بعد ذلك انتقل إلى الحديث عن بيان المراد من الأحرف السبعة فأقول وبالله التوفيق:
لقد اهتم العلماء قديما وحديثا ببيان المراد من الأحرف السبعة: ومن هؤلاء العلماء:
١ - أبو عبيد القاسم بن سلام ت ٢٢٤ هـ في كتابه: غريب الحديث.
٢ - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ت ٣١٠ هـ في تفسيره المشهور.
٣ - مكّي بن أبي طالب ت ٤٣٧ هـ في كتابه: الإبانة عن معاني القراءات.
٤ - شهاب الدين المعروف بأبي شامة ت ٦٦٥ هـ في كتابه: المرشد الوجيز.
٥ - بدر الدين الزركشي ت ٧٩٤ هـ في كتابه: البرهان في علوم القرآن.
٦ - جلال الدين السيوطي ت ٩١١ هـ في كتابه: الإتقان في علوم القرآن إلى غير ذلك من المفسرين، والكتّاب عن «علوم القرآن» ومن يطالع مصنفات هؤلاء العلماء يجد العجب العجاب حيث إن الكثيرين من هؤلاء المصنفين يجعل كلّ همه نقل العديد من الآراء حتّى ولو كانت غير معزوّة إلى أحد من العلماء «٢».
_________________
(١) رواه البخاري ج ٦/ ١٠٠، ومسلم ج ٢/ ٢٠٢، والترمذي ج ١١/ ٦١ وأبو داود ج ٢/ ١٠١. أنظر: المرشد الوجيز ص ٧٧، في رحاب القرآن ج ١/ ٢١٤.
(٢) لقد بلغت الأقوال التي نقلها السيوطي في الإتقان نحو أربعين قولا.
[ ١ / ٢٢ ]
ومن يقف على الأحاديث الواردة في هذه القضيّة يجد هاتين الظاهرتين:
الظاهرة الأولى: لم تتعرض تلك الأحاديث- على كثرتها- إلى بيان ماهيّة الاختلاف في القراءات القرآنية التي جعلت الصحابة رضوان الله عليهم يتخاصمون، ويتحاكمون إلى النبي ﷺ.
الظاهرة الثانية: لم يثبت من قريب أو بعيد أن النبي ﵊ بيّن المراد من الأحرف السبعة.
ولعل ذلك يرجع إلى عدّة عوامل أهمها:
أنّ ذلك كان معروفا لدى الصحابة رضوان الله عليهم، فلم يحتاجوا إلى بيانه، لأنهم لو كانوا في حاجة إلى معرفة ذلك لسألوا عنه الرسول ﷺ، فعدم سؤالهم دليل على عدم خفاء ذلك عليهم.
ولقد اتفق العلماء قديما وحديثا على أنه لا يجوز أن يكون المراد بالأحرف السبعة: هؤلاء القراء السبعة المشهورين، كما يظنّه بعض العوامّ، والكثيرون من الذين لا صلة لهم بعلوم القرآن، لأن هؤلاء القراء السبعة لم يكونوا قد وجدوا أثناء نزول القرآن الكريم.
«ولقد تتّبعت أقوال العلماء الواردة في هذه القضية الهامّة في كتابي: «في رحاب القرآن» ج ١/ ٢٣٨ - ٢٦٢. ورتّبت هذه الأقوال ترتيبا زمنيّا، وانتهيت إلى الرأي الآتي:
فقلت: والذي أراه في هذه القضية الهامة، أن المراد من الأحرف السبعة هو:
أن القرآن الكريم نزل بلغة كلّ حيّ من أحياء العرب، وهذا القول هو الذي قال به كلّ من:
١ - «الإمام علي بن أبي طالب» ت ٤٠ هـ ﵁.
٢ - عبد الله بن عباس ت ٦٨ هـ ﵄.
ومن ينعم النظر في هذا القول يجد أنه يندرج تحته العديد من اللهجات العربيّة المشهورة.
[ ١ / ٢٣ ]
وهذه اللهجات كلها تندرج بالتالي تحت قولهما:
«نزل بلغة كلّ حيّ من أحياء العرب «١».
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.