المقدمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أوجد الخلق من العدم، وعلم الإنسان بالقلم ما لم يعلم، ورسم على صحائف الكائنات؛ من الدلالات الواضحات، والإشارات اللائحات، على توحيده في الذات والصفات، والأفعال المتقنة في المصنوعات، والصلاة والسلام على النبي الأمي الذي لم يخط يمينه كتابًا كيلا يرتاب المبطلون (^١) في الآيات البينات، وعلى آله وصحبه وأتباعه وحزبه الذين برعوا في إيوان الفصاحة والكتابة، وبرزوا في ميدان البلاغة والخطابة.
أما بعد: فيقول الملتجي إلى رحمة ربه الباري علي بن سلطان محمد القاري:
قد ورد عن النبي -ﷺ- أنه قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء) رواه مسلم (^٢).
وعنه -ﷺ-: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال اكتب القدر؛ فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد" رواه الترمذي (^٣).
_________________
(١) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
(٢) في ك: القدر، باب حجاج آدم وموسى عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا رقم (٢٦٥٣).
(٣) في ك: القدر عن رسول الله، باب: ما جاء في الرضا بالقضاء (٢١٥٥) وليس فيه (له) ولا (فكتب) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وبلفظ مقارب في ك: تفسير القرآن عن رسول الله، باب: ومن سورة ن والقلم (٣٣١٩) وقال: هذا حديث حسن غريب ورواه أبو داود ك: السنة، باب: في القدر (٤٧٠٠) بلفظ (اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) وأحمد (٢٢١٩٧) و(٢٢١٩٩)؛ بألفاظ أُخَر؛ كلهم من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا، قال الألباني: (ولا تناقض بين القولين -يعني قولي الترمذي-؛ فالاستغراب إنما هو بالنظر في هذا الوجه، وعلته عبد الواحد بن سليم وهو ضعيف، والتحسين؛ باعتبار أنه لم ينفرد به، وهو رواه عن عطاء بن أبي رباح عن الوليد بن عبادة بن الصامت حدثني أبي، ثم ذكر روايتي أحمد وأبي داود ثم قال: "فالحديث صحيح بلا ريب").
[ ٥٤ ]
وأخرج ابن أَشْتَه (^١) في كتاب المصاحف بسنده عن كعب الأحبار (^٢) قال: (أول من وضع الكتاب العربي والسرياني وسائر الألسنة كلها آدم -﵇- قبل موته بثلاثمائة سنة كتبها في الطين، ثم طبخه فلما أصاب الأرضَ الغرقُ أصاب كلُّ قومٍ كتابَهم فكتبوه فكان إسماعيلُ بن إبراهيمَ عليهما الصلاة والسلام أصاب كتاب العرب) (^٣).
ثم أخرج من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس -﵄- قال: (أول كتاب أنزل الله من السماء أبو جاد) (^٤)، وقال ابن فارس (^٥): (الذي نقوله: إن الخط
_________________
(١) هو: محمد بن عبد الله بن أشته، أبو بكر الأصبهاني المقرئ النحوي أحد الأئمة، توفي بمصر في شعبان سنة ٣٦٠. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٣٢١ ترجمة رقم (٢٤٠).
(٢) كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، أدرك النبي -ﷺ- رجلا وأسلم في خلافة أبي بكر أو عمر سنة ١٢، روى عن النبي مرسلا وعن عمر وصهيب وعائشة، مات بحمص سنة ٣٢ عن ١٠٤ سنين. اهـ مختصرًا من الإصابة ٣/ ٣١٥ ترجمة (٧٤٩٦).
(٣) أخرجه أبو القاسم الحنائي في فوائده -الحِنَّائِيات- (٢/ ١٠٢٩) برقم: ٢٠٠ - [٢٠٨]؛ بلفظ: "أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والحصوري والكتب كلها آدم -ﷺ- … ". وانظر: الفهرست (صـ ٦)، ومحاسن الوسائل في معرفة الأوائل للشبلي صـ ٣٢٣، وأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٢٨٣) عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، والبرهان ١/ ٣٧٧ وعزاه إلى أبي الحسين بن فارس في كتاب فقه اللغة، والإتقان للسيوطي ٢/ ٢١٢ النوع السادس والسبعون.
(٤) ذكره السيوطي في الإتقان ٢/ ٢١٢ النوع السادس والسبعون، والمناوي في فيض القدير ٤/ ١٧ ولم يعزه.
(٥) أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني المعروف بالرازي المالكي؛ الإمام العلامة اللغوي المحدث صاحب كتاب المجمل، كان متكلما على طريقة أهل الحق، من رؤوس أهل السنة المجردين على مذهب أهل الحديث، مات بالري في صفر سنة ٣٩٥. اهـ مختصرًا من سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٠٣ ترجمة (٦٥).
[ ٥٥ ]
توقيفي لقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٣) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥] وقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] وهذه الأحرف داخلة في الأسماء التي أعلم الله تعالى بها آدم والله تعالى أعلم) (^١).
فبهذا تبين ما ذهب إليه الجمهور؛ أن الواضع هو الله تعالى، وأنه أوقف العباد عليها بوحيه إلى بعض الأنبياء، أو بخلق الله تعالى العلم الضروري للخلق بالأشياء، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ [البقرة: ٣١]، ومن ثمة يعرف هذا بالمذهب التوقيفي (^٢)، مع أن هذه المسألة من الرياضيات لا من الضروريات (^٣)؛ فهي من الظنيات لا اليقينات (^٤).
_________________
(١) انظر: كتاب "الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها" لابن فارس صـ ٣٦، وذكره الزركشي في البرهان ١/ ٣٧٧، والسيوطي في الإتقان ٢/ ٢١٢ النوع السادس والسبعون.
(٢) قال الشوكاني في إرشاد الفحول صـ ١٢: (اختلف في ذلك على أقوال: الأول: أن الواضع هو الله سبحانه، وإليه ذهب الأشعري وأتباعه وابن فورك. الثاني: أن الواضع هو البشر، وإليه ذهب أبو هاشم ومن تابعه من المعتزلة. الثالث: أن ابتداء اللغة وقع بالتعليم من الله سبحانه والباقي بالاصطلاح. الرابع: أن ابتداء اللغة وقع بالاصطلاح والباقي توقيف، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق، وقيل إنه قال بالذي قبله. الخامس: أن نفس الألفاظ دلت على معانيها بذاتها، وبه قال عباد بن سليمان الصيمري. السادس: أنه يجوز كل واحد من هذه الأقوال من غير جزم بأحدها، وبه قال الجمهور كما حكاه صاحب المحصول). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المسودة صـ ٥٠٤: (ذهب الجمهور إلى أن الألفاظ دلت على المعاني بالوضع؛ لا لذواتها، وشذ عباد بن سليمان الصيمري؛ فزعم أن دلالتها لذواتها، وهذا باطل باختلاف الاسم لاختلاف الطوائف مع اتحاد المسمى). وقال ابن قدامة في روضة الناظر صـ ١٧١: (… ثم هذا أمر لا يرتبط به تعبد عملي، ولا ترهق إلى اعتقاده حاجة، فالخوض فيه فضول، فلا حاجة إلى التطويل، والأشبه أنها توقيفية). وقال الشنقيطي في مذكرة الأصول صـ ١٧١: (وقال بعض أهل الأصول: هي مسألة طويلة الذيل، قليلة النيل).
(٣) الرياضي في الاصطلاح هو النظري؛ وهو: ما يحتاج إدراكه إلى تأمل ويحتاج إلى نظر وكسب، والضروري -ويقال له البدهي- وهو في الاصطلاح: ما لا يحتاج إدراكه إلى تأمل، ويحصل بلا نظر وكسب. انظر: منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب صـ ٥ و٦، وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي ١/ ١٠، وتسهيل المنطق لعبد الكريم مراد الأثري صـ ٧.
(٤) الظني في الاصطلاح هو: ما أفاد الظن، واليقيني في الاصطلاح هو: ما أفاد اليقين الجازم المطابق للواقع، وهما قسما مادة القياس عند المنطقيين، ومادته هي القضايا التي يتألف منها؛ لأنها قسمان: يقينات وغير يقينات وهي التي يقال لها اصطلاحًا الصناعات الخمس وهي: البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة، ووجه الحصر في ذلك هو أن القياس إما أن يفيد اليقين الجازم المطابق للواقع فهو البرهان، أو يفيد اليقين على وجه الشهرة والتسليم فهو الجدل، أو يفيد الظن فهي الخطابة، أو التخيل فهو الشعر، أو يفيد اليقين الكاذب فهو السفسطة. انظر: تسهيل المنطق لعبد الكريم مراد الأثري صـ ٥٧.
[ ٥٦ ]
وقد جعل الله الكتابة من أظهر صنائع البشر وأعلاها، ومن أكثر منافع الأمم وأسناها، وهي حرز لا يضيع ما استودع فيه، وكنز لا يتغير لديه ما يوعيه، وحافظ لا يخاف عليه النسيان من كل باب، وناطق لما حرفه اللسان على وجه الصواب، ولذا قال سيد الأحباب، مخاطبًا للأصحاب: (قيدوا العلم بالكتاب) (^١).
وكانت الكتابةُ رخصةً، وانقلبت في هذا الزمان عزيمةً؛ صيانةً للعلم عن الخطإ في الروايةِ، المبنيِّ عليها صحةُ الدراية، ثم هي السبب إلى تخليد كل فضيلة، والباعث على تجديد كل حكمة جليلة، فإنها الموصلة إلى الأمم الآتية، بأخبار القرون الخالية، وآثار الدهور الماضية، حتى كأن الخلف يشاهد السلف، وكأن الآخر يشاهد الأول الماهر، بنظر الباطن والظاهر، فإنك متى أردت مجالسة إمام من الأئمة، ومشافهة كلام أحد من مشايخ الأمة، فطالع في كتبه التي صنفها، ورسائله التي ألفها، فإنك تجده لك مخاطِبًا ومعلِّمًا، ومرشِدًا ومفهِّمًا، فهو حيٌّ من هذه الحيثيةِ، وموجود بهذه الكيفيةِ، ولذا قال قائلٌ منبهًا لأهل زمانه، على إغفال خصال الكريم وإهمال شأنه، شعر:
إني سألت عن الكرام فقيل لي … إن الكرامَ رهائنُ الأرماسِ
ذهب الكرامُ وَجُودُهمْ ونوالُهمْ … وحديثُهمْ إلا من القِرْطاسِ (^٢)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: عوامة) (١٣/ ٤٦١) برقم: (٢٦٩٥٥) موقوفًا على عمر وبرقم: (٢٦٩٥٦) موقوفًا على ابن عباس -﵄-، وأخرجه الدارمي موقوفًا على أنس باب: من رخص في كتابة العلم (٤٩٧). وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٣٠٦) رقم (٣٩٥)، ورواه أبو خيثمة زهير بن حرب النسائي في كتاب العلم بتحقيق الألباني (صـ ١٣٧ - ١٣٨) من قول أنس لبنيه (يا بَنِيَّ قيدوا العلم بالكتاب) ومن قول ابن عباس، وقال الألباني معلقًا عليه: (وقد روي هذا الحديث مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- ولا يصح)؛ مع أنه صححه في صحيح الجامع برقم ٤٤٣٤، وصححه أيضًا في السلسلة الصحيحة (٥/ ٤٠ - ٤٤) برقم ٢٠٢٦) والله أعلم.
(٢) لم أهتد إلى قائل هذه الأبيات، وقد ذكرها السخاوي في الوسيلة صـ ٥.
[ ٥٧ ]
وهذا معنى قول علي -﵁-: (العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة) (^١)، وكان عمر بن عبد العزيز (^٢) يصلي بالليل فإذا مرت به آية وفهم منها دلالة سلم من صلاته وكتبها في لوح أعده لصلاته، ليعمل به في غداته، وقيل لبعضهم (^٣): كم تكتب؟ فقال: (لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أكتبها بعد).
هذا (^٤)، وقد ذكر السخاوي (^٥) تلميذ الشاطبي رحمة الله عليهما بإسناده
_________________
(١) رواه أبو نعيم في الحلية ١/ ٧٩ - ٨٠ عن كميل بن زياد عنه، ومن طريقه رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" ١/ ٤٩ - ٥٠ وقال: (هذا الحديث من أحسنِ الأحاديثِ معنًى وأشرفِها لفظًا)، وشرحه ابن القيم في مفتاح دار السعادة ١/ ١٢٣ - ١٥٣، وفي إسناده أبو حمزة الثمالي؛ ثابت بن أبي صفية (قال أحمد وابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: لين الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وعَدَّهُ السليمانيُّ في قوم من الرافضة) اهـ من "ميزان الاعتدال" للذهبي ١/ ٣٦٣ رقم (١٣٥٨)، وشيخه عبد الرحمن بن جندب الفزاري؛ مجهول كما قال الحافظ في اللسان ٣/ ٤٠٨، وذكره ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ١/ ٢٤٧ برقم (٢٨٤)، وذكره بطوله في "كنز العمال" ١٠/ ٢٦٢ رقم (٢٩٣٩١)، وعزاه إلى ابنِ الأنباريِّ في "المصاحفِ"، والمرهبيِّ في "العلمِ"، ونصرٍ في "الحجة"، والحليةِ، وابن عساكر، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٢١٨) رقم (٤٩٩٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠) رقم (٤)، وتاريخ بغداد (٦/ ٣٧٨) رقم (٣٤١٣).
(٢) ابن مروان بن الحكم أبو حفص الأموي أمير المؤمنين، مناقبه كثيرة، توفي -﵁- في رجب سنة ١٠١ وله ٣٩ سنة وأشْهُر. اهـ من الغاية ١/ ٥٩٣ ترجمة (٢٤١٢).
(٣) هو عبد الله بن المبارك، والأثر في الجرح والتعديل (١/ ٢٨٠)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٣٢٨) رقم ١٧٢٦.
(٤) الشيخ -﵀- يكثر من استخدام (هذا) للفصل وهي في سورة [ص: ٥٥] ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ فهو أسلوب قرآني.
(٥) علي بن محمد بن عبد الصمد علم الدين؛ أبو الحسن الهمداني السخاوي، الإمام المقرئ المفسر، مات سنة ٦٤٣ اهـ مختصرا من معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٣١ ترجمة (٥٩٦)، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٢٢، وغاية النهاية ١/ ٥٦٨ ترجمة (٢٣١٨).
[ ٥٨ ]
المتصل (^١) إلى الزهري (^٢) عن سفيان (^٣) عن مجالد (^٤) عن الشعبي (^٥) قال: (سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ فقالوا: من أهل الحيرة وسألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ فقالوا: من أهل الأنبار) (^٦).
ولما كان كل من أراد إبقاء حكمة جليلة، وإنشاء علم وفضيلة، وإبداء لطيفة جميلة، لا يجد أقوى له من كَتْبِهِ ورقْمِهِ، ولا أوثق من قَيْدِهِ بِرَسْمِهِ، ولما كان كلامُ الله تعالى أولى بذلك من كلِّ كتاب، وأحقَّ به من كل خطاب، لوجوبِ محافظتِه من كل باب، على أولي الألباب؛ كَتَبَ سلفُ هذه الأمةِ لخَلَفِهم أمَنَةً أئمةً يُقْتَدَى بها، ويرجع عند النسيان إليها، ويرتفع الخلاف معها،
_________________
(١) قال: (حدثني أبو المظفر بن فيروز الجوهري أخبرنا القاضي أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد أخبرنا أبو عمر عثمان بن محمد البزاز المعروف بالآدمي حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني من لفظه حدثنا عبد الله بن محمد الزهري حدثنا سفيان …) به، انظر: الوسيلة للسخاوي صـ ٧ - ٨.
(٢) ليس هو الإمام المشهور، وإنما هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري البصري، روى عن سفيان بن عيينة، صدوق مات سنة ٢٥٦. اهـ من الجرح والتعديل ٥/ ١٦٣ ترجمة (٧٥٣) والتقريب ١/ ٤٤٧ ترجمة (٦٠٤).
(٣) هو ابن عيينة -كما في المقنع صـ ٩ في السند المذكور-؛ ابن أبي عمران؛ ميمون؛ أبو مجاهد الهلالي الكوفي الإمام المشهور، توفي أول يوم في رجب سنة ١٩٨. اهـ من الغاية ١/ ٣٠٨ ترجمة (١٣٥٨).
(٤) في جميع النسخ التسع (مجاهد) وهو خطأ؛ لمخالفته للمقنع صـ ٩ في نفس السند، وللمصاحف صـ ٩، والصواب (مجالد) كما أَثْبَتُّهُ؛ وهو ابن سعيد بن عمير الهمداني، أبو عمرو الكوفي؛ ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، مات سنة ١٤٤. اهـ. من التقريب، وقد قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٨/ ٣٦١ في مجالد: (روى عن .. الشعبي .. روى عنه ابن عيينة) وهما شيخه وتلميذه في هذا السند، أما مجاهد فقد مات سنة ١٠٣، وابن عيينة ولد سنة ١٠٧، والشعبي مات سنة ١٠٥.
(٥) هو عامر بن شراحيل بن عبدٍ؛ أبو عمرو الكوفي الإمام الكبير المشهور، ومناقبه وعلمه وحفظه أشهر من أن تذكر، مات سنة ١٠٥ وله ٧٧ سنة اهـ من الغاية ١/ ٣٥٠ ترجمة (١٥٠٠).
(٦) رواه ابن أبي داود في المصاحف صـ ٩ عن الزهري بالسند المذكور، والداني في المقنع صـ ٩ قال: (حدثا إبراهيم بن فراس المكي إجازة قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد قال حدثني جدي … الخ السند، وذكره أبو هلال العسكري في الأوائل صـ ٥٧.
[ ٥٩ ]
وينقطع النزاع عندها، وقد ذكر السخاوي عن شيخه الشاطبي (^١) بسنده قال: سمعت مالكًا يقول: (إنما أُلِّفَ القرآنُ على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله -ﷺ- (^٢).
هذا، وقد صنف الناس في رسم المصاحف كُتُبًا، لكن كتاب أبي عمرو الداني، المسمى بالمقنع (^٣) من أجمعِها وأحسنِها وأنفعِها، وقد اختصره الشيخ الولي أبو القاسم الشاطبي أحسن اختصار، ونظمه في أيمن أشعار، وزاد على أصله ببعض إفادة آثار، وإجادة أسرار، وقد شرح هذه القصيدةَ الرائيةَ، جمعٌ من أربابِ الفضائلِ البهيةِ، وأصحابِ الفواضلِ الرضيَّةِ، منهم الشارحُ الأولُ، وهو السخاويُّ الذي على كلامِهِ المُعَوَّلُ، فأردت أن أشاركهم في مسلك هذه القضيَّة، لعلِّي أُصادفُ تحسينَ النيةِ، وتزيين الطويَّةِ، ليكون وسيلةً إلى الدرجاتِ العَلِيَّةِ، والله ولي التوفيق، وبعنانِ عنايتِه أَزِمَّةُ التحقيق.
قال الشيخ بعد الابتداء بالبسملة -من غير أن يدرجَها في القصيدة-؛ لعذر ضيق النظم المؤدي إلى ترك رعاية تركيبها، ومحافظة ألفاظها على سنن تهذيبها، كما أتى بها في أول قصيدته اللامِيَّةِ (^٤) عملًا بأحد الجائزين (^٥) في القضية الكلامِيَّةِ:
_________________
(١) (قال حدثنا أبو الحسن علي بن محمد حدثنا أبو داود -ابن نجاح- حدثنا أبو عمرو-الداني-) الخ سند المقنع الآتي. اهـ من الوسيلة صـ ١٠.
(٢) رواه الداني في المقنع صـ ٨ قال: (حدثنا خلف بن حمدان، حدثنا محمد بن عبدالله بن زكريا، حدثنا عمي يحيى بن زكريا، حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب؛ قال سمعت مالكًا ..).
(٣) في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار.
(٤) حيث ترك رعاية تركيبها قائلًا: بدأت ببسم الله في النظم أولا تبارك رحمانًا رحيمًا وموئلا.
(٥) مراده بالجائزين إدراجُها في النظم وعدمُ إدراجها فيه.
[ ٦٠ ]