وهذا الوضع السائد في مرحلة ما بعد الرواية، والذي كان من أبرز سماته هو حرص المحدثين على إيجاد صلة بينهم وبين أصحاب الدواوين عن طريق سلاسل من الأسانيد، والتي كانوا يجوبون الأقطار الإسلامية شرقًا وغربًا من أجل جمع وتحصيل أكبر قدر ممكن من هذه الأسانيد والسماعات، ثم يدونونها وفق أساليب خاصة اصطلح على تسميتها بـ "المعجم" أو "الإثبات" أو "المشيخات" أو "الأجزاء" أو "الفهارس" وغيرها.
هذا الوضع الجديد جعل تلك الأسانيد لا تكاد تخلو من وجود خلل فيها من جراء تساهل محدثي هذه المرحلة في توفير شروط الصحة فيها، حيث اكتفوا في رجالها -أي تلك الأسانيد- بستر الحال، ولو لم يعرفوا العدالة والضبط.
والجدير بالذكر أن ما سبق توضيحه من ظروف بروز ظاهرة الاعتماد على الكتب
[ ١ / ٦ ]
بسماتها المميزة، لا يعني أن ظاهرة الاعتماد على الأسانيد في نقل الأحاديث قد انقطعت بشكل نهائي، فقد كان بعض محدثي المرحلة الثانية كلما ظفروا ببعض الأحاديث بأسانيد عالية - سواء كانت تلك الأسانيد تمر بأصحاب الصحاح والدواوين الأخرى، أم لا تمر بشيء منها - حرصوا على تسجيلها في مشيخاتهم وبرامجهم حسب تراجم الشيوخ الذين استفادوها منهم، وقد يصنفون كتبًا خاصة لذكر تلك الأحاديث، وهي التي تعرف باسم "الأجزاء" ومن تتبع كتب المتأخرين في التراجم يعثر على مزيد من التفاصيل حول هذه المسألة.
ولا بأس أن نسوق بعض النصوص كي تتضح صورة الأجزاء واهتمام المتأخرين بتصنيفها.
يقول الإمام الذهبي ﵀: "خرج يوسف بن خليل المتوفى سنة ٥٥٥ هـ أجزاء عوالي: عوالي هشام بن عروة، وعوالي الأعمش، وعوالي ابن حنيفة، وعوالي أبي عاصم النبيل، وما اجتمع فيه أربعة من الصحابة". وجمع أبو نعيم الأصبهاني، صاحب كتاب "الحلية" ما وقع له عاليًا من حديث أبي نعيم الملائي - وهو الفضل بن دكين - في جزء من طرق مختلفة، وعدة ذلك ثمانية وسبعون حديثًا، بعضها آثار.
ويقول البكري - وهو الحسن بن محمد - المتوفى سنة ٦٠٦ هـ: "اجتمع لي في رحلتي وأسفاري ما يزيد على مائة وستين بلدًا أو قرية أفردت لها معجمًا، فسألني بعض الطلبة أربعين حديثًا للبلدان، فجمعتها أربعين من المدن الكبار عن أربعين صحابيًّا، لأربعين تابعيًّا".