بضم ففتح؛ جمع ظهير بمعنى المعاون، وهو منصوب على الحال من "البرية"، وهي في النظم بهمز وتركه، والقراءة مشهورة بهما (^١)، و"ما"؛ موصولة أو موصوفة، والجملة بعدها صلة أو صفة، و"عَلِمَ" به: شَعَر وفطِن كذا في القاموس (^٢)، وقيل الباء هنا زائدة.
والمعنى: أن القرآن العظيم والفرقان الكريم خُصَّ من بين الكتب المنزلة على الرسل المتقدمة (^٣) و(امتاز عن سائر الكلمات المتداولة بمزايا أعاجيب، وأساليب تراكيب، حارت فيه أفكارُ الألِبَّاءِ، وكَلَّتْ عنها (^٤) ألسنةُ الفصحاءِ والبلغاءِ، وعجزت عنه العرب العرباء الخطباء، عن أن يأتوا بمثله في حسن نظمه، وبيان حكمه، مع كونهم في معارضته متعاونين، وفي مناقضته متناصرين) (^٥) كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وهو أظهر معجزاته، وأعظم آياته، حيث طالب العرب بإتيان سورة من مثله في نظمه العجيب، وأسلوبه الغريب، مع قطع النظر عما يتضمن من أخبار
_________________
(١) قال في النشر ١/ ٤٠٧ باب: الهمز المفرد (وأما ﴿الْبَرِيَّةِ﴾ وهو في "لم يكن" ﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [الآية: ٦] و﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [الآية: ٧] فقرأهما نافع وابن ذكوان بهمزة مفتوحة بعد الياء وقرأ الباقون بغير همز، مشددة الياء في الحرفين) اهـ. وانظر: كتاب الكشف (٢/ ٣٨٥).
(٢) القاموس المحيط، باب الراء. فصل الشين (٢/ ٥٩).
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح ٥/ ٤٣٤ - ٤٣٥: (ليس ما في التوراة والإنجيل مماثلا لمعاني القرآن، لا في الحقيقة، ولا في الكيفية، ولا في الكمية، بل يظهر التفاوت لكل من تدبر القرآن، وتدبر الكتب).
(٤) ما قبلها وما بعدها بضمير المذكر "فيه وعنه" وهنا بضمير المؤنث "عنها" كذا في جميع النسخ التسع.
(٥) ما بين القوسين مقتبس مع تصرف يسير من الجميلة صـ ٢٩.
[ ٨٦ ]
السابقين، وأحوال اللاحقين، ومن الدلالة على مكارم الأخلاق، ورفعِ (^١) طرقِ أهلِ الشكِّ والزيغِ والشقاق، بل ولا رطب ولا يابس إلا فيه بالاتفاق، كما قاله (^٢) ابن عباس، تنبيهًا للناس؛ شعر (^٣):
جميعُ العلمِ في القرآن لكنْ … تَقَاصَرُ عنه أفهامُ الرجالِ
فعجزوا عن المعارضة والمقابلة، واختاروا المحاربة والمقاتلة، وعدلوا عن المقاومة بحسن المقال، إلى قرع الصوارم ورشق النبال، مع ما فيها من هلاك النفس وسبي الحريم والأولاد وذهاب الأموال، وضياع الأحوال، وهذا دليل قاطع على عجزهم في مقالهم، كما أخبر الله عن حالهم، في مبدئهم ومآلهم، بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤].
ثم لما وقع الخلاف بين العلماء الأعيان في وجه إعجاز القرآن (^٤) حيث قال بعضهم: هو وقوعه على وجهٍ يفارق أوزان كلام العرب في نظم كلماته وبديع فصاحته، وصنيع بلاغته، حيث جاوزت فصاحةَ كلِّ فصيح من الفصحاء، وبلغت غايةً ما بلغها كلام البلغاء (^٥).
_________________
(١) في نسخة (ص) "دفع" وسائر النسخ بالراء كما أثبته وتقدم ذكر الفرق بينهما والقرآن مشتمل عليهما.
(٢) كذا في (بر ١) و(ص)، وفي (ز ٤) " وكما قاله"، وفي (س) " كما قاله ابن عباس -﵄- ".
(٣) ليس في (ز ٤) و(س) و(ل) و(ز ٨) لفظة "شعر".
(٤) انظر: الإتقان للسيوطي، النوع الرابع والستون (٤/ ٦ - ٨).
(٥) قال ابن تيمية في الجواب الصحيح ٥/ ٤٣٣ - ٤٣٤: (نفس نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة، ولم يأت أحد بنظير هذا الأسلوب، فإنه ليس من جنس الشعر ولا الرجز، ولا الخطابة ولا الرسائل ولا نظمُه نظمُ شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته هذا عجيب خارق للعادة ليس له نظير في كلام جميع الخلق، وبسط هذا وتفصيله طويل، يعرفه من له نظر وتدبر)، وقال رشيد رضا في المنار ١١/ ٣٧٠: (ثم إن أكثر المتكلمين ومن على مذاهبهم من المفسرين على أن تحدي العرب إنما كان بما امتاز به من الفصاحة والبلاغة اللغوية وقد صنفوا في بيان إعجاز القرآن بها كتبًا مستقلة ولم يوفوه حقه من ناحيتها ولا سيما نظمه العجيب من النواحي المعنوية)، وقال أيضًا في المنار ١٢/ ٤٥: (فيا حسرة على الغافلين الذين زعموا أن إعجازها محصور في فصاحة المفردات والجمل وبلاغة البيان على ما في دلالة الفصاحة والبلاغة على النبوة من الخفاء على الأفكار والأذهان)، وقال سيد قطب في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٥٠: (إن إعجاز القرآن أبعد من إعجاز نظمه ومعانيه، وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله هو عجز كذلك عن إبداع منهج كمنهجه يحيط بما يحيط)، وقال: (وهو أسلوب متميز تمامًا من الأسلوب البشري، وإلا فمن شاء أن يماري، فليحاول أن يعبر على هذا النحو، ثم ليأتي بكلام مفهوم مستقيم؛ فضلا على أن يكون له هذا الجمال الرائع، وهذا الإيقاع المؤثر، وهذا التناسق الكامل).
[ ٨٧ ]
وقال بعضهم: هو ما انطوى عليه من الإخبار عن الغيوب التي هي مختصة بالحق، العاجز عن معرفتها الخلقُ، نحو قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (^١) وقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥].
وقال بعضهم: هو اشتماله على قصص الأولين، وما جرى بينهم وبين الأنبياء المرسلين. هذا ما ذكره أصحابنا أهل السنة (^٢).
_________________
(١) سورة التوبة: [آية: ٣٣]، والفتح: [آية: ٢٨]، والصف: [آية: ٩].
(٢) وقال سيد قطب في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٥٠: (وقد ثبت هذا التحدي؛ وثبت العجز عنه. وما يزال ثابتًا ولن يزال. والذين يدركون بلاغة هذه اللغة، ويتذوقون الجمال الفني والتناسق فيها، يدركون أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان. وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية، والأصول التشريعية، ويدرسون النظام الذي جاء به هذا القرآن، يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الجماعة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات في يسر ومرونة .. كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشري واحد، أو مجموعة العقول في جيل واحد أو في جميع الأجيال. ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الوصول إلى التأثير فيها وتوجيهها ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه. فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده، ولكنه الإعجاز المطلق الذي يلمسه الخبراء في هذا وفي النظم والتشريعات والنفسيات وما إليها … والذين زاولوا فن التعبير، والذين لهم بصر بالأداء الفني، يدركون أكثر من غيرهم مدى ما في الأداء القرآني من إعجاز في هذا الجانب، والذين زاولوا التفكير الاجتماعي والقانوني والنفسي، والإنساني بصفة عامة، يدركون أكثر من غيرهم مدى الإعجاز الموضوعي في هذا الكتاب أيضًا، مع تقدير العجز سلفًا عن بيان حقيقة هذا الإعجاز ومداه، والعجز عن تصويره بالأسلوب البشري).
[ ٨٨ ]
وقال النظام (^١) ومن تابعه من المعتزلة: الإعجازُ هو المنعُ عن معارضتِه، والصَّرْفَةُ عن التحدي بمثلِه في مناقضتِه، فعلى هذا لا يكون القرآن في حد ذاته معجزًا (^٢). فأشار الشيخ إلى رده ورد غيره مما هو غير مقبول في رأيه حيث قال: