التذهيب والزخرفة فن من فنون الكتاب التي تكسبه الروعة والجمال، ويتحقق ذلك باستخدام الألوان المختلفة وورق الذهب بعد سحقه وتحويله إلى سائل يدهن بالفرشاة، ويجد هذا الفن ساحة واسعة لتطبيقه في التراكيب المعدة بالوحدات الزخرفية بالأسلوب النباتي (١) .
وقد كانت عملية إخراج المخطوط العربي تمر بعدة مراحل يأتي في مقدمتها الكتابة ثم التصوير والرسم وغالبًا ما يكون عمل الناسخ منفصلا عن عمل الرسام، أما المرحلة الثالثة فهي الزخرفة والتحلية أو التذهيب، فالزخرفة عبارة عن أشكال هندسية أو نباتية تعرف باسم الأرابسك تزين بها المخطوطات العربية. وقد بدأت هذه الزخرفة في أول الأمر على هيئة أشكال بسيطة لم تلبث أن تطورت فأصبحت فنًا له أصوله وأبعاده المختلفة.
وأغلب الظن أن الزخرفة والتحلية بدأت بالقرآن الكريم حيث لم يكن يصح أن يوجد به صور أو رسوم فاستغل المزخرفون هذه الفرصة في التأنق في زخرفة المصحف بأشكال نباتية وهندسية، وكانت بدايات السور وعلامات الوقف ميدانًا خصبًا لعملية الزخرفة هذه، وزيادة في التقرب إلى الله كانت هذه الزخارف تكتب بماء الذهب، وقد أمعنوا في هذا الجانب بعد ذلك فكتبوا المصحف كله بماء الذهب، وقد استخدم العرب في زخرفة المخطوطات – ومنها المصاحف – ألوانًا مختلفة من الأحبار والأصباغ ولكن عدد هذه الألوان
_________________
(١) أوغلي، أكمل الدين إحسان/ الدولة العثمانية: تاريخ وحضارة – نقله إلى العربية: صالح سعداوي – استانبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، ١٩٩٩م، ٢/٧٥١.
[ ١٩ ]
كان محدودًا وكانت الألوان الغالبة هي الأحمر والأزرق والأخضر والأصفر (١) .
وكان التذهيب في أول الأمر مقصورًا على أجزاء معينة من الصفحات مثل الأشرطة التي تفصل السطور بعضها عن بعض، والفواصل بين الآيات، وبعض العناصر الزخرفية التي تدل على أجزاء المصحف وأقسامه، وكان الشريط أهم هذه الأجزاء جميعًا وقد زين بعناصر زخرفية مختلفة (٢) . وجرى تذهيب الصفحات الأولى والأخيرة للقرآن الكريم، كما زينت وذهبت علامات نهاية الآيات، وتقسيمات القرآن الأولية على شكل (نصف وثلث وربع..إلخ) وبمرور الزمن تم تذهيب فهرس السور وفهرس عدد الآيات والكلمات والأحرف المكتوبة على صفحات مزينة (٣) . ونرى في المصاحف التي تمت دراستها في هذا البحث أنواعًا من العناصر الزخرفية على هيئة متشابكات، أو رسومًا هندسية من دوائر أو أجزاء من دوائر تتماس أو تتقاطع، أو مربعات صغيرة تقلد الفسيفساء أو عناصر معمارية كالعقود والأعمدة مثلا وقد يعلو هذه أو ينفصل عنها عناصر نباتية مجنحة. أما فواصل الآيات فكانت مجرد دوائر في حين كانت علامات الأجزاء دوائر داخلها
_________________
(١) خليفة، شعبان عبد العزيز ومحمد عوض العايدي/ الفهرسة والتصنيف للمكتبات.. الرياض: دار المريخ للنشر، (د. ت)، ص ٣١٤، ٣١٥.
(٢) الأحمصي، محمد عبد الجواد / تصوير وتجميل الكتب العربية في الإسلام – القاهرة: دار المعارف، ١٩٦٢م، ص ٧٨.
(٣) العبادي، صادق – تاريخ تطور كتابة القرآن الكريم في بلاد فارس " مجلة الفيصل – ع ٢٨٢ (ذو الحجة ١٤٢٠هـ / مارس – أبريل ٢٠٠٠م) ص ١٢.
[ ٢٠ ]
مربعات تتداخل مكونة أشكالا نجمية يكتب بداخلها ما يدل على الجزء من المصحف.
ويبين الجدول رقم (٥) عدد المصاحف من حيث التذهيب والزخرفة
م
البيان
العدد
النسبة المئوية
١
مذهب ومزخرف لبعض الصفحات
٥٣
٧٥.٧١
٢
مذهب إطار الصفحات فقط
٤
٥.٧١
٣
غير مذهب
١٣
١٨.٥٧
المجموع
٧٠
١٠٠%
وقد تفاوتت المصاحف الواقعة في الحقل الأول من حيث كمية التذهيب والزخرفة إلا أن التركيز في ذلك يكون على أول المصحف وبالتحديد لصفة سورة الفاتحة والصفحة الأولى من سورة البقرة وعلى آخر المصحف، في حين يشمل التذهيب والزخرفة في أحيان كثيرة أسماء السور وفواصل الآيات وعلامات الأجزاء والأحزاب والأرباع ومواضع السجدات، وإطار جميع الصفحات.
وفيما يلي بيان بالمصاحف المذهبة والمزخرفة مرتبة حسب أرقام حفظها في مكتبة المصحف الشريف يوضحها الجدول رقم (٦) التالي:
[ ٢١ ]
الجدول رقم (٦)
يوضح المصاحف المذهبة والمزخرفة بحسب أرقام الحفظ
م
رقم الحفظ
م
رقم الحفظ
م
رقم الحفظ
١
١٣
١٩
٣٩
٣٧
٥٨
٢
١٨
٢٠
٤٠
٣٨
٥٩
٣
١٩
٢١
٤١
٣٩
٦٠
٤
٢٢
٢٢
٤٢
٤٠
٦١
٥
٢٣
٢٣
٤٣
٤١
٨٨٠
٦
٢٤
٢٤
٤٤
٤٢
١٤١١
٧
٢٦
٢٥
٤٥
٤٣
١٤١٣
٨
٢٧
٢٦
٤٦
٤٤
١٤١٥
٩
٢٨
٢٧
٤٧
٤٥
١٤١٦
١٠
٢٩
٢٨
٤٨
٤٦
١٤١٧
١١
٣٠
٢٩
٥٠
٤٧
١٤٢٠
١٢
٣١
٣٠
٥١
٤٨
١٤٢١
١٣
٣٣
٣١
٥٢
٤٩
١٤٢٢
١٤
٣٤
٣٢
٥٣
٥٠
١٤٢٣
١٥
٣٥
٣٣
٥٤
٥١
١٥٤٠
١٦
٣٦
٣٤
٥٥
٥٢
١٧٨١
١٧
٣٧
٣٥
٥٦
٥٣
١٨٧٢
١٨
٣٨
٣٦
٥٧
[ ٢٢ ]
ونورد فيما يلي بعض الأمثلة على الزخرفة والتذهيب من المصاحف التي شملتها الدراسة:
أولا: مصحف شريف نسخ عام ١٠٠١هـ على ورق مقاسه ٢٣×١٤ سم محفوظ برقم ١٣، كتب بالمداد الأسود وعلامات الوقف بالمداد الأحمر، وقد زخرفت ديباجته التي تشمل سورة الفتحة وأول سورة البقرة، ولم تزخرف في بقية الصفحات ووضعت الفواصل بين الآيات على هيئة دوائر مذهبة منقوطة بالمداد الأحمر، وقد اهتم الخطاط بتحديد أسماء السور بالمداد الأبيض داخل شريط أحمر مشغول بزخارف ذهبية ملونة بالمداد الأزرق والأسود والأبيض والأحمر، كما وضعت علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع والأعشار داخل دوائر مذهبه محاطة بلون أزرق.
ثانيًا: مصحف شريف نسخ عام ١٠١٨هـ على ورق مقاسه ١١×٧سم، وهو أصغر مصحف، وكتب بالمدادين الأسود والأحمر ومسطرته ١٢ سطرًا، وقد زخرفت ديباجته التي تشتمل على سورة الفاتحة وبداية سورة البقرة، بينما لم تزخرف بقية الصفحات، وقد اهتم الخطاط بوضع علامات المصحف الشريف بالحروف وليس بالزخارف، كما اهتم بتحديد أسماء السور بالتذهيب داخل شريط مستطيل غير مزخرف (١) .
ثالثًا: مصحف شريف نسخ عام ١٠٣٤هـ على ورق مقاسه ٢٢.٥×١٥ سم محفوظ برقم ١٩ كتب بالمدادين الأسود والأحمر، وقد زخرفت وذهبت ديباجته التي تشمل سورة الفاتحة وبداية سورة البقرة بزخارف غاية في الجمال
_________________
(١) المصحف رقم ٨٨٠ المحفوظ بمكتبة المصحف الشريف.
[ ٢٣ ]
وصفاء الألوان، ووضعت الفواصل بين الآيات على هيئة دوائر مذهبه ومزخرفة كما تم تحديد أسماء السور بالمداد الأبيض داخل شريط مذهب مشغول بزخارف ملونة بالمداد الأزرق والأحمر والوردي والأصفر، ووضعت علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع ومواضع السجدات على هيئة زخارف شبه دائرية مشجرة بألوان ذهبية وزرقاء ووردية، وجميع الصفحات محاطة بإطار مذهب يحيط به إطار أزرق.
رابعًا: مصحف شريف نسخ ١٠٤٤ هـ على ورق مقاسه ١٦×١١سم محفوظ برقم ١٤١٣ كتب بالمداد الأسود، وقد زخرفت ديباجته المشتملة على سورة الفاتحة وأول سورة البقرة بزخارف ذهبية دائرية يحيط بها إطار ذهبي وتزينها الألوان الوردية والزرقاء.
وهو مصحف مذهب بالكامل حيث كتب جميعه في دوائر داخل مربعات مذهبة والفواصل بين الآيات على هيئة دوائر ذهبية مغلقة،وأسماء السور لم تكتب وإنما حددت بترك شريط ذهبي عريض قبل بداية السورة، وجاءت علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع على هيئة مشجرات ورقية صغيرة بألوان ذهبية وزرقاء وحمراء.
خامسًا: مصحف شريف نسخ عام ١٠٦٦هـ على ورق مقاسه ٢٩.٥×١٩سم محفوظ برقم ٢٦ كتب بالمدادين الأسود والأحمر، وقد زخرفت ديباجته المشتملة على سورة الفاتحة وأول سورة البقرة بزخارف جميلة ذات أرضية ذهبية مشتملة على زخارف جميلة جدًا على هيئة دوائر صغيرة، ورسوم نباتية وأشكال هندسية ويحيط ببقية الصفحات إطار مذهب
[ ٢٤ ]
عريض، ووضعت الفواصل بين الآيات على هيئة دوائر ذهبية في داخلها وردة صغيرة تنطلق منها عدة خطوط إلى محيط الدائرة، أما أسماء السور فقد كتب بالمداد الأبيض داخل شريط ذهبي تزينه زخارف جميلة بالمداد الأزرق والوردي والأحمر. أما علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع ومواضع السجدات فقد وضعت على هيئة زخارف شبه دائرية وبعضها على هيئة ورقة شجرية تنطلق منها بعض الأغصان الصغيرة، وهذه جاءت بألوان مختلفة منها الذهبي والأزرق والأحمر والوردي.
سادسًا: مصحف شريف نسخ عام ١٠٩٠هـ على ورق مقاسه ٢٦×١٧ سم محفوظ برقم ٥١ كتب بالمداد الأسود وعلامات الوقف بالمداد الأحمر. وقد زخرفت ديباجته المشتملة على سورة الفاتحة وأول البقرة بزخارف جميلة هندسية وشجرية ذات ألوان متعددة على أرضية ذهبية. وأحيطت بقية الصفحات بإطار ذهبي، كما وضعت الفواصل بين الآيات على هيئة دوائر ذهبية تتوسطها خطوط صغيرة، كتبت أسماء السور بالمداد الأبيض داخل شريط ذهبي مشغول بزخارف ملونة بألوان زرقاء ووردية وحمراء وغيرها. أما علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع ومواضع السجدات فقد جاءت على هيئة زخارف هندسية تشبه الدوائر المشجرة وبألوان متعددة منها الأخضر والأزرق والأحمر والذهبي.
ولمزيد من الإيضاح ينظر الملحق رقم (٢) في آخر الدراسة.
[ ٢٥ ]