قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٤] أى اقرأه بطمأنينة غير متعجل فى تدبر معانيه وأعط كل حرف حقه ومستحقه. وعند ما سئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ إذا هي تنعتها بالقراءة المفسرة حرفا، حرفا (١) أى يفسر الحروف فلا تختلط على السامع. وسئل أنس بن مالك ﵁ عن كيفية قراءة النبى ﷺ فقال: «كانت قراءته مدا. ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم». وقد تلقى صحابة رسول الله ﷺ قراءتهم من الرسول مباشرة عن طريق المشافهة ثم تلقى التابعون عن الصحابة رضوان الله عليهم ثم تابعوا التابعين وهكذا تمضى سلسلة المشافهة من جيل إلى جيل ومن مقرئ إلى قارئ مع تحرى القارئ أن يتلقى من الماهرين المجودين المتقنين وكان السلف يشترطون فى ذلك اتصال السند إلى النبى ﷺ لأن هذا العلم سنة متبعة يأخذها اللاحق عن السابق وكان ﷺ يعرض القرآن على جبريل فى كل عام مرة فى رمضان، وفى السنة التى توفى فيها عرضه مرتين.
وقد تسابق صحابة رسول الله ﷺ ينهلون من نبع القرآن علما وعملا وحفظا وترتيلا.
وتميز منهم نفر ممن اتقنوا فن التلاوة حتى صاروا أعلاما فيها فاحتضنهم رسول الله ﷺ ووالاهم بالعناية والرعاية ولمعت من بينهم أسماء بعينها وتعاهدهم يسمعهم قراءته ويطلب منهم أحيانا أن يسمع منهم وأغلبنا يعلم أنه صلوات الله عليه وآله وسلامه طلب من عبد الله بن مسعود- كما جاء فى الحديث الصحيح- أن يقرأ عليه فقرأ حتى بلغ قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا ٤١ [النساء: ٤١] قال حسبك، فالتفت فإذا به ﷺ تذرف عيناه. (متفق عليه). كما ثبت أن النبى ﷺ سمع
_________________
(١) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، وأخرجه أبو داود والترمذي.
[ ١١ ]
عبد الله بن مسعود يقرأ فى صلاته فقال: «من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم معبد» (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبى بن كعب «إن الله أمرنى أن أقرأ عليك» قال: ءآلله سماني لك؟ قال: «الله سماك لي»، قال أنس:
فجعل أبي يبكي» (٢).
فكان أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود من تلك الكوكبة من الصحابة ومن طلائع القراء الذين تعهدهم رسول الله.
قال ﷺ: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب» ومن هذه الكوكبة أيضا: زيد بن ثابت، وعلي بن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل.
نستنتج من حرص رسول اللهﷺ- علي تلقي القرآن من أناس بعينهم أن لهم تميزا في طريقة قراءتهم عن غيرهم. كما نستنتج أن لقراءة القرآن هيئة وصفة يستحب اتباعها كما يكره مخالفتها أو الانحراف عنها.
«وصفة القراءة هذه التي اصطلحوا علي تسميتها بعد ذلك «بالتجويد» تحتوي علي لهجات العرب الفصحي، وطريقتهم في النطق. وهذا من مقتضي كون القرآن عربيا فهو عربي في لفظه ومعناه، وأسلوبه، وتركيبه، ولهجته، وطريقة النطق به، ولذلك تجد كثيرا من مباحث التجويد والقراءة في علم «اللغة و«النحو»، فهي مباحث مشتركة بين الطرفين» (٣).
قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة: ١٢١] يقول الإمام الغزالي «وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل الائتمار. فاللسان «يرتل»، والعقل «يترجم»، والقلب «يتعظ» (٤).
_________________
(١) مجمع الزوائد للهيثمي، ج ٩، ص ٢٨٧.
(٢) رواه مسلم، ج ٢، ص ١٩٥.
(٣) قواعد التجويد، أبو عاصم عبد الفتاح القاري، ص ٢.
(٤) إحياء علوم الدين، ج ٣، ص ١٣١، ط ١٩٥٦ م.
[ ١٢ ]