قال ابن الجزري:
وأصل الاختلاف أن ربّنا أنزله بسبعة مهوّنا
وقيل في المراد منها أوجه وكونه اختلاف لفظ أوجه
المعنى: يشير «ابن الجزري» رحمه الله تعالى بهذين البيتين إلى الأحاديث الواردة في نزول القراءات على الهادي البشير ﷺ «٢». وأقول: لقد تواتر الخبر عن رسول الله ﷺ بأنّ القرآن الكريم أنزل على سبعة أحرف.
_________________
(١) انظر: المزيد من هذا في النشر بتحقيقنا ج ١/ ٥٣ - ٦٠ وانظر هذا المبحث مفصلا في كتابنا في رحاب القرآن ج ١/ ٤٠٥ - ٤٢٣.
(٢) لقد وفّيت الكلام على ذلك مفصّلا في كتابي: في رحاب القرآن ج ١/ ٢١١ - ٢٦٢.
[ ١ / ٢٠ ]
روى ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم ما يقرب من اثنين وعشرين صحابيّا «١» سواء كان ذلك مباشرة عنه ﷺ، أو بواسطة.
وإليك قبسا من هذه الأحاديث التي تعتبر من أقوى الأدلّة على أن القراءات القرآنية كلها كلام الله تعالى، لا مدخل للبشر فيها، وكلها منزلة من عند الله تعالى، على نبينا «محمد» ﷺ، ونقلت عنه نقلا متواترا حتى وصلت إلينا دون تحريف، أو تغيير:
الحديث الأول: عن «ابن شهاب محمد بن مسلم أبي بكر الزهري» ت ١٢٤ هـ قال: حدّثني «عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهلالي» ت ٩٨ هـ أنّ «عبد الله بن عباس» ت ٦٨ هـ ﵄ حدّثه: أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل ﵇ على حرف واحد فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف» اهـ «٢».
الحديث الثاني: عن «ابن شهاب» قال: «أخبرني عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي» ت ٩٣ هـ أنّ «المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب القرشي» ت ٦٤ هـ و«عبد الرحمن بن عبد القارّي» ت ٨٠ هـ. حدّثاه أنهما سمعا «عمر بن الخطاب» ت ٢٣ هـ ﵁ يقول: «سمعت هشام بن حكيم» يقرأ سورة «الفرقان» في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبّرت حتّى سلم، فلبّبته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟
قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد
_________________
(١) وهم: عمر بن الخطاب، عثمان بن عفّان، علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، أبيّ بن كعب، أبو هريرة، معاذ بن جبل، هشام بن حكيم، عمرو بن العاص، عبد الله بن عباس، حذيفة بن اليمان، عبادة بن الصّامت، سليمان بن صرد، أبو بكرة الأنصاري، أبو طلحة الأنصاري، أنس بن مالك، سمرة بن جندب، أبو جهيم الأنصاري، عبد الرحمن بن عوف، عبد الرحمن بن عبد القاري، المسور بن مخرمة، أمّ أيوب، رضي الله عن الجميع.
(٢) رواه البخاري ج ٦/ ١٠٠.
[ ١ / ٢١ ]
أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إنّي سمعت هذا يقرأ «سورة الفرقان» على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ «لعمر»: «أرسله». فأرسله «عمر» فقال: «لهشام»: اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: «كذلك أنزلت».
ثم قال: «اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ:
«كذلك أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسّر منه» اهـ واللفظ للبخاري «١».