"اليمامة"؛ جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام وبلاد الجو (^٤) منسوب إليها سميت باسمها؛ وهي أكثر نخيلًا من سائر الحجاز، وبها
_________________
(١) رواه البخاري ك: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣٢٢٠) وفي ك: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٣٦٢٤) وفي ك: الاستئذان، باب: من ناجى بين يدي الناس ومن لم يخبر بسر صاحبه (٦٢٨٥). ومسلم ك: الفضائل، باب: كان النبي أجود الناس بالخير من الريح المرسلة (٢٣٠٨) وفي ك: فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي (٢٤٥٠).
(٢) الشاطبي في هذا البيت.
(٣) رواه البخاري ك: فضائل القرآن، باب: كان جبريل يعرض القرآن على النبي (٤٩٩٨) ورواه غيره.
(٤) (واحد الجواء، وهو ما اتسع من الأودية لغة، … وهو يتعين بالإضافة، وكان قبلُ عَلَمًا على اليمامة في عهد طسم وجديس، وإنما غلبت عليها هذه التسمية "اليمامة" بعد قصة اليمامة "الزرقاء"). اهـ مختصرًا من معجم اليمامة لعبد الله بن خميس (١/ ٢٦٠ - ٢٦١).
[ ٩٩ ]
تنبأ مسيلمة الكذاب، وهم دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ستة عشر مرحلة من البصرة وعن الكوفة نحوها، وقوله: "أهواها"؛ مِنْ هَوَى يَهْوِي؛ سقط، وفي نسخة: أرداها؛ من ردى بمعنى تردى؛ أي: أغواها وأهلكها، والمراد بها أهلها، والظرفان له (^١).
وهذا البيت توطئة لسبب جمع القرآن، ورسم الفرقان، وهذا الكذاب الذي ادعى النبوة كان موجودًا في زمنه -ﷺ- لكن اشتهر أمره في زمن الصديق، وظهر خبره على يد صاحب التحقيق، وكان كَتَبَ إلى رسول الله -ﷺ-: (من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله -ﷺ-، سلام عليك، فإني قد أشركت في الأمر معك؛ بأن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا يعتدون علينا) وكتب النبي -ﷺ-: (من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) (^٢) فلما وصل الكتاب، إلى الكذاب، كتمه عن أهل الخطاب، وقال -لغباوته-: وصل إليّ كتاب رسول الله -ﷺ- بالشركة معه وزوَّرَ كتابًا فقرأه عليهم فكذبه ثمامة بن مالك بقوله:
مسيلمةُ ارجعْ ولا تَمْحُكْ … فإنك في الأمر لم تُشْرَكْ
كذبت على الله في وَحْيِهِ … هواك هوى الأحمق الأَنْوَكْ
فما في السما لك من مصعد … ولا لك في الأرض من مَبْرَكْ (^٣)
_________________
(١) الظرف الأول: في زمن الصديق، والظرف الثاني: إذ. والضمير "له" يعود إلى "أهواها".
(٢) انظر: سيرة ابن هشام. فصل: كتاب مسيلمة إلى رسول الله -ﷺ- والجواب عنه (٤/ ١٨٣). والبداية والنهاية (٥/ ٥٩).
(٣) الأبيات ذكرها مطهر بن طاهر المقدسي في البدء والتاريخ ٥/ ١٦٠، وعزاه لثمامة بن مالك، ولم أجد ترجمة لثمامة بن مالك هذا، والمؤلف نقله هكذا معزوًّا إليه من الوسيلة صـ ٥٣، والمعروف ثمامة بن أثال بن النعمان بن مسلمة بن عتبة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة الحنفي أبو أمامة اليمامي كما نَسَبَهُ في الإصابة ١/ ٢٠٣ ترجمة (٩٦١)، وليس في نسبه "مالك" كما ترى، وقد عزا هذه الأبيات إلى ثمامة بن أثال كلٌّ من سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي الحميري في الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله -ﷺ- والثلاثة الخلفاء (٢/ ١١٨)، وحسين بن محمد بن الحسن الدِّياربَكْري في تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس (٢/ ٢١٠)، والشيخ محمد بن عبد الوهاب في (مختصر سيرة الرسول -ﷺ- صـ ٢٨٠).
[ ١٠٠ ]
وكان يرسل الجواسيس إلى رسول الله -ﷺ- فينقلون إليه ما سمعوا من القرآن المنزل عليه فيقرأ على رهطه ويقول نزل إليّ هذا القرآن بمثله، ولما ذكر الرحمن؛ سمى نفسه رحمان، فلما تواتر القرآن عنه -ﷺ- واشتهر؛ بطلت دعوته فأنشأ كلامًا من عنده، وأوهمه قرآنا في زعمه، فجاء بألفاظ ركيكة تنافر عنه الطباع، وتمج منه السماع، كقوله: والزارعات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والطاحنات طحنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، يا ضفدع بنت ضفدعين، إلى كم تنقنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين (^١) وهو مسروق الأسلوب (^٢).
وكان يعرف أنواعًا من السحر، ويجعل البيض في القوارير، ويصل جناح الطائر، وكان دميم الخلقة، أصبغ أخينس، بعكس نعت رسول الله -ﷺ-، ثم إنه قدم المدينة مع وفد بني حنيفة إلى رسول الله -ﷺ- فبلغ النبي -ﷺ- أنه يقول: (لو جَعَل إليَّ الأمر من بعده لاتَّبَعْتُهُ) فقال له: (لو سألتني هذه الشظية ما أعطيتك ولا أراك إلا الذي رأيته في المنام) (^٣) وكان -ﷺ- قد قال قبلُ: (رأيت كأن في يديَّ سوارين من ذهب فنفختهما فطارا) (^٤) فأولت ذلك بكذابين يكونان من بعدي، فالمراد بأحدهما مسيلمة، وبالآخر المختار (^٥)، على ما ذكره الخيار،
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (٥/ ٥٢) و(٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦).
(٢) كذا في جميع النسخ التسع، إلا أن في (س) مكتوب بخط صغير تحت هذه العبارة "أي هذا الكلام".
(٣) الحديث روي بألفاظ متعددة فرواه البخاري بلفظ (لو سألتني هذه القطعة ..) و(هذا القضيب ..) ك: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٣٦٢١) وفي ك: المغازي، باب: وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال (٤٣٧٤) في ك: المغازي، باب قصة الأسود العنسي (٤٣٧٩) وفي ك: التوحيد، باب: قول الله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن) (٧٤٦١) ومسلم بلفظ (لو سألتني هذه القطعة ..) ك: الرؤيا، باب: رؤيا النبي (٢٢٧٣).
(٤) رواه البخاري ك: التعبير، باب: إذا طار الشيء في المنام (٧٠٣٤) وانظر في البخاري أيضًا الأحاديث (٣٦٢١) و(٤٣٧٤) و(٤٣٧٩) وقد مرت في الحديث السابق. ومسلم ك: الرؤيا، باب: رؤيا النبي (٢٢٧٤) وانظر في مسلم (٢٢٧٣) وقد مر، وغيرهما.
(٥) ابن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، وأخباره غير مرضية حكاها عنه ثقات مثل الشعبي، وكان قد طلب الإمارة وغلب على الكوفة حتى قتله مصعب بن الزبير بالكوفة سنة ٦٧ وكانت إمارته ١٦ شهرًا، وقد شهد عليه بدعوى النبوة والكذب الصريح جماعة من أهل البيت، وقال ابن حبان في ترجمة صفية بنت أبي عبيد في الثقات هي أخت المختار المتنبي بالعراق، وأقوى ما ورد في ذمه ما أخرجه مسلم عن أسماء بنت أبي بكر أن رسول الله قال يكون في ثقيف كذاب ومبير فشهدت أسماء أن الكذاب هو المختار المذكور، وقد قدم أبوه أبو عبيد من الطائف زمن عمر حين ندب الناس إلى العراق فخرج فاستشهد يوم الجسر وبقي ولده بالمدينة وتزوج ابن عمر صفية. اهـ من الإصابة ٣/ ٥١٨ - ٥١٩ ترجمة (٨٥٤٥).
[ ١٠١ ]
من أهل الأخبار.
هذا ولما كان في خلافة الصديق -﵁- استفحل أمره، واستقوى مكره فسيَّرَ إليه خالدَ بنَ الوليد وعظُم أمرُه، واقتتل المسلمون وبنو حنيفة قومُه قتالًا ما رأى المسلمون قبلَه مثلَه، وقُتِل من المسلمين ألفٌ ومائتان وجُرِح من بقي، وكان ممن قُتِل يومئذ زيد بن الخطاب (^١) فانهزم المسلمون فثار البراء بن مالك (^٢) فحمل على أصحاب مسيلمة فانكشفوا وتبعهم المسلمون حديقة (^٣)، فأغلقوا بابها، فحمل البراء درقته (^٤) على كدّته (^٥) وألقى عليهم شدته فضاربهم حتى فتح الباب للمسلمين فدخلوا وقتلوا مسيلمة وأصحابه فسميت حديقةَ الموت وهذا معنى قوله: