إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ﷺ تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
فيعدُّ المدرس هو الأداة الفاعلة والعنصر الرئيس في نطاق التعليم والتربية، ومعرفة الصفات التي ينبغي أن يتحقق بها ويرتقي إليها، تمكننا من الوقوف على الدور الهام والحساس الذي يمكن له أن يصنعه.
ونجد أن من بواكير الاهتمام بمعلم القرآن الكريم بعث عثمان - ﵁ - قراء مع المصاحف التي أرسلها إلى الأمصار، لتكون المصاحف قدوة لأهل تلك الديار، يأتمون بها في قراءتهم وصلواتهم، وليكون القارئ المبعوث معلمًا لعامة أهل كل مصر القراءة وَفق مصحفهم.
وإن جاز أن تؤخذ بعض العلوم بلا معلِّم، فإن هذا الأمر لا يمكن حصوله أبدًا في تعلّم قراءة القرآن الكريم، لأن تعلمه متوقف على العرض والتلقي والمشافهة والإسناد، فلا بدَّ فيه من معلِّم يرجع إليه.
[ ١ ]
(قيل لأبي حنيفة - ﵀ - في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبدًا!) (١)، هذا مع الفقه فكيف مع القرآن؟!
ويتناول هذا البحث قِوامة معلم القرآن الكريم، وصفاته الذاتية، والعلمية، والتربوية، التي تؤهله للمشاركة بمقومات شخصية تميزه في درب خيرية تعلّم القرآن وتعليمه، دون التطرق لأهداف التعليم القرآني، أو طرائقه، أو أخلاق طلاب الحلق (٢) القرآنية، وغيرها من الآداب التي ينبغي توافرها في عملية التعليم.
والصفات التي يتحدث عنها البحث، هي بعض من صفات لازمة، ينبغي تحققها في معلم القرآن الكريم، وهي غير مقصورة على المتصدي للتعليم في الحلقات، بل هي متأكدة في حق كل متعاط لهذه العملية الشريفة، بصورة جماعية، أو فردية.
وذلك أن المعلم هو محور التعليم والدرس والتربية، فمهما وضعت من مناهج متقنة، وهيئت من ظروف ملائمة، ووفرت من وسائل معينة، كل ذلك لا يغني عن الأداة الفاعلة في العملية التعليمية، وهو المدرس الكفء في الموقع المناسب، لأن عناصر التعليم قد تكون في غاية المواصفات المتقنة، لكنها تنحدر وتهبط على يد المدرس غير المؤهل، أو توجَّه من قبله توجيهًا نافرًا، أو تهمل ولا يفاد منها.
_________________
(١) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم: ٤٦.
(٢) كانت تسمى إلى وقت قريب بالكتاتيب، ويطلق عليها في معظم البلدان الإفريقية (خلاوي)، وفي بعض بلدان المغرب (حذقات)، وفي موريتانيا (محاظر) .
[ ٢ ]
فلا غرو أن تكون دراسات جادة في تأصيل شخصية المعلم، وبيان دوره الفعَّال.
ولقد حرَص الخلفاء وعلية القوم ووعاة الناس - قديمًا - على اختيار المدرس الناجح لأبنائهم، ونجد - اليوم - في عالم الناس من يحرص على التحاق ولده في المدرسة النموذجية، التي فيها نخبة من المدرسين الأكفاء، لأن ثمرة التعليم وجناه مترتبة على تأهل المدرس بالصفات اللائقة، وأخذه بها في مسيرته المباركة.
إن تأهيل المدرس بالمقومات التي تصل به إلى المستوى المناسب من إقامة الدين - وهو أحد حملته ونقلته - فالطلاب عيونهم مفتوحة على هذا الموجه، فيحسِّنون ما حسَّن، ويعيبون ما قبَّح، وقد يتأثر التلميذ - أحيانًا - بمدرِّسه أكثر مما يتأثر بوالده، والطبع - كما يقال - سرَّاق؛ لذلك ربط بعض السلف بين العلم والدين، وكانوا يتعلمون من معلميهم - أيضًا - الدلَّ والسمت والخلق.
ويسهم هذا البحث إسهامًا متواضعًا في بيان بعض الصفات الأساسية لمعلِّم القرآن الكريم، ويشير إلى وسائل مفيدة - أيضًا - لمدرس القراءات القرآنية من باب التتميم والإفادة.
[ ٣ ]