لكونهما (^٦) موقوفان (^٧) على أن يعلم أن اللحن من الألفاظ المشتركة (^٨)؛ فإنه يقال: لَحَنَ؛ أَوْمَأَ وكنى، ولَحَنَ؛ زَلَّ وأَخْطَأَ، يَلْحَنُ لَحْنًا فيهما، فعلى الأول حمل:
خير الحديث ما كان لَحْنًا (^٩)
_________________
(١) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٣٤ - ٣٦).
(٢) كذا في جميع النسخ التسع، وليس في مخطوط (الجميلة) ولا في النسخة المحققة صـ ١٣٥: (والأصلَ فرعًا).
(٣) أي: عدم التسليم بصحة الدليل.
(٤) أي: عدم التسليم بدلالته بعد التسليم بصحة الدليل.
(٥) انظر: الجميلة صـ ٢٥ مع حذف لا يخل بالمعنى.
(٦) أي: لكون الجوابين الآخرين.
(٧) كذا في جميع النسخ، وهو خبر "كان" وحقه النصب على وَفق قواعد النحو التي درج عليها المؤلف في سائر كتابه؛ لا على لغة من يلزم المثنى الألف.
(٨) اللفظ المشترك هو اللفظ الموضوع لأكثر من معنى حقيقة، قال في شرح الكوكب المنير ١/ ١٣٩ - ١٤٠: (وهو واقع في اللغة عند أصحابنا والشافعية والحنفية والأكثر من طوائف العلماء؛ في الأسماء كالقرء .. والعين .. وفي الأفعال كعسعس .. وفي الحروف كالباء للتبعيض وبيان الجنس والاستعانة والسببية … ومنع جمعٌ وقوعَ المشترك في اللغة) ثم صحّح الأول.
(٩) البيت لمالك بن أسماء بن خارجة الفزاري: وحديث ألذه هو مما … ينعت الناعتون وزنا منطق رائع، وتلحن أحيا … نا وخير الحديث ما كان لحنا انظر: لسان العرب (١٣/ ٣٨٠) مادة لحن.
[ ٨٠ ]
وعلى الثاني خبر الصِّدِّيقِ: (لَأَن أقرأ وأُسْقِطَ أحبُّ إليّ من أن أقرأ وألحن) (^١) وجمعهما الشاعر في قوله؛ شعر:
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا (^٢) … والمرء يكرم إذ لم يلحن (^٣)
إذا عرفت هذا فاعلم أن "الإيماء" مفعولُ "احتمل"، و"في صورٍ"؛ متعلقٌ به (^٤)، وضمير "فيه" راجع إلى المصحف الأصل، و"يَنْثُر"؛ بضم المثلثة، وفي نسخة ينشر بالشين المعجمة، والدُّرَرَا؛ بضم الدال جمع الدُّرة؛ بمعنى اللؤلؤ؛ مفعولٌ، والجملة؛ صفةُ "الصُّوَر"، كذا ذكره الشارح (^٥)، والأقرب أن يكون نعتًا لـ "حديثٍ"، و"يَنْثُر"؛ بصيغة التذكير كما في نسخة صحيحة.
_________________
(١) ذكره الجعبري في الجميلة صـ ٢٦ وابن القاصح في تلخيص الفوائد صـ ١٢.
(٢) كذا في (بر ٣) وهو الصواب، وفي باقي النسخ الثمان "كي تفهموه" ويظهر لي أنه غير مستقيم عروضيًّا.
(٣) صدر البيت للقتّال الكلابي، وقد ذكره ابن منظور في لسان العرب (١٣/ ٣٨٢) مادة "لحن" وهو بتمامه: ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا … ووحيت وحيا ليس بالمرتاب والبيت الذي ذكره المؤلف هو الذي يجمع معنيي اللحن؛ فقوله: "لحنت" أي: أومأت وكنيت، وقوله "يلحن" أي: يزل ويخطئ، وعجز البيت غير مستقيم عروضيًّا ولعل صوابه "والمرء تكرمه إذا لم يلحنِ" علمًا بأن هذا عجز بيت آخر هو: النحوُ يصلح من لسان الألكنِ والمرء تكرمه إذا لم يلحنِ
(٤) أي: بالإيماء.
(٥) مراده بالشارح هنا الجعبري انظر: (الجميلة صـ ٢٥).
[ ٨١ ]
والمعنى: لو فُرِضَ صحةُ قولِ عثمانَ في هذا الشأنِ (^١) لاحتمل اللحن (^٢) الذي يكون فيه كناية عن الرمز والإشارة في صور من الكتابة الواقعة في المصحف من بعض الصور لحنًا "كلَحْنِ حديثٍ" يشير إلى نكات لطيفة ومعان شريفة يفهم بالكناية، عن صور الكتابة، أنها ظاهرة عند أرباب الخبرة، وأصحاب العبرة، كالدر النظيم، من جهة ما فيه من صنعة البديع العظيم، وإلا كانت على خلاف مقتضى الظن في الطبع السليم، بحيث يتبادر إلى إنكاره الفهمُ السقيمُ، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ فإن العرب تُتْبِعُ بالواو تارةً (^٣)، وتستأنفُ أخرى لغرض المدح والذم والاختصاص، فـ (المُوفُونَ) عطف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ أي: المؤمنون والمُوفُونَ، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، أو رَفْعُه على المدحِ، والقطعُ (^٤) هو الأظهر من العطف، وعليه أرباب الوقوف (^٥)، و(الصابرين)؛ نصب بفعل مقدر أي: أخص أو أمدح الصابرين أو أعني الصابرين تنبيهًا على
_________________
(١) أي: لو فرض صحة نسبة هذا القول لعثمان.
(٢) قال الداني في المقنع صـ ١١٦: (فإن قال: فما وجه ذلك عندك لو صح عن عثمان قلت: وجهه: أن يكون أراد باللحن المذكورِ فيه التلاوةَ دون الرسمِ؛ إذ كان كثير منه لو تُلِي على حال رسْمه لانقلب بذلك معنى التلاوة وتغيرت ألفاظُها، ألا ترى قوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ و﴿وَلَأَاْوْضَعُواْ﴾ و﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ و﴿سَأُرِيكُمْ﴾ و﴿الرِّبَا﴾ وشبهه مما زيدت الألف والياء والواو في رسمه، لو تلاه تالٍ لا معرفة له بحقيقة الرسم على حال صورته في الخط؛ لصيَّرَ الإيجابَ نفيًا ولزاد في اللفظ ما ليس فيه ولا من أصله فأتى من اللحن بما لا خفاء به على من سمعه مع كونِ رسمِ ذلك كذلك جائزًا مستعملًا، فأَعْلَمَ عثمانُ إِذْ وَقَفَ على ذلك أن من فاته تمييز ذلك وعزَبَتْ معرفتُه عنه ممن يأتي بعده سيأخذ ذلك عن العرب إذ هم الذين نزل القرآن بلغتهم فَيُعَرِّفونَهُ بحقيقةِ تلاوتِه ويَدُلُّونَهُ على صواب رسمِه فهذا وجهه عندي والله أعلم).
(٣) أي: تجعل الواو من التوابع حيث تعطف بها عطفَ نسقٍ.
(٤) أي: الاستئناف.
(٥) انظر: على سبيل المثال "منار الهدى في بيان الوقف والابتدا" لأحمد بن عبد الكريم الأشموني المصري ١/ ٩٥.
[ ٨٢ ]
شرف هذه الخصلة الشاملة، وقد رفعهما ابن عباس (^١)، ونصبهما هارون (^٢)، ورُوِيَا شاذًّا عن أبي عمرو (^٣) وكقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ﴾ [النساء: ١٦٢] فيروى برفعهما (^٤)، ونصبهما (^٥)، ونصب الأول ورفع الثاني (^٦)؛ وهو المتواتر، وبعكسه (^٧)، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ في أخرى (^٨)؛ حيث عطف الصابئين على لفظ اسم "إن" في آية، والصابئون
_________________
(١) أي: (الموفون … والصابرون) ولم أجد من عزاها إليه.
(٢) لعله: ابن موسى الأخفش الدمشقي أبو عبد الله التغلبي شيخ المقرئين بدمشق في زمانه، صنَّف كتبا كثيرة في القراءات والعربية وإليه رجعت الإمامة في قراءة ابن ذكوان، توفي في صفر سنة ٢٩٢ وله ٩٢ سنة. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٢٤٧ ترجمة رقم (١٥٣) وقد عزا قراءة النصب إلى مصحف ابن مسعود كلٌّ من أبي منصور الماتريدي في تفسيره ٢/ ٥ وابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٢٤٤ والقرطبي في أحكام القرآن ٢/ ٢٤٠ وغيرهم، وعزا قراءة الرفع إلى يعقوب والأعمش؛ ابن عطية والقرطبي في الموضعين السابقين، وعزاها ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (ص: ٣٧) إلى عاصم الجحدريّ، وذكر القراءتين دون عَزْوٍ كلٌّ من الزمخشري في الكشاف ١/ ٢٢٠ والرازي في مفاتيح الغيب ٥/ ٢٢٠، ولم أجد من عزا قراءة الرفع إلى هارون؛ لا الأخفش الذي ترجمتُ له، ولا الأعور الذي تكثر رواية الشواذ عنه فالله أعلم.
(٣) هو ابن العلاء التميمي المازني البصري المقرئ الإمام النحوي اسمه زبان؛ مقرئ أهل البصرة؛ أحد القراء السبعة، مات بالكوفة سنة ١٥٤. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ١٠٠ ترجمة رقم (٣٩) وانظر: الغاية ١/ ٢٨٨ ترجمة (١٢٨٣)، والطبقات ١/ ٩١ ترجمة (٤٢)، ولم أجد هذه الرواية الشاذة عن أبي عمرو.
(٤) أي: (والمقيمون الصلاة والمؤتون) وقد عزاها ابن جني في "المحتسب" (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤) إلى مالك ابن دينار وعيسى الثقفي وعاصم الجحدري وقال: (ارتفاع هذا على الظاهر الذي لا نظر فيه … لكن رفعه في هذه القراءة يمنع من توهمه مع الباء مجرورًا أي: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة وهذا واضح).
(٥) أي: (والمقيمين الصلاة والمؤتين).
(٦) أي: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ﴾.
(٧) أي: (والمقيمون الصلاة والمؤتين).
(٨) أي: في آية أخرى وهي آية المائدة [٦٩].
[ ٨٣ ]
على محل اسم "إن" كذا حققه الجعبري (^١).
وأما قول الشارح: (نحو ﴿الْكِتَابِ﴾ و﴿الصَّابِرِينَ﴾ وما أشبه ذلك من مواضع الحذف التي صارت كالرمز يعرفه القراء إذا رأوه) (^٢) فبعيد عن كونه جوابًا عن السؤال؛ لأن كتابة أكثر القرآن على هذا المنوال.
هذا، والجواب الثاني أن يكون معناه (^٣) أرى فيه صُوَرَ خطٍّ تخالف اللفظ والمبنى، لو جُرِيَ على ظواهرها لكان لحنًا خللًا في المعنى ستمضي العرب فيها على مقتضى قواعدها لعلمها بأن المرادَ برسمِها غيرُ لفظِها وهذا معنى قوله: