الضمير في "مُعجِزِهِ" للقرآن أو للموصول (^٢)، و"الانتصار"، مجرور معطوف على "مُعجِزِهِ"، وهو أظهر من قول الشارح: ("تأليفُ مُعجِزِهِ"؛ مرفوع على الابتداء، و"الانتصار"؛ معطوف عليه) (^٣).
ثم قوله: "قد أوضحا" بألف التثنية على أنه يرجع الضمير إلى المعجز والانتصار كما صرح به الجعبري (^٤)، وفي بعض النسخ: قد أوضح؛ بصيغة الإفراد على أن المراد كل واحد منهما أو يرجع الضمير إلى التأليف المشتمل على الكتابين، و"الغُرَر"؛ بضم أوله جمع غرة والمراد بها: الأدلة الواضحة، والأوجه اللائحة.
والمعنى: أن لِلهِ خيرَ الشخص الذي ألَّف كتابًا في إعجاز القرآن وبين فيه وجوهَ إعجازِ صنائعِهِ (^٥)، (وما اشتمل على أنواع بدائعه، وصنف كتابًا آخرَ فيه
_________________
(١) أي: باتفاق القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق والقائلين بعدم جوازه.
(٢) فعلى أنه للقرآن يكون المعنى إعجاز القرآن، وعلى أنه للموصول يكون المعنى إعجاز الباقلاني، أي: كتابه إعجاز القرآن والإضافة بهذه الصورة جائزة كما هو معلوم لأنه (قد يضاف الشيء إلى الشيء بأدنى ملابسة) كما قال الجعبري في شرح هذا البيت صـ ١٥٣.
(٣) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٤٥).
(٤) انظر: الجميلة صـ ٣٥.
(٥) سبق التعليق على إطلاق هذه الكلمة على القرآن في شرح البيت (١٥) وما إخال الباعث للمؤلف عليها إلا وَلَعُهُ بالسجع، والقرآن من أمر الله، وأمرُهُ قسيمُ خلقه كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢].
[ ٩٥ ]
الانتصار للمقول المختار المتضمن لأجوبة شبهة الملحدين وتشكيك المارقين من الدين والمراد به القاضي أبو بكر الأشعري (^١)، وللشيخ عبد القاهر النحوي الجرجاني (^٢) في هذا المعنى كتاب دلائل الإعجاز خاص وكتاب أسرار البلاغة عام، وللإمام فخر الدين الرازي (^٣) كتاب نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز عام) (^٤) وقد صنف الجعبري الترصيع في علم البديع، فمن أراد معرفة البلاغة، يرى في هذه الكتب بلاغه (^٥)، وحاصل المرام، من هذ الكلام، في هذا المقام، أن من أراد أن كل واحد من الأوجه المذكورة معجز فليس كذلك (^٦)، لما سبق من بيان فساده هنالك، وإن أريد أن مجموع الأوجه هي المعجز فهو صحيح على ما ذكره الأشعري وغيره وهي ثلاثة أوجه:
_________________
(١) هو محمد بن الطيب بن محمد؛ ابن الباقلاني، مات في ذي القعدة سنة ٤٠٣. اهـ مختصرًا سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٩٠.
(٢) أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، شيخ العربية، توفي سنة ٤٧١. اهـ مختصرًا من سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٣٢.
(٣) هو محمد بن عمر بن الحسين القرشي البكري، مات سنة ٦٠٦. اهـ مختصرًا من سير أعلام النبلاء ٢١/ ٥٠٠.
(٤) ما بين القوسين منقول بمعناه وأكثر ألفاظه من الجميلة صـ ٣٦.
(٥) البلاغة: هي العلم المعروف، وبلاغه: أي: ما يتبلغ به ويكفيه.
(٦) بل هو كذلك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب النبوات صـ ١٦٤: (فلفظه آية ونظمه آية وإخباره بالغيوب آية وأمره ونهيه آية ووعده ووعيده آية وجلاله وعظمته وسلطانه على القلوب آية وإذا ترجم بغير العربي كانت معانيه آية) وقال أيضًا في الجواب الصحيح ٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩: (وكون القرآن معجزة، ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم عن معارضته فقط، بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨]).
[ ٩٦ ]
أحدها: الإخبار عن الغيوب الواقعة في الحال والاستقبال.
والثاني: النظم البديع، والأسلوب المنيع، الغاية في الفصاحة، والنهاية في البلاغة.
والثالث: أن مُتَحَدِّيهِ كان أمِّيًّا معلومَ الحال في عدم الاشتغال برواية الأقاصيص والأخبار، وقد أتى بعظيمات الأمور، ومهمات الدهور، من زمن آدم، إلى ختم العالم.
وزاد بعضهم وجها رابعًا، وطريقًا رابعًا (^١): وهو أنه يزداد بإكثار تكراره حلاوة وفي التأمل في آثاره طراوة كما أشار إليه الشيخ الناظم في لاميَّتِه بقوله:
وترداده يزداد فيه تجملا (^٢)
ويؤيده ما قال بعضهم: إن معنى القرآن معجز بحسب المعنى، كما أنه معجز بحسب المبنى، لأن الاطلاع عليه خارج عن طوق البشر كما نقل أن تفسير الفاتحة أَوْقارٌ من العلم، فأنَّى للبشر الغوصُ على لآليه، والإحاطةُ بكُنْهِ ما فيه، هذا ولم يظهر وجه إيراد هذه المسألة، في أثناء بيان الرسوم المجملة والمفصلة (^٣)، اللهم إلا أن يقال: هذا توطئة لإبطال مسيلمة الكذاب (^٤)،
_________________
(١) قال لسان العرب ٨/ ١٠٤: (وربيع رابع؛ مخصب؛ على المبالغة)، وقال في ٨/ ١٠٨: (ورباعة الرجل؛ شأنه وحاله التي هو رابع عليها، أي: ثابت مقيم) ولا يبعد أن يكون مراد المؤلف بقوله وطريقا رابعًا أحد هذين المعنيين وإلا كان كالتكرار لقوله وجهًا رابعًا.
(٢) البيت رقم (١١) من الحرز وصدره: وخير جليس لا يمل حديثه.
(٣) ولكنه ظهر لبعض العلماء قال محمد طاهر الكردي المكي الخطاط في كتابه تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه صـ ٦: (ولقد صدق من قال: كما أن القرآن معجز في ذاته فخَطُّهُ معجز أيضًا وإلى هذا المعنى أشار العلامة الشيخ محمد العاقب بن مايأبا الشنقيطي دفين فاس -﵀- بقوله: والخط فيه معجز للناس … وحائد عن مقتضى القياس لا تهتدي لسره الفحول … ولا تحوم حوله العقول قد خصه الله بتلك المَنْزِلة … دون جميع الكتب المُنَزَّلة ليظهر الإعجاز في المرسوم … منه كما في لفظه المنظوم)
(٤) ابن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، ولد ونشأ باليمامة وتلقب في الجاهلية بالرحمن، قَدمَ على النبي -ﷺ- مع وفد قومه إلا أنه تخلف، فأسلم الوفد وذكروا للنبي مكانه فأمر له بمثل ما أمر لهم، فلما رجعوا ادعى النبوة وكتب للنبي بذلك في آخر سنة ١٠ وتوفي -ﷺ- قبل القضاء على فتنته فلما ولي أبو بكر أرسل له خالد بن الوليد فقاتله واستشهد من المسلمين ١٢٠٠ رجل منهم ٤٥٠ صحابيًّا ثم انتصر المسلمون وقُتِل مسيلمة سنة ١٢، ولهشام الكلبي النسابة (كتاب مسيلمة) اهـ مختصرًا من الأعلام للزركلي (٧/ ٢٢٦).
[ ٩٧ ]
في دعواه المعارضة لهذا الكتاب، بمزخرفات واضحة لأولي الألباب، كما سيأتي توضيح بيانه (^١)، وبطلان برهانه، وخسران شأنه.