لا شك أن البعض منا قد سأل نفسه ذات يوم وهو يتناول بين يديه كتاب الله العزيز (المصحف الشريف) بغلافه الفاخر وطباعته الرائعة: «ترى كيف كانت هيئة هذا الكتاب على عهد الرسول ﷺ؟ هل كان كتابا يشبه ما نراه فى أيدينا
_________________
(١) من كتاب (الشيخان)، طه حسين، ص ٩٧، من الكتاب الأول- بتصرف.
[ ٢٠ ]
اليوم؟ وكيف حفظه الله، وحوفظ عليه حتى وصل إلى أيدينا فى عهدنا هذا؟
وإذا كان هذا التساؤل قد طاف بخواطر الكثيرين منا ممن لم تتح لهم الفرصة لمعرفة تاريخ تدوين ما يسمى «بالمصحف العثمانى» فها نحن نحاول أن نجيب عن ذلك التساؤل فى غير إسهاب:
حينما بعث الرسول ﷺ بمكة ودخل فى الإسلام بعض ممن عرفوا الكتابة من الصحابة، كان رسول الله ﷺ، يدعوهم لكتابة ما نزل من القرآن أولا بأول، وكان كل واحد منهم يحتفظ بما كتبه في مكان يأمن فيه على ما كتب من الضياع.
ولما لم تكن الكتابة على الورق أمرا ميسورا لكل من أراد الكتابة كما هو الحال اليوم، لذا فقد لجأ العرب في ذلك الوقت إلى الكتابة على (العسيب) وهو جريدة النخل العريضة. وكتبوا على (الرقعة) وهى القطعة من الجلد أو الورق وكتبوا على اللوح وهو الصفحة العريضة من الخشب. وكتبوا على أضلاع الحيوانات (كالإبل والنوق). وأذن الله لرسوله بالهجرة إلى المدينة فزاد اهتمامه بكتابة الوحى، وعمل على محو أمية الكثير من المسلمين، وجعل فدية الأسير لفك رقبته أن يعلم عشرة من المسلمين فزاد عدد كتاب الوحى فلم يتم نزول القرآن حتى كانوا أكثر من أربعين كاتبا من بينهم عدد غير قليل من حفظة القرآن فلما تولى أبو بكر الخلافة وأرسل الجيوش لمحاربة المرتدين استشهد عدد من أصحاب رسول الله ﷺ، وفى حرب «مسيلمة» استشهد عدد آخر أكبر، وكان من بينهم نحو سبعين من حفظة القرآن. فأشار عمر على أبى بكر أن يجمع القرآن حتى لا يتعرض نص من نصوصه للضياع باستشهاد القراء منهم وأصحاب النبى. وتردد أبو بكر فى قبول ذلك الرأي لأنه كان يتحرج من أن يفعل شيئا لم يفعله الرسول وهو جمع القرآن. ولكن عمر ما زال به حتى أقنعه فدعا أبو بكر «زيد بن ثابت» ﵀، وكان شابا قويا صبورا عاقلا من كتّاب الوحي وقد شهد العرضة الأخيرة للقرآن في حياة النبي ﷺ فكلفه أن يتتبع القرآن فيجمعه.
[ ٢١ ]
وتردد زيد كما تردد أبو بكر، لأن النبي لم يفعل ذلك، ولكن أبا بكر وعمر ﵄ أقنعاه بما في ذلك من خير للإسلام والمسلمين، وجعل يتتبع القرآن يجمعه من صدور الرجال، وبالرغم من حفظه للقرآن لم يكن يقبل من رجل نصّا من نصوصه إلا إذا وجده عند رجل آخر من أصحاب النبى وقيل لم يقبل شيئا من أحد إلا أن يأتى معه بشهيدين، مستبعدا كل ما ليس بقرآن من أحاديث قدسية أو تفسير أو تأويل وما نسخت تلاوته من القرآن. ومستبعدا من القرآن رواية الآحاد. فلما أتم جمعه من ألواح الحجارة والجلود وأكتاف الإبل وعسب النخل، وكان ذلك فى عهد أبى بكر أو فى أيام عمر- على اختلاف فى ذلك- «اكتمل بذلك أول مصحف» كتب فيه القرآن الكريم «كاملا» «مرتب السور والآيات» بما يتفق والعرضة الأخيرة وظل أول المصاحف هذا عند أبى بكر (إن كان قد اكتمل جمعه فى عهده). ثم صار بعد ذلك إلى عمر، أو ظل عند عمر (إن كان قد اكتمل جمعه فى عهده) حتى استشهد عمر فكانت نهاية المطاف عند «حفصة أم المؤمنين ﵂».