عمل المجلد متمم لعملي الخطاط والرسام، لأن المجلد تقع على عاتقه مسؤولية حفظ أوراق المخطوط من التلف، والعناية بمظهره الخارجي بحيث يتلاءم ذلك مع قيمة المخطوط ومحتوياته (١) .
والتجليد هو أسبق فنون الكتاب العربي، فقد ذكر الداني في المقنع (بأن أول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر ﵁) (٢) ومن النص يمكن القول إن اللوحين اللذين وردا في هذه الرواية هما لوحان من خشب (٣)، وظل الجلد هو المادة المثالية لتجليد الكتب غير أن المسلمين في العصور المتأخرة استخدموا الورق المضغوط المدهون بطبقة من (اللاكية) (٤) . وسعى المجلد المسلم إلى تقسيم سطح الجلدة الواحدة إلى متن وإطار وأدخل الخط العربي عنصرًا زخرفيًا في زخرفة جلود الكتب (٥) . وكان من اهتمام المسلمين بفن التجليد اختراع اللسان الذي تعددت وظائفه الفنية من حفظ الأوراق من التمزق ومنع التراب عنها (٦) . إلى جانب المساعدة في تحديد مكان الوقوف للقارئ عند توقفه عن القراءة ولسهولة العودة إلى المكان الذي وقف
_________________
(١) ديماند. م. س/ الفنون الإسلامية – ترجمة أحمد محمد عيسى – ط٣ – القاهرة: دار المعارف، ١٩٨٢م، ص ٨٦.
(٢) الداني، عثمان بن سعيد / المقنع في رسم مصاحف الأمصار مع كتاب النقط – تحقيق محمد الصادق قمحاوي – القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، (د. ت) ص ١٣.
(٣) المنيف، عبد الله بن محمد / دراسة فنية لمصحف مبكر – الرياض: المؤلف ١٤١٨هـ، ص ٨٥.
(٤) ديماند. م. س/ الفنون الإسلامية، ص ٨٦.
(٥) القصيري، اعتماد/ فن التجليد عند المسلمين – بغداد: المؤسسة العامة للآثار والتراث، ١٩٧٩م، ص ٩٣.
(٦) هولدين. دنكن / " أغلفة المخطوطات العربية في متحف فكتوريا والبرت " لندن، مجلة فنون عربية، ١-٢٨، ص٦١.
[ ٢٦ ]
عنده للقراءة مرة أخرى (١) . وقد اختلفت أشكال جلود المصاحف بحسب الشكل الخارجي للمصاحف فمنها الشبيه بالمربع ومنها ما هو أفقي ومنها ما هو عمودي أو رأسي ومنها ما يشبه الصندوق (٢) .
ولم تقتصر الزخرفة على الغلاف الخارجي لجلدة الكتاب ولسانه، ولكنها امتدت إلى باطن الغلاف. وقد استخدمت طرق مختلفة في زخرفة جلود الكتب، من ذلك أن يضغط الجلد أو يختم بالذهب أو بدونه، وكانت الزخرفة بالقص واللصق من الجلد أو الورق المذهب على الأرضية الملونة.
وبمعاينة مصاحف الدراسة تبين أنها مجلدة جميعًا، وأن أغلب الصفات المشار إليها قبل قليل من حيث الزخرفة والتذهيب وخلافه متوافرة فيها، إلا أنه يلاحظ على بعضها أنها مفككة وتحتاج إلى تثبيت التجليد، وتتميز أربعة منها بأنه قد عمل لها جيب خاص يشبه تجليد المصحف من حيث اللون والتذهيب والزخرفة، كما تتميز بعض المجلدات بتغليفها من الخارج بقماش مخمل ذي ألوان جميلة وتبطين المجلدات بورق ملون ومزخرف بزخارف نباتية جميلة.
وقد توزعت ألوان المجلدات على ستة ألوان، كان أكثرها اللون البني بواقع ٥٢ مجلدًا مع تفاوت في درجة هذا اللون من حيث كونه بنيًا غامقًا أو بنيًا فاتحًا وتلاه اللون الأحمر بتسعة مجلدات، ويلي هذا اللون الأخضر بستة
_________________
(١) المنيف، عبد الله بن محمد / دراسة فنية لمصحف مبكر ص ٨٤.
(٢) مرزوق، محمد عبد العزيز/ المصحف الشريف، دارسة تاريخية وفنية – القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٥م، ص١٣٢.
[ ٢٧ ]
مجلدات، وأخيرًا جاءت الألوان الأزرق والأسود والسماوي بواقع مجلد واحد من كل لون.
أما ما يخص التذهيب والزخرفة فكانت تتم في الغالب بطريقة الختم أو الحفر على المجلدات وتتراوح أشكالها بين الطغراء والأهلة والنجوم والزخارف النباتية وبعض الأشكال الهندسية.
[ ٢٨ ]