إن خلق الصبر من الأخلاق العظيمة التي من تحلّى بها نال العلا، وقد تردد ذكره في القرآن العظيم أكثر من مائة مرة، مما يدل على أهميته، وعظم التذكير به.
وقال عنه ﷺ: "والصبر ضياء" (١)، والضياء هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس، بخلاف القمر فإنه نور خالص لا حرارة فيه، ولما كان الصبر شاقًا على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها، وكفها عما تهواه، كان ضياء (٢) .
_________________
(١) رواه مسلم (٢٢٣) في الصحيح: ١ / ٢٠٣، وأحمد: ٥ / ٣٤٢، والنسائي (٢٤٣٧) في السنن: ٥ / ٥ - ٦، وغيرهم.
(٢) انظر جامع العلوم والحكم: ٢ / ٢٤، ٢٥.
[ ٥٣ ]
فمدرس القرآن يحتاج له دائمًا، فهو يصبر على نفسه ويجاهدها، ويصبر على الجلوس الطويل للتعليم والقراءة، ويصبر في شرحه وتوضيحه للمتعلمين، ويصبر على أخلاق الطلاب وما يصدر عنهم - أحيانًا - من نقائص.
قال النووي - ﵀ -: "وينبغي أن يحنو على الطالب، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه ومصالح ولده، ويجري المتعلِّم مجرى ولده في الشفقة عليه، والاهتمام بمصالحه، والصبر على جفائه، وسوء أدبه، ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان؛ فإن الإنسان معرض للنقائص، لا سيما إن كان صغير السن" (١) .
ويعتبر معلم القرآن من الهداة إلى الله الممسِّكين بكتابه، فهو من أئمة الدين الذين يحتاجون للصبر المستمر، واليقين، وهما ركنا الإمامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤) .
ومما يؤكد ضرورة الصبر على المتعلمين في الحلقات القرآنية في هذا العصر أكثر من أي وقت مضى، ما أفرزه التقدم المعرفي، والتقني، وانتشار وسائل الاتصال التي جعلت العالم كقرية واحدة، فأدى ذلك إلى اتساع ثقافة التلاميذ، وزيادة حجم التناقض السلوكي عند الجماعات المرجعية للمتعلم، كل هذا أوجد عنده مشكلات وسلوكيات متنوعة غير التي كانت بالأمس. وهذا يتطلب جهدًا من المعلم في الحلقات القرآنية، ويحتاج إلى الحلم، والصبر، والتدرج؛ لينجح في معالجة تلك المشكلات، ويغرس في نفوسهم الأخلاق
_________________
(١) التبيان: ٣١.
[ ٥٤ ]
الحسنة، ويحقق أهداف الحلقات التربوية، وبدون هذا الخلق قد يتسرب التلاميذ من الحلقات، فلا يعودون إليها؛ لأن المعلم إذا لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح (١) .
_________________
(١) مهارات التدريس في الحلقات القرآنية: ٧٥ - ٧٦.
[ ٥٥ ]