الحمد لله الأول الآخر، فمنه بدأ وإليه تنتهي سلسلة الممكنات، الجواد المنعم المتواترة نعمه الظاهرة والباطنة على آحاد أهل الأرض والسماوات.
وأشهد أن لا إله إلا الله الفرد القوي العزيز، عالم السرّ وأخفى الخفيّات.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده المرسل الموصول بالفوز من صح له حُسن اتباعه من البريات.
صلى الله وسلم عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه المهاجرين والأنصار في السكنات والحركات، صلاة وسلامًا فائضي البركات على الآفاق والأنفس عدد خلق الله بدوام الله رفيع الدرجات.
وبعد فهذا كتاب انتظرناه طويلًا، حيث اعتباره من كتب السنة النادرات، وأنَّه أشهر وأعظم كتب المشيخات، ولما تضمنه من فوائد حديثية دراية وغرائب المرويات، وحق له الاهتمام والانكباب على الاشتغال في تحقيقة ما يقرب من سبع سنوات.
ولما كان السيد الأستاذ علاء سرحان من المهتمين عملًا ودراسة بمصنفات السنة وحرصه على نشرها في داره المباركة: "دار الرسالة" - نفع الله به وبها طلاب العلم - دعاني مشكورًا لطباعته ونشره فبادرنا بذلك مسرعين كي يتم النفع في الآفاق.
وهذه المشيخة الحديثية لا شك أكبر وأشهر وأعظم المشيخات على الإطلاق، ومصنفها كما نعته العلامة ابن الجزري بقوله:
"حافظ الإسلام، وأعلى أهل الأرض إسنادًا في الحديث والقراءات مع الدين والثقة والعلم".
هذا .. وإني لأتقدم بخاص الشكر لكلٍّ من: الشيخ المحقق شريف المرسي حفيد الشيخ الإمام البناني، والشيخ المحدث عبد الله حفيد علامة الزمان الشيخ الإمام الشبراوي.
هذا وقد استفتحنا هذا الكتاب العظيم بمقدمة ودراسة تشمل بحثًا يسيرًا في علم الحديث وتدوينه وأنواع مصنفاته، وكذا الكلام على المشيخة من الناحية العلمية والمنهجية وطريقة التحقيق ووصف النسخ الخطية للكتاب.
[ ١ / ٣ ]
فنقول بتوفيق الله تعالى:
إنَّ مما تميَّزت به علوم الحديث في الإسلام عنايتها بالرواية والإسناد، الذي يعد من أبرز خصائص هذه الأمة، وقد كان السلف الصالح يرون أن الإسناد من الذين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، يقول ابن المبارك: "مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد، كمثل الذي يرتقى السطح بلا سُلَّم".
ويقول سفيان الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه معه سلاح بأي شيء يقاتل! ".
وعلى هذا فإن المسيرة التاريخية للسنة النبوية يمكن تقسيمها إلى مرحلتين زمنيتين كبيرتين، لك منهما معالمها وخصائصها المميزة: فأما الأولى فيمكن تسميتها بـ "مرحلة الرواية" وهي ممتدة من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الخامس الهجري تقريبًا، وأبرز خصائصها هي كون الأحاديث تتلقى فيها وتنقل بواسطة الأسانيد والرواية المباشرة.
فالإسناد في هذه المرحلة كان بمثابة العمود الفقري عليه يتم الاعتماد في تلقي الأحاديث ونقلها.
وأما المرحلة الثانية فيمكن تسميتها بـ"مرحلة بعد الرواية"، وفيها آلت ظاهرة الاعتماد على الأسانيد إلى التلاشي، لتبرز مكانها ظاهرة الاعتماد على الكتب والمدونات التي صنفها أصحاب المرحلة الأولى في أخذ الأحاديث ونقلها، وإن كان القرن السادس الهجري يمكن اعتباره فترة انعطاف وتحول من مرحلة إلى أخرى؛ إذ ظهر فيه من بعض الأئمة الاعتماد على الرواية على شاكلة الأولى بدل الاعتماد على الكتب.
وبينما كانت الكتب المصنفة في المرحلة الأولى تنقل الأحاديث بأسانيدها الخاصة، فإن جل الكتب التي ظهرت في المرحلة الثانية إنما تنقل الأحاديث بالاعتماد على المدونات التي ظهرت في المرحلة الأولى، وإن كانت أساليب النقل، وطرق الأخذ تختلف من كتاب إلى آخر.
فمسند الإمام أحمد - مثلًا - وهو نموذج لكتب المرحلة الأولى، عمدته في نقل الأحاديث هي الإسناد والرواية المباشرة، ولذلك يقول فيه صاحبه: "حدثني فلان" إلى آخر الإسناد في كل حديث يذكره.
[ ١ / ٤ ]
وأما كتاب تفسير ابن كثير - مثلًا - وهو نموذج لكتب المرحلة الثانية، فإن عمدته في نقل الأحاديث هي الكتب المصنفة في عصر الرواية؛ ولذلك تراه يحكي عن أصحاب كتب المرحلة الأولى، ويقول: "قَالَ الإمام أحمد في مسنده: حدثنا فلان" وهكذا.
وقد بذل المحدثون في كلتا المرحلتين جهودًا مضنية لصيانة السنة وحفظها، وذلك بتقعيدهم لقواعد تتناسب مع مقتضيات كل مرحلة، وتستجيب للمستجدات الطارئة في كل منهما، فأنتج حفاظ المرحلة الأولى من الأصول الضوابط ما يضمن لهم صدق الرواة في رواياتهم، وضبطهم لها، في حين وضع المحدثون في المرحلة الثانية أنواعًا أخرى من القواعد والشروط تساعدهم على حفظ الدواوين والمصنفات من احتمال عبث بعض الوراقين وتحريف الناسخين.
فكانت العناية في المرحلة الأولى منصبة على نقلة الأخبار ورواتها، والبحث عن أحوالهم، والتفتيش في مروياتهم بعد جمعها ومقارنتها، حتى أصبح بمقدورهم تمييز الرجال، ومعرفة الثقات والضعفاء والمتروكين، والإطلاع على الأسانيد الصحيحة والضعيفة والمنكرة والواهية، وإبقاؤها في محفوظاتهم وسجلاتهم، واستحضارها دون وقوع التداخل بينهما أو الاختلاط.
وأما في المرحلة الثانية - مرحلة ما بعد الرواية - فقد توجه اهتمام المحدثين إلى وضع ضوابط جديدة، من شأنها حفظ المدونات من التصحيف والتحريف والانتحال، ونقلها إلى الأجيال اللاحقة كما وضعها مؤلفوها.
فمن أهم تلك الضوابط: إثبات المحدث حقية النقل والإفادة بأي نوع من أنواع التحمل والتحصيل، وأما حيازتها المجردة بشراء أو غيره، فليست كافية للتعامل معها رواية وإفادة، كما حقق هذه المسألة أستاذنا الفاضل الدكتور أحمد محمد نور سيف في رسالة لطيفة: "عناية المحدثين بتوثيق المرويات" -جزاه الله تعالى خير الجزاء- ومن ثَمَّ أخذ يظهر اهتمام بالغ لدى المحدثين في الحصول على الأسانيد التي تم بها نقل الكتب والمدونات، والحفاظ عليها مهما كان نوعها وذلك قصد إثبات حقية روايتها، ونيل الشرف بوجود صلة بينهم وبين النبي ﷺ عمومًا.
[ ١ / ٥ ]
"وبما أن معظم الأحاديث استقرت في دواوين السنة، وأصبحت هذه الدواوين هي المعتمدة في أخذ الأحاديث النبوية وصارت عناية المحدث منصبة على حفظ هذه الدواوين، فلا داعي إذن إلى دراسة أحوال الرجال الذين يشكلون حلقات الإسناد الذي بواسطته يتم نقل هذه المصنفات عن أصحابها، كما لا تبقى حاجة إلى تلك التحفظات الشديدة، والقوانين الصارمة في جرح الرواة وتدليسهم، بل يكفي فيهم معرفة أحقيتهم وأهليتهم لرواية تلك المصنفات، بل يكفي فيهم معرفة أحقيتهم وأهليتهم لرواية تلك المصنفات، إضافة إلى ستر حالهم، وإن لم ينص على توثيقهم".
وقد بين ذلك ابن الصلاح ﵀ بقوله - وهذا نصه: "أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، فلم يتقيدوا بها في رواياتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم".
"ووجه ذلك: ما قدمناه في أول كتابنا هذا -يعني: مقدمة ابن الصلاح- من كون المقصود المحافظ على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها، فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده، وليكتف في أهلية الشيخ بكونه مسلمًا بالغًا، علاقة غير متظاهر بالفسق، وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتا بخط غير متهم، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه".