المقدمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا، وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، والْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، وأهل التقوى والمغفرة، له الحمد كله، وله الشكر كله، وله الثناء الحسن، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد بعد الرضى، له الحمد لا نحصي ثناءً عليه، هو كما
[ ٥ ]
أثنى على نفسه، وفوق ما نثني عليه، له الحمد كما هدانا وله الحمد كما كفانا وآوانا، وله الحمد بالإسلام، وله الحمد بالإيمان، وله الحمد بالسنة والقرآن، له الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، هدانا للإسلام وعلَّمَنا القرآن، ثم يأجرنا على ذلك كثيرا ويقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦]، وما إحساننا لولاه، وما إيماننا لولاه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، أتم بالإسلام علينا النعمة وقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فتمام النعمة في كمال الدين، فالدين من حيث هو قد كمل، وأتم الله به علينا النعمة، وإنما يكمل أحدنا بقدر أخذه من هذا الدين علمًا وعملًا، فمن كان بهذا الدين أقعد؛ فهو بنعمة الله أحظى وأسعد، وبقدر ما يرفع العبد به رأسه؛ تكون نعمة الله عليه أتم، إذ الدين قد تم، والنقص فينا، وما يسدُّه إلا تمسكنا بهذا الدين.
ولما كان هذا القرآنُ -كلامُ ربِّنا وخالقِنا والعالمِ بما يصلحُنا ويصلحُ لنا، إذ هو أعلم بنا من أنفسنا- جامعًا لأسباب السعادة الدنيوية والأخروية، فما من خير إلا دل عليه، وما من شر إلا حذر منه، فأحكامه أتم العدل وأخباره أتم الصدق ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] فإنني حرصت على أن أكون ممن حظي بشرف خدمة هذا الكتاب العظيم.
وإن من أعظم نعم الله علينا أن تكفل بحفظ كتابه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩]، ولم يكله إلى جهودنا، -علم ربُّنا ضعفَنا
[ ٦ ]
وعجزَنا-، ومن مظاهر هذا الحفظِ الإلهيِّ المذكورِ أن سخَّر الله أناسًا اصطفاهمُ ليكونوا ورثةَ النبي -ﷺ- في حفظ هذا الدين، فقاموا به خير قيام فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فما مات النبي -ﷺ- إلا والقرآنُ كلُّه محفوظُ في الصدورِ، مكتوبٌ في السطور، وكان هذا الجمعُ مفرَّقَ الآيات والسورِ.
وفي عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق -﵁- جُمِعَ القرآنُ في صُحُفٍ مجموعَ الآيات والسُّوَر في مكانٍ واحدٍ وكان هذا الجمع بمشورةٍ من عمر -﵁- مخافة أن يذهب القرآنُ بذهاب حُفَّاظِه الذين اسْتَحَرَّ القتلُ فيهم في موقعةِ اليمامة.
ولما كثرت الفتوحات الإسلامية ودخلَ الناسُ في دين الله أفواجًا، واجتمعَ أهل المشرقِ بأهلِ المغربِ، وكلٌّ يقرأ بما عنده من القرآن بالحرف الذي سمعه، ولعَدَمِ علمِ بعضِهم بالحروف نشَأَ بينهم خلافٌ أدى إلى إنكار الأحرفِ والقراءاتِ من بعضهم حتى تفاقم الأمر وكاد يقع بينهم قتالٌ في ذلك، فسمع هذا الاختلافَ بين الناس الصحابيُّ الجليلُ حذيفةُ بن اليمان -﵁- فذهب إلى الخليفةِ عثمانَ بنِ عفانَ -﵁- وقال له: أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتاب ربها كما اختلفت اليهود والنصارى، فامتثل الخليفةُ الراشدُ عثمانُ النصيحةَ وجَمَعَ القرآنَ في مصحفٍ واحدٍ مرتبِ الآياتِ والسورِ برسمٍ يخالف الرسمَ الإملائيَّ في بعض الكلمات ليَحْتَمِلَ وجوهَ القراءاتِ، وأُطلق عليه الرسمُ العثمانيُّ، وأَمَرَ بنسخِ هذا المصحفِ نُسَخًا عِدَّة، وبَعَثَ بها إلى الآفاق (^١). وقد عُنِيَ علماء المسلمين بالقرآن وعلومِه والقراءاتِ منذ نزوله على
_________________
(١) المقنع صـ ٩.
[ ٧ ]
النبي -ﷺ-، ومن بين علوم القرآن التي عُنُوا بها "علم رسم المصحف العثماني" وأُلِّفَتْ في ذلك تصانيف، ومن بين هذه المصنفات نظمُ "عقيلة أتراب القصائد" للإمام الشاطبي -﵀- وشرحُه "الهباتُ السَّنِيَّةُ العَلِيَّةُ على أبياتِ الشاطبِيَّةِ الرائيَّةِ" للإمام ملا علي القاري الهروي ت ١٠١٤، وهو الكتاب الذي قمت بتحقيقه بفضل الله وعونه وهأنذا أقدمه للقارئ الكريم سائلًا الله أن ينفع به كاتبه يوم لا ينفع مال ولا بنون وأن ينفع به قارئه إنه سميع مجيب جوادٌ كريم.