور، فكثرت المؤلَّفات في كلِّ فنٍّ من الفنون، تمثَّلت في جمع سنة سيد الأولين والآخرين، وما كان عليه صحابتُه الميامين، من فقه في الدِّين، واعتقاد في ربِّ العالمين.
لكن شاء الله تعالى أن يدخلَ في هذا الميدان الواسع مَن ليس بأهل، من أصحاب الأهواء والضعفاء والكذَّابين، فحاكوا المحدِّثين في علمهم، ورووا ما ليس له خطام
[ ١ / ١ ]
ولا زِمام، ناسبين ذلك إلى نبيِّهم ﷺ، كلٌّ بحسب ما تدفعه عقيدتُه لروايته، ومزاجُه لصياغته، فانبرى لهم أهلُ الإيمان والعلم والعرفان بالتمحيص والتدقيق، والتعديل والتجريح، فعُرف الكاذب من الصادق، والمخطئُ من الحاذق، وصُنِّفت مصنَّفات تبيِّن أحوالهم ودرجاتهم، من حيث الكذبُ والصدق، والثقةُ والضعف، فتميَّز منهم مَن كان أهلًا للأخذ عنه والترحال، فشُدَّت إليه الرواحلُ والجِمال، وازدحم عليه طلاَّب الحديث والرِّضوان، فسمعوا وكتبوا، وأذاعوا ونشروا، فحُفظت بذلك السنن والآثار فـ «رحم الله سلَفَنا من الأئمَّة المرضيِّين، والأعلام السابقين، والقدوة الصالحين، من أهل الحديث وفقهائهم، قرنًا بعد قرن، فلولا اهتبالُهم بنقله، وتوفُّرهم على سماعه وحمله، واحتسابهم في إذاعته ونشره، وبحثهم عن مشهوره وغريبه، وتنخيلُهم لصحيحه من سقيمه، لضاعت السُّنن والآثار، واختلط الأمر والنهي، وبطل الاستنباط والاعتبار» (^١).
وكان من هؤلاء الأعلام المفاريد الذين جابوا الدنيا بحثًا عن السنن والآثار، والأعلام والأحبار، مُلحِقُ الصِّغار بالكبار، الإمامُ العلَم، والشيخ الأجَلُّ، مسند الدنيا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سِلَفة السِّلفي الأصبهاني نزيل الإسكندريَّة، المولود سنة (٤٧٤ هـ)، والمتوفَّى سنة (٥٧٦ هـ) عن عُمْرٍ جاوز المائة.
اعتنى به والده في صِغره، فأسمعه الحديث على شيوخ بلده، ففاق أقرانه بكثرة مسموعاته، وجودة قريحته وحفظه، فتصدَّر التدريس في بلده ولَمَّا يَبلِغ العشرين من عمره، ثم تاقت نفسُه للقاء الكبار، فارتحل عن بلده أصبهان متوجِّهًا إلى مدينة العلم والسلام، بغداد التي تركت في نفوس أهل الإسلام ما لا يعلمه إلاَّ الخالق العلاَّم، من أسًى على ضَياعها، وحزن على وقوعها بأيدي أعدائها، نسأل الله تعالى لها الخلَاص، ولأهلها العودة لما كان عليه سلفهم من العلم والإيمان والإخلاص.
_________________
(١) من كلام القاضي عياض في مقدمة كتابه الإلماع (ص ٧).
[ ١ / ٢ ]
دخلها ﵀ في أواخر القرن الخامس، كلُّه شوقٌ للقاء مَن بها من أهل العلم، فالتقى مَن كتب اللهُ له لُقياه من الأعلام، فسمع منهم، وحفظ عنهم، فأثبت كلَّ مَن علَّق عنه شيئًا من الحديث وإن لم يكن عارفًا بقوانين الرواية والتحديث، وسَمَّى كلَّ مَن استفاد منه فائدة فقهيَّة أو أدبيَّة أو زهدية، أو استنشده فأنشده شيئًا من شعره وبنات فكره، أو مما أنشده مَن شاهده من أديب بارع أو راوية جامع، فروى كتبًا وأجزاء، ومرفوعات وموقوفات، وأخبار وحكايات وإنشادات، وفوائد ومنتقيات، من عقائد وآداب وحِكَم وزهديات، واستجاز مَن استحق أن يُستجاز فأجازوه، وسألهم فأفادوه، فجمع كلَّ ذلك، وأدرجه كتابه الفذَّ الموسوم بـ:
المشيخة البغدادية
ذكر فيه أسماء شيوخه وأسماء آبائهم ونسبتهم وأنسابهم، وذكر نماذج مما استفاده من علومهم ومرويَّاتهم، بسنده المتصل إليهم بالسماع والقراءة والإخبار، فجمع علمًا جمًّا في مشيخته هذه، وزادها حُسنًا إلى حسن ذكرُه للمحالِّ والمواضع والأماكن التي سمع فيها من شيوخه، فوصف بغداد وصفَ مَن وَقَفَ على شوارعها وأسواقها، ومدارسها ومساجدها، ودورها ودروبها وأنهارها، في غربيِّها وشرقيِّها، فصار كتابُه موسوعةً علمية في علوم شتى:
فهو موسوعةٌ في معرفة حديث المصطفى ﷺ، وأقوال صحابته الكرام، ومَن بعدهم من الأئمَّة الأعلام إلى عصر مؤلِّفه رحمة الله عليهم أجمعين.
وموسوعةٌ في معرفة الرجال، خاصَّة شيوخ المصنِّف، وهم من الطبقة التي جاءت بعد الخطيب البغدادي أو كانوا في عصره، لكن لم يُقدَّر لهم أن يُذكَروا في تاريخ بغداد للخطيب، فذكرهم السِّلفي في هذا التاريخ، فأحيا ذكرَهم، وحفظ أنسابهم، وبيَّن علومهم ومعارفهم، وهذا وفاءٌ منه لهؤلاء الأعلام الذين استفاد منهم وأفادوه.
[ ١ / ٣ ]
وهو موسوعةٌ جغرافية في معرفة معالم مدينة السلام في نهاية القرن الخامس، بمعرفة أسماء محالِّها ودروبها وشوارعها وأسواقها وأنهارها ومواضعها في بغداد، أفي شرقيِّها أم غربيِّها والتي يقسمها نهر دجلة العظيم.
وموسوعةٌ في معرفة الحركة العلمية في ذلك القرن الذي توالت فيه النَّكبات، وتعدَّدت فيه الفتن، وكثر أهل الأهواء والإحن، من رافضة وباطنية، وحروب صليبيَّة، مع ذلك كلِّه لم ينثن أهل العلم في رواية السنَّة وتعليم الدِّين؛ إذ لا نجاة لهذه الأمَّة ولا عِزَّ لها إلاَّ بالرجوع إلى الدِّين الصحيح، من كتاب الله الحكيم، وسنَّة رسوله الأمين ﷺ.
فكان كتاب المشيخة البغدادية أحد نواة تلك الحقبة الزمنية، جمعها السِّلفي مدَّة إقامته بها، وحدَّث بها بعد أن غادرها إلى موطنه الأخير الإسكندرية.
وفوائدُ الكتاب وعوائده كثيرة لا تُحصى، يكفيه من ذلك كلِّه أن حفظ لنا نصوصًا نبويَّة، وطرقًا إسناديَّة قلَّ أن توجد إلاَّ عنده، ناهيك عن الآثار والأشعار والحكايات والأمثال، بل حفظ أمثلة ونماذج من كتب فُقدت، وأجزاء حديثية اندثرت، لم يبق إلاَّ أسماؤها وأسماء مؤلِّفيها في كتب البرامج والمعاجم، فجاءت المشيخة البغدادية تُحيي ذكرها، وتبين ما خفي من أسرارها.
وقد طال إعجابي بهذا الكتاب بعد أن وقفت عليه وتأمَّلته، ثم نسخته وقابَلته، فتبيَّن لي كثرةُ فوائده وعوائده؛ إذ حوى بين طيَّاته علومًا جمَّة من علوم السنَّة وغيرها، وقد بلغ عددُ أوراقه أكثر من أربعمائة ورقة ذات وجهين، وعدد نصوصه يقرب من ثلاثة آلاف بيقين، من بين حديث وأثر، وشعر وإنشاد وخبر، كيف لا ومؤلِّفها عُرف بإتقانه وجودة اختياره وانتقائه، وعُرف بحفظه وإفادته، حتى لُقِّب بألقاب تُنبئ عن علمه وفضله، فهو مسند الدنيا، وبقية المسندين، وحافظ الإسلام، وأعلى أهل الأرض إسنادًا، إلى غير ذلك مما قيل فيه وفي علمه.
[ ١ / ٤ ]
فعزمتُ على تقديمها لنيل درجة العالمية العالية الدكتوراه، فلقت قبولًا في مجالس الكلية والدراسات بحمد الله وعونه، وبما أنَّ الوقت المحدَّد لتقديمها لا يكفي لتسجيل جميعها، قمتُ بتسجيل الأجزاء العشرة الأولى منها، وتقع في مائة وخمس وخمسين لوحة، وهي تمثِّل أكثر من ثلثها؛ إذ زاد عددُ نصوصها على الألف ومائة، بلغت فيه الأحاديث المرفوعة (٦٥٤) حديثًا، والآثار الموقوفة والمقطوعة والأشعار والحكايات وما يلحق ذلك (٤٥٢) أثرًا، ومجموع ذلك كلِّه (١١٠٦) نصوص، فاستعنت الله على دراستها وتحقيقها، وكانت الخطة المتبعة في ذلك كما يلي:
ينقسم العمل في هذه الأطروحة إلى قسمين أساسيين:
القسم الأول: الدراسة.
القسم الثاني: التحقيق.
أولًا: قسمُ الدراسة
ويشتمل على مقدّمة وفصلين.
فالمقدّمة: اشتملت على كلمةٍ موجزةٍ عن حِفظ السنَّة النَّبوية، وطرق جمعها والتأليف فيها، وسبب اختيار الموضوع، والعملُ في الرسالة، وبيانُ منهج التحقيق.
الفصل الأول: ترجمة المصنِّف ترجمة مختصرة، وفيه أحد عشر مبحثًا.
مدخل إلى ترجمته.
المبحث الأول: اسمه ونسبه ونسبته وكنيته.
المبحث الثاني: مولده.
المبحث الثالث: نشأته وعنايته بالعلم ولقاء الرجال.
المبحث الرابع: أسرته.
[ ١ / ٥ ]
المبحث الخامس: رحلاته.
المبحث السادس: شيوخه.
المبحث السابع: تلاميذه.
المبحث الثامن: عقيدته.
المبحث التاسع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث العاشر: مصنّفاته.
المبحث الحادي عشر: وفاته.
الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وفيه سبعةُ مباحث.
المبحث الأول: علم المشيخات باختصار، المؤلفات فيه، وفوائدُه، ومنزلةُ الكتاب بينها.
المبحث الثاني: إثبات اسم الكتاب، ونسبته إلى مؤلِّفه.
المبحث الثالث: منهجه في القسم المحقق.
المبحث الرابع: ذكر شيوخه على أحرف المعجم.
المبحث الخامس: موارده في القسم المحقق.
المبحث السادس: الأماكن الجغرافية لمدينة بغداد، التي سمع فيها السِّلفي من خلال القسم المحقق من الكتاب.
المبحث السابع: وصف النسخ الخطيَّة المعتمدة في التحقيق.
ويلي ذلك تصوير نماذج من النسختين الخطيتين.
ثانيًا: قسم التحقيق
١ - منهجي في تحقيق النصِّ وضَبطه:
[ ١ / ٦ ]
ـ كتابة النصِّ على الرسم الإملائيِّ الحديث.
ـ مقابلة النسخة الأصل ونسخة فيض الله المرموز لها بـ (ف) مقابلة دقيقة؛ ووُفِّقت لمقابلة نسخة الأصل ثلاث مرَّات، إحداهنَّ مع المشرف على الرسالة جزاه الله خيرًا.
ولا أدَّعي الكمال في ضبط النصِّ؛ فمعارضةُ الكتابِ أهمُّ عَمَلٍ يقومُ به المحقِّق، وقد قال الإمامُ معمَر بن راشد ﵀: «لَو عُورِضَ الكتابُ مائةَ مرَّة ما كاد يَسْلَمُ من أن يكون فيه سَقط - أو قال خطأ ـ» (^١).
ـ ترقيم الأحاديث والآثار ترقيمًا تسلسيًا من أول الكتاب إلى نهايته.
وقد امتازت النسخة بعدة ميزات من مقابلة ومعارضة؛ نتج عن ذلك وجود إلحاقات وضرب وكشط، كما أنَّها لم تخلُ من سَقط وتصحيف وتحريف، فكان تعاملي مع كلِّ ذلك كما يلي:
ـ اللَحَق: لم أنبِّه على اللَحَق الذي عليه علامة (صح) المثبت في هوامش النسخة، وأَدخلتُه في المتن؛ لأنَّ حكمَه حكمُ الصُّلْبِ، والناسخ أثبته بعد المقابلة والعرض تنبيها أنَّه من الكتاب؛ لذا لم أضعه بين معقوفين، ولم أنبِّه على ذلك في حواشي الكتاب؛ إذ لا ضرورة لذلك، ما دام أنَّه من الكتاب، والملحق له هو ناسخ الكتاب والمعارِض له.
ويلحق بذلك أيضًا تلك الكلمات التي يُلحقها بين الأسطر؛ إذ مثلها يُمكن إدراجها في المتن دون أن يُخرَّج لها لَحَقًا في الهامش.
ـ السَّقْط:
نبّهتُ على ما وقع من سَقطٍ في النسخة، فإذا كان الساقطُ كلمةً أو حرفًا وضعته بين معقوفين ونبَّهتُ في الحاشية أنَّه سقط من الأصل أو النسخة الأخرى، والتصويبُ من كذا، أو وبه يستقيم الكلام، أو نحو ذلك، وقد يشير الناسخ إلى بعض ما سقط من
_________________
(١) جامع بيان العلم (١/ ٩٣).
[ ١ / ٧ ]
النسخة بوضع ضَبَّة في مكان السقط، أو إشارة إلى ذلك في الهامش بقوله: (سقط).
ـ التصحيفُ والتحريف.
إذا وقع التصحيف والتحريف في نسخةِ الأصل نبَّهتُ عليه، فإن كان ما في الأصلِ تصحيفًا صريحًا لا يحتمله وجهٌ من أوجه اللُّغة، أو ألفاظ الأحاديث، أو تراجم الرِّجال غيَّرتُ ما في الأصل، وأشرتُ في الهامش إلى التصحيف، خاصة إن كان التصويب من النسخة الأخرى، وأمَّا إن اتفقت النسختان على الذي أراه تصحيفًا وتحريفًا فإنَّني أُبقيه في الأصل، وأنبِّه عليه في الحاشية، وأذكر ما قد يكون صوابًا؛ وذلك لاحتمال أن يكون الخطأ واقعًا في الأصول التي نقل منها السِّلفي، وقد وقفت على مثال لذلك (^١)، إلاَّ إن تأكَّدتُّ من وقوع التصحيف في المشيخة فإنَّني أغيِّرُه وأجعله بين معقوفين، وأنبِّه على ذلك.
ـ الزيادات.
وقع في الأصل المعتمد بعضُ الكلمات الزائدةِ لا يقتضيها السياق، وكان الناسخُ أثناءَ المقابلة يَضْرِبُ على تلك الزيادات، فهذه لا أنبِّه عليها، وليس لها حكم الأصل.
إلاَّ أنَّ الناسخ غَفَل عن بعضِها فلم يضرب عليها، فتركها زائدة، فضربتُ عليها ولم أثبِتْها في النَّصِّ، ونبّهت على ذلك في الحاشية.
٢ - منهجي في خدمة النص:
الآيات القرآنية:
ـ كتبت الآيات القرآنية بالرسم العثماني.
ـ عزوتُ الآيات إلى سورها من القرآن، مع بيان رقم الآية.
_________________
(١) انظر النص: (٢٣٤)، فقد اتفقت المشيخة مع المورد الذي نقل منه السِّلفي (أمالي النجاد - مخطوط) على إسناد واحد، وقع فيه خطأ في إبدال (عن) بـ (واو).
[ ١ / ٨ ]
الأحاديث النبوية:
١ - العزو:
بما أنَّ المصنِّف عاش في عصر رواية الكتب والأجزاء الحديثية، كانت أحاديث الكتاب وآثاره كلُّها تلتقي في إسنادها عند أحد المصنِّفين في الحديث، فعليه يكون العزو على النحو التالي:
عزوُ الحديث إلى أحد المصنفات التي أخرجته من طريق السِّلفي أو شيخه، وهكذا.
إن لم أقف على مَن أخرجه عن السِّلفي فمَن دونه بدأت بالعزو إلى المصنَّف الذي خرَّج عنه السِّلفي الحديث أو الأثر من أجزاء حديثية وغيرها، فأقول (وهو في جزء فلان) مثلًا، ويُعتبر هذا من خدمة النصِّ، بل قد أشير إلى الفروقات الواقعة في النص الذي خرَّجه السِّلفي مع تلك الأجزاء والكتب.
ثم يكون العزو ممن دون أصحاب تلك الكتب، وهكذا، إلى أن أصل إلى مَن عليه مدار الحديث وغيره.
٢ - التخريج والحكم على الأحاديث:
إن كان الحديث في أحد الصحيحين اكتفيتُ بهما دون غيرهما، بعد عزوه للمصدر الذي خرَّج منه المصنِّف حديثَه إن وُجد.
وإن كان الحديث خارج الصحيحين خرَّجته من مصادر أخرى، وذكرتُ درجتَه، وأقوال أهل العلم فيه، وقد راعيت في أكثر ذلك عدم التطويل المُمل، أوالاختصار المخل.
الآثار.
تخريج الآثار من مصادرها، وبيان الصحيح من غيره.
[ ١ / ٩ ]
الأعلام.
ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في الأسانيد ترجمة مختصرة، وعرَّفتُ بالأعلام الواردين في المتن مع ضبط المشتبه منهم، وأستثني من ذكر التراجم:
١ - شيوخ المصنِّف، وقد عقدتُّ لهم مبحثًا خاصًّا، ذكرت فيه أسماءهم وأخبارهم على حروف المعجم ليسهل معرفتهم وتعدادهم، وهو المبحث الرابع من الفصل الثاني: (دراسة الكتاب).
٢ - رجالَ الكتب الستة، إلاَّ مَن كان مَدارُ العلَّة عليه ولو كان ثقةً، فأذكر خلاصة ما قيل فيه، وغالبًا ما أذكر حكمَ الحافظ ابن حجر، إلاَّ إن رأيت الصواب في خلافه، فأحاول استخلاص حكم يُناسبه مما قاله فيه أهل العلم.
ومَن لم أقف على ترجمته نبَّهت على عدم وقوفي عليه في الحاشية، وقد بذلت قُصارى جهدي في الوصول إلى تراجمهم لكن لم أوَفَّق لذلك، وحسبي أنِّني بحثت وفتَّشت، والوقوف على ترجمة رجل يحتاج إلى وقت ومعرفة، خاصَّة إن كان الرجل صُحِّف اسمه في الخبر أو غُيِّر، أو نُسب إلى غير أبيه، أو ذُكر بغير ما اشتُهر به، ورحم اللهُ الإمامَ أبا موسى المديني، فقد كتب جزءًا في بيان مَن هو الحسن الوارد ذكره مهملًا في حديثٍ في صحيح مسلم، سمَّاه: (الشرح المُكمَل في نسب الحسن المهمل)، فكتب عدة ورقات في ذلك، ثم قال في آخره: «فانظر - رحمك الله - في نسب رجل واحد في إسناد إلى كم كتاب يحتاج طالب الحديث أن يطالعه، وكم تعب يمارسه، ومن ينظر في ذلك من غير أهله يَعدُّه من الهدر والهذيان، وينسبنا إلى تضييع الورق والحبر والزمان، فيقول: وما نعمل إن كان بصريًّا أو كوفيًّا؟! …» (^١).
الكلمات الغريبة والبلدان:
ـ شرحت الألفاظَ الغريبة، وضبطتُ منها ما يَحتاج إلى ضَبطٍ، بالعزو إلى كتب
_________________
(١) الشرح المكمل في نسب الحسن المهمل (ص ٤٨).
[ ١ / ١٠ ]
الغريبِ، واللغة، وشروح الحديث.
ـ بيَّنتُ المواضعَ والبلدانَ التي ذكرها المصنِّف في كتابه، مراعيًا في ذلك ما ذَكَرَه القدماءُ والمعاصرون.
واستثنيتُ من ذلك مواضع مدينة السلام التي سمع فيها السِّلفي، فقد عقدتُّ لها مبحثًا خاصًّا في فصل دراسة الكتاب.
الفهارس.
قمتُ بوضع فهرسًا للكتاب على النحو التالي:
ـ فهرس الآيات القرآنية.
ـ فهرسِ الأحاديث النبوية.
ـ فهرسِ الآثار.
ـ فهرس الأشعار والأرجاز.
ـ فهرس الأمثال.
ـ فهرسِ الكلمات الغريبة.
ـ فهرسِ المواضع والبلدان.
ـ فهرسِ الأعلام.
ـ فهرس الفوائد العلمية.
ـ ثَبَتِ المراجع العلمية.
ـ فهرس الموضوعات.
هذا آخر ما تيسَّر بيانه والتنبيه عليه، وقد عايشت مشيخة السِّلفي سنين عديدة، خرَّجت أحاديثها، وترجمت لرجالها، وبحثت عن نصوصها، وآمل أنَّني وُفِّقت لخدمتها خدمة ترضي ربِّي ﷿، ثم يَرضَى عنها طُلاَّب العلم على مختلف تخصُّصاتهم.
وحسبي أنَّني بذلت ما في وُسعي، فما كان فيه من خطأ وزلل، فأسأل الله العظيم أن يتجاوزَ عنِّي، وما كان فيه من صواب فللَّه الحمد والمنَّة على ذلك.
[ ١ / ١١ ]
شكر وتقدير
وفي الختامِ فإني أتوجَّه بالشكر لهذه الجامعة الإسلامية على ما أولتني به من رعاية منذ التحاقي بها سنة (١٤٠٩ هـ) إلى يومنا هذا، وقد قضيت فيها ما يقرب من نصف عمري، فأسأل الله تعالى أن يغفر ويرحم ويجزي القائمين عليها أحسن الجزاء، فلا نملك لهم إلاَّ الدعاء، فصنائع معروفهم كثيرة، ومكافأتهم مستحيلة، فالله تعالى يجزيهم عنَّا وعن المسلمين خيرًا، ويُثيبهم أعظم الثواب.
ثم الشكر موصول لفضيلة الشيخِ الدكتور عبد الصمد بنِ بكر عابد، الأستاذ المشارك بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية، والمشرفُ على هذه الرسالة الذي لَم يَدَّخِر وُسْعًا ولَم يَأْلُ جُهدًا في سبيل إنجاز هذا العمل، وذلك بِما قدَّمه من ملحوظات وآراء سديدة، فأشكره على ما أفادني به، ووجّهني وقوّم به رسالتي، وأسأل الله أن يبارك في علمه وعمله وأهله؛ إنَّه سميع مجيب.
كما أشكر فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الرحيم بن محمد بن أحمد القشقري، الأستاذ بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية، والشيخ الدكتور عبد الله بن حسن دمفو الأستاذ المشارك في قسم الدراسات الإسلامية في كلية التربية والعلوم والإنسانية وعميدها، بجامعة طيبة بالمدينة النبوية، أشكرهما على موافقتهما أولًا مناقشة هذه الرسالة، ثم على قرائتهما لها رغم كثرة مشاغلهما العلمية والإدارية، أسأل الله ﵎ أن يبارك لهما في وقتهما وعلمهما، وأن ينفعني بتوجيهاتهما وما سيُبديانه من آراء وتسديدات لهذه الرسالة، وهي محل قبول إن شاء الله، فجزاهما عني وعن المسلمين خير الجزاء.
[ ١ / ١٢ ]
الفصل الأول