أراد عثمان ﵁ أن يوحد المسلمين على مصحف واحد يرسم بطريقة تتلاءم مع الحروف السبعة التى نزل بها القرآن، وما لا يحتمله الرسم كتبه فى نسخة بقراءة، وفى الأخرى بقراءة أخرى، ولم يكرره فى النسخة الواحدة لدفع توهم التكرار، فإن لكل منهما وجها من غير تكرار ولم يكتب أحدهما فى الأصل، والثانى فى الحاشية لأن فى ذلك ترجيحا بلا مرجح، ولدفع توهم أن تكون الكلمة فى الأصل غير صحيحة والتى فى الحاشية هى تصحيح لها.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المصاحف العثمانية بمجموعها متضمنة برسمها ما ثبت من القراءات المتواترة فى العرضة الأخيرة محتملة للأحرف السبعة وأرسل مع كل نسخة إماما عدلا ضابطا.
فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمصحف المدنى، وأرسل عبد الله بن السائب مع المصحف المكى، والمغيرة بن أبى شهاب المخزومى مع الشامى، وأبا عبد الرحمن السلمى مع المصحف الكوفى، وعامر بن عبد القيس مع المصحف البصرى.
[ ٢٣ ]
وقد أرسل عثمان ﵁ جماعة من قراء الصحابة يعلمون الناس القراءة بالتلقين وقد تغايرت قراءاتهم بتغاير رواياتهم. كما أن المصاحف العثمانية لم تكن ملزمة بقراءة معينة دون الأخرى لخلوها من النقط والتشكيل، بحيث تحتمل عند التلقين الوجوه المروية.
وقد تمسك أهل كل مصر من الأمصار بما تلقوه سماعا من الصحابى الذى أقرأهم، وتركوا ما عداه، وكان هذا منشأ القراءات وظهور الخلاف.
وبعد فترة من الزمن مضى جيل الصحابيين، وقام مقامهم جيل التابعين، ثم تفرغ جماعة «للقراءة والإقراء» حتى صاروا أئمة يقتدى بهم وتعتمد رواياتهم فنسبت القراءة إليهم» (١).
فلما كان القرن الرابع اشتهر الحافظ أبو بكر البغدادى وهو أول من أفرد القراءات السبعة فى كتاب واختار فيه أشهر سبعة من أئمة القراءة فى عصره.