إن وضوح الغاية لدى حامل مشعل التوجيه والقيادة (المدرس)، يعد محور ارتكاز رسالته التربوية؛ لأنه إذا اتضح أمام ناظريه هدفه الذي يريد تحقيقه، استطاع أن يوجِّه نفسه مع الأحوال التي تمر به، وتحمَّل لأجل غايته النبيلة المصاعب والمتاعب التي تواجهه.
لذلك نجد أن القرآن الكريم جلَّى هذه الحقيقة وأفصح عنها في قول الله ﵎: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ «الأعراف: ٢)، فقوله تعالى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾، أي ضيق، واضح في تقرير وتأكيد وضوح الغاية من التبليغ، فالنهي في قوله: ﴿فَلا يَكُنْ﴾ متوجه إلى الحرج للمبالغة في التكليف، باقتلاع الضيق من أصله، وذلك على طريقة العرب في قولهم: (لا أرينَّك ههنا)، أي لا تحضر فأراك (١) .
_________________
(١) انظر تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: ٨ / ١٣.
[ ٤٣ ]
فوضوح الهدف يعتبر القوة الدافعة لتحقيق الغاية التي يصبو إليها كل صاحب مبدأ.
لهذا نجد ابن جماعة حدَّد أول غايات العالم مع طلبته بقوله: "أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى، ونشر العلم، وإحياء الشرع، ودوام ظهور الحق، وخمول الباطل، ودوام خير الأمة بكثرة علمائها، واغتنام ثوابهم، وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعضهم، وبركة دعائهم له وترحمهم عليه، ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله ﷺ وبينهم، وعداده في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه؛ فإن تعليم العلم من أهم أمور الدين، وأعلى درجات المؤمنين" (١) .
ومن غايات مدرس القرآن الكريم أن يكون مقصوده من التدريس:
أ - نشر القرآن الكريم، وتحصيل الأجور العظيمة التي رتبها الشارع على تعليم القرآن الكريم، وتلاوته، والاستماع إليه، تحقيقًا لقول النبي ﷺ: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٢) .
ب - التأسي والاقتداء بالرسول ﷺ، وصحابته، ومن جاء بعدهم من سلف الأمة وأئمتها الذين قاموا بهذا الدور؛ تحقيقًا لقول النبي ﷺ: "بلغوا عني ولو آية (٣) " (٦) .
_________________
(١) تذكرة السامع والمتكلم: ٤٧.
(٢) سبق تخريجه ص: ٥.
(٣) رواه البخاري (٣٤٦١) (فتح الباري: ٦ / ٥٧٢)، وأحمد في المسند: ٢ / ١٥٩، والترمذي (تحفة الأحوذي: ٧ / ٤٣١)، وغيرهم.
(٤) انظر المدارس والكتاتيب القرآنية: ١٤.
[ ٤٤ ]
ج - تقوية صلة التلميذ بكتاب الله، وسنة نبيه ﵊.
د - حفظ الطالب لأكبر عدد ممكن من سور القرآن الكريم.
هـ - ربط التلميذ بصلاة الجماعة في المسجد، وإفادته من الدروس وحلق العلم المنعقدة فيه، وبخاصة فيما يخص القرآن الكريم.
وحفظ التلميذ وصيانته من الآفات والمفاسد الاجتماعية (١) .
وكما أن وضوح الهدف التعليمي لدى المدرس هو عون له في قيامه بوظيفته المناطة به، كذلك وضوحه لدى التلميذ يثير فيه دوافع التلقي اليقظ، والاستعداد الجيد، لذا يرى بعض التربويين أنه يجب على المدرس أن يُذكِّر الطلاب بأهداف التعلم في الأسبوع الأول من كل عام دراسي (٢) .
وحتى يحقق المدرس غايته ومراده من التعليم، ينبغي أن يكون قدوة لطلابه في جميع أقواله وأفعاله وتصرفاته في العمل بتعاليم القرآن، وتعظيمه، وتقدير حملته، وإبراز محاسنهم، وغض الطرف عن هفواتهم وزلاتهم، والتزام الصدق، والتلفظ بالألفاظ الحسنة، وترك الألفاظ البذيئة، والقيام بواجب النصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الالتزام والتقيد بالمواعيد، والحرص على مطابقة الفعل للقول.
وقد أدرك السلف - رحمهم الله تعالى - هذا الأمر، فهذا عمر بن عتبة يقول لمعلم ولده: "ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن
_________________
(١) انظر التقييم الذاتي لمعلّم التربية الإسلامية: ٩٧، ٩٨.
(٢) انظر طرق تدريس القرآن الكريم للزعبلاوي: ٢٨.
[ ٤٥ ]
عيونهم معقودة بك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت" (١) .
_________________
(١) المدارس والكتاتيب القرآنية: ١٧.
[ ٤٦ ]