يعتبر الالتزام بأحكام الشرع الحنيف علامة فارقة ومميزة بين المسلم الصادق وبين مدعي الإسلام.
وينبغي لمن فضَّله الله تعالى وشرَّفه بحمل كتابه، أو شيء منه أن يكون من أهل القرآن بحق، الذين هم أهل الله وخاصته، وممن قال الله ﷿ فيهم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ (البقرة: ١٢١) أي يعملون به حق عمله (٢) . وقال عكرمة: يتبعونه حق اتباعه من قولهم: تلا، أي: تبع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ (٣) .
_________________
(١) أخلاق حملة القرآن: ٢٤.
(٢) تفسير القرآن للسمعاني: ١ / ١٣٢.
[ ١٥ ]
وذكر العلماء أن من شرط مقرئ القرآن وصفته أن يكون ثقة مأمونًا، ضابطًا، متنزهًا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة (١) .
قالوا: وليتمسك بالكتاب والسنة في جميع تصرفاته الظاهرة والباطنة، فهذا أصل كل خير، ومنبع كل فضيلة (٢) .
فينبغي لحامل القرآن ومعلمه أن يكون ملتزمًا بالفرائض والواجبات، ومحافظًا على المندوبات بحسب الاستطاعة، مجتنبًا للمحرمات، مبتعدًا عن المكروهات بقدر الطاقة، سواء ما كان من ذلك بالقول أو الفعل، ظاهرًا وباطنًا.
وأن يكون مراقبًا لربه في سره وعلانيته، راجيًا ثوابه، خائفًا من عقابه، متأملًا في تصرفاته، محاسبًا نفسه على هفواته وزلاته، حريصًا على ما يصلح دينه، ويسدد نقصه، ويصلح خطأه قدر الإمكان (٣) .
ذكر الآجري بسنده عن ابن مسعود أنه قال: (ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس مفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبتواضعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون) (٤) .
قال الآجري - ﵀ - (هذه الأخبار كلها تدل على ما تقدَّم ذكرنا له من أن أهل القرآن ينبغي أن تكون أخلاقهم مباينة لأخلاق من
_________________
(١) انظر منجد المقرئين: ٥٨، وغيث النفع في القراءات السبع: ١٩.
(٢) غيث النفع: ٢٤.
(٣) المدارس والكتاتيب القرآنية وقفات تربوية وإدارية: ١٣.
(٤) أخلاق حملة القرآن: ٤٢.
[ ١٦ ]
سواهم ممن لم يعلم كعلمهم، إذا نزلت بهم الشدائد لجؤوا إلى الله فيها، ولم يلجؤوا فيها إلى مخلوق، وكان الله أسبق إلى قلوبهم، وقد تأدبوا بأدب القرآن والسنة، فهم أعلام يقتدى بفعالهم) (١) .
ومما ينبغي لمعلم القرآن الاعتناء به، المحافظة على تلاوة القرآن ومداومتها، دون الاكتفاء بالتسميع للطلبة عن المراجعة، وهذا من المواطن التي قد تقع فيها غفلة بعض المدرسين، بحيث يجتزئ بسماعه القرآن دون تلاوته هو له؛ مما يوقعه بشيء من هجر القرآن، ويترتب عليه ضعف محفوظه.
ذكر عبد الصمد بن يزيد البغدادي - خادم الفضيل بن عياض - أنه سمع الفضيل يقول: (أُنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملًا) (٢) .
وقال الحسن - ﵀ - (إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه، وإن لم يكن يقرؤه) (٣) .
ومما يجب على المعلم أن يأخذ نفسه به، وينشِّئ طلبته عليه، البعد عن الأساليب المبتدعة في القراءة، التي أحدثت بعد القرون المفضلة، نحو قراءة القرآن بأصوات الغناء، أو بطريقة الترعيد، أو الترقيص، أو التطريب، أو باللحون الخاصة بالأعاجم، لأن القرآن عربي، فيسلك به مذاهب العرب في لحونهم ونغماتهم، أو التشبه بإيقاعات التراتيل الكنائسية، والأنغام اليهودية والنصرانية، فإن مطلق التشبه بهم حرام، فكيف به في هذا المقام؟
_________________
(١) المصدر السابق: ٤٢ - ٤٣.
(٢) المصدر السابق: ٤٣.
(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد: ٦٣.
[ ١٧ ]
ويحذر من الانزلاق إلى النُّواح حتى لا يتشبه بأهل النوح من الذين لا يؤمنون بقدر الله.
ويدخل في هذا النوع من الطرق المبتدعة مشابهة ألحان الروافض في نياحاتهم التي يقيمونها في عاشوراء، فإنها يجتمع فيها وصفان من الأوصاف المعتبرة في التحريم: أنها ألحان أعجمية، وأنها من ألحان أهل النوح (١) .
فإذا رُئي معلم القرآن يعتاد هذه الطرائق ويرغب فيها، فهو دليل على عدم اتباعه للقرآن، وانتفاعه به.
روى زياد بن لبيد الأنصاري قال: ذكر النبي ﷺ شيئًا، فقال: "وذاك عند أوان ذهاب العلم"، قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: "ثكلتك أمّك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا ينتفعون مما فيهما بشيء؟ " (٢) .
والمقصود من ذكر صفة التدين الصادق لمعلم القرآن، التنبيه على أن يواطئ قوله وعمله ما يحمل من كلام الله، ليكون القرآن العظيم حجة له، لا عليه، وليرفعه الله به، وينفع بتعليمه.
_________________
(١) انظر جمال القراء وكمال الإقراء: ٢ / ٥٢٨ - ٥٢٩، والتمهيد في علم التجويد لابن الجزري:
(٢) ٥٧، ولطائف الإشارات لفنون القراءات: ١ / ٢١٨، وسنن القراء ومناهج المجودين: ٩٤، ٩٩.
(٣) رواه أبو خيثمة زهير بن حرب في كتاب العلم (٥٢): ١٥ - ١٦، وأحمد في المسند: ٤ / ١٦٠، وابن ماجه (٤٠٤٨) في السنن: ٢ / ١٣٤٤.
[ ١٨ ]