يعد الرفق من الأصول المهمة في التعليم والتربية، ومما يباركه الله تعالى ويحبه، فقد قال ﷺ: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه" (١) .
وتزاد أهمية هذا الأسلوب الرقيق الرفيع، لدى ضعاف العقول، كالصغار الذين يحملون في حناياهم أحاسيس مرهفة، وشخصيات لمَّاحة، أو لدى غلاظ الطباع الذين لم يتأدبوا بعلم، أو تحضر، أو مجالسة، كأهل البادية ونحوهم، مما يحمِّل المدرس عبئًا كبيرًا ومسؤولية زائدة، يحتسب أجرها عند الله تعالى.
ويعتبر التواضع وخفض الجناح للمتعلِّم من أعظم صور الرفق به، لما يولده في نفسه من امتزاج العلم والأدب في هذه المظهرية العالية، فيدنو له علم أستاذه، وتنشأ بينهما علاقة دافئة، توصل له هذا العلم.
"إن التواضع كالأرض المنخفضة تجتمع فيها خيرات السماء، على حين تغادر القمم والسفوح، ولو لم يكن في التواضع سوى جعل صاحبه قادرًا على جذب من هم أكثر منه تفوقًا، لكان مكسبًا كبيرًا، وعلى كل حال، فإن المتكبر يظل هو الخاسر؛ حيث يفقد دفء الألفة وحرارة الالتحام بالآخرين، وبذلك فإن ما يزهو به، يكون عامل إقصاء له عن الناس، وحرمان مما تمسّ حاجته إليه" (٢) .
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٢٤) (فتح الباري: ١٠ / ٤٦٣)، ومسلم (٢٥٩٣) في الصحيح: ٤ / ٢٠٠٣ - ٢٠٠٤.
(٢) العيش في الزمان الصعب: العلاقات الاجتماعية: ٢٥ - ٢٦.
[ ٥١ ]
ومن صور الرفق بالطالب ألا يردَّ لكونه غير صحيح النية بطلبه القرآن، قال النووي - ﵀ -: "قال العلماء - ﵃ -: ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، فقد قال سفيان وغيره: طلبهم للعلم نية. وقالوا: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، معناه: كانت عاقبته أن صار لله تعالى" (١) .
وقال الذهبي - في ترجمة معمر بن راشد -: "نعم يطلبه أولًا والحامل له حب العلم، وحب إزالة الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحو ذلك. ولم يكن علم وجوب الإخلاص فيه، ولا صدق النية، فإذا علم حاسب نفسه، وخاف وبال قصده، فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها، وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم، وعلامة ذلك أنه يُقصر من الدعاوى وحب المناظرة، ومن قَصْد التكثر بعلمه ويزري على نفسه" (٢) .
ومن صور الرفق بالطالب أن يتخول الرد اللطيف عليه حين خطئه، قال الآجري - في أخلاق المقرئ -: "وينبغي لمن قرأ عليه القرآن فأخطأ فيه، أو غلط ألا يعنفه، وأن يرفق به، ولا يجفو عليه، ويصبر عليه؛ فإني لا آمن أن يجفو عليه فينفر عنه، وبالحري ألا يعود إلى المسجد" (٣) .
نعم؛ لأن العنف من أسباب النفور والهجر، فيحرص المدرس أن يكون ردّه على الطالب بطريقة لطيفة، لا تعنيف فيها ولا زجر، ولا استعجال،
_________________
(١) التبيان: ٣٤ - ٣٥، ونحوه في تذكرة السامع: ٤٧، ومنجد المقرئين: ٦٣.
(٢) سير أعلام النبلاء: ٧ / ١٧ (قاله الذهبي تعليقًا على قول معمر بن راشد: كان يقال: إن الرجل يطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله) .
(٣) أخلاق حملة القرآن: ٥٣.
[ ٥٢ ]
ويتمنى بقلبه أن يأتي الطالب بالصواب، فإن عجز أرشده بأن يأتي بآية قبلها، فهو أدعى لاستذكاره واستحضاره، فإن كثر خطؤه أمره بالتوبة إلى الله بقلبه عند تكرار الآية، ثم أرشده للمراجعة المتقنة، والبعد عن كل سبب يؤدي لضعف الحفظ.
وكان من عبارة بعض مشايخنا في الرد أنه كان يقول: "السَّندة تُكَرِّم، والرَّدة تُحطِّم"، أي أن سَنْد الطالب ليتحرى الإجابة الصحيحة، فيه تكريم له واحترام، لأنه يفرح بحسن إجابته، وأن الرد المباشر على الطالب دون تمكين له من الاستحضار، وإنشاء الإجابة السليمة، فيه تحطيم لمشاعره ونفسيته، وهو مأخذ تربوي سديد.
[ ٥٣ ]