وهي كالسنن ولكنها تمتاز بالسعة والشمول وكثرة ما فيها من الآثار غير المرفوعة، واشتهر منها كتابان جليلان حافلان هما "مصنف" عبد الرزاق بن همام الصنعاني (١٢٦ - ٢١١ هـ) و"مصنف" أبي بكر بن أبي شيبة الكوفي (١٥٩ - ٢٣٥ هـ).
طبع الكتاب الأول لأول مرة في سنة (١٣٩٢ هـ) بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي في أحد عشر مجلدًا، وبلغ عدد مروياته حسب ترقيم المحقق (٢١٠٣٣)، ولكنه يحتوي على أحاديث مكررة كثيرة؛ ثم إن المجلد الحادي عشر منه، وبعض العاشر إنما هما كتاب "الجامع" لمعمر من رواية عبد الرزاق عنه.
وقد استخرج بعض الطلبة زوائد مصنف عبد الرزاق على الكتب الستة فبلغ عدد الزوائد: أربعة عشر ألف حديث؛ ولكن القدر المرفوع من هذه الزوائد بحسب استقراء باحث آخر يقارب خمسها فقط والباقي آثار غير مرفوعة.
[ ١ / ١١ ]
وأما مصنّف أبي بكر بن أبي شيبة فكتاب جليل حافل ماتع أثنى عليه العلماء، فوصفه ابن كثير بقوله: "المصنّف الذي لم يُصنّف أحد مثله قط، لا قبله ولا بعده".
ومن قبل قد قَالَ الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام "ربانيو الحديث أربعة: فأعلمهم بالحلال والحرام: أحمد بن حنبل، وأحسنهم سياقة للحديث وأداء: علي بن المديني، وأحسنهم وضعًا لكتاب: أبو بكر بن أبي شيبة، وأعلمهم بصحيح الحديث من سقيمه: يحيى بن معين".
وقال الرامهرمزي: "وتفرد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب وجودة الترتيب وحُسن التأليف".
وكل من هذين المصنفين مرتب على الأبواب العلمية؛ أي: على الموضوعات، ويحتوي على مادة طيبة، ومنها كثير من فتاوى الصحابة والتابعين وتابعيهم، وآثارهم في الزهد والعبادة والأدب.
وثم كتاب ثالث شبيه بهذين الكتابين من حيث طريقة التصنيف والمحتوى في الجملة؛ وهو (السنن) لسعيد بن منصور (ت ٢٢٧ هـ) وشبهه بالأول أكثر.
ونجد كثيرًا من المصنفين يسندون مروياتهم من طريق هذه الكتب الثلاثة؛ فضلًا عن كثرة العزو إليها؛ قَالَ الدكتور سعد آل حميد في مقدمة تحقيق سنن سعيد بن منصور: "وهذا يعود لندرة محتواها وعلو أسانيدها وغير ذلك من الاعتبارات".