جمَعْتُ الأمرَ واجتمعت عليه بمعنى واحد؛ أي: عزمت، و"جَمْعَهُ"؛ مفعول به، أو مفعول مطلق، و"الصُّحْفِ": بضمتين، وخفف هنا؛ جمع صحيفة وهي الكتاب ومنه المصحف بتثليث الميم، و"العدلَ الرضا": صفتان لـ"زيد" على أنهما بمعنى اسم الفاعل، أو بتقدير مضاف أي: ذا العدل والرضا، أو على وقوع المصدر موقع الصفة كأنه عَيْنُهُ، أو على سبيل المبالغة في قصد الكثرة؛ يقال: رجل عَدْلٌ وصَوْمٌ أي: كثير العدلِ والصومِ، و"زيدَ": مفعولُ "اعتَمَدُوا" على نزع الخافض أي: عليه، كما قال الشارح (^١)، أو بتضمين اعتبروا، و"نَظَرا": تمييز أي: المرضي النظر.
والمعنى: أن عمر راجع أبا بكر بحضور الصحابة حتى أجمعوا على رأي عمر فراجعوا زيدَ بن ثابت (^٢) حتى رأى رأيهم وعزموا على جمع المتفرقات مما في أيديهم في الرقاع وغيرها في صحيفة جامعة، وأمروا زيد بن ثابت الأنصاري بجمعه لكمال ديانته، وجمال عدالته، ومهارته في قراءته، وحذاقته في كتابته، وأنه أشهرُ كتبة الوحي في وقته، وأظهرُ من جمَع بين العلم وحُسْنِ سيرتِه، حتى (أمسك له ابن عباس بِرِكابه، تعظيمًا لجنابه، وقال هكذا نصنع بالعلماء) (^٣)، وحين دُلِّيَ زيدٌ في قبره وانتقل من دار الفناء إلى دار البقاء قال ابن عباس: (من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فليعلم أنه بذهاب مثل هذا من العلماء (^٤)، وكان زيد ممن جمع القرآن بالتمام، في عهده -﵇- (^٥)، وقرأ عليه بعد
_________________
(١) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٥٩).
(٢) ابن الضحاك الأنصاري الخزرجي المقرئ الفرضي كاتب النبي -ﷺ- وأمينه على الوحي، كان شابًّا ذكيًّا ثقفًا جمع القرآن على عهد رسول الله -ﷺ- وجمعه في صحف لأبي بكر -﵁- ثم تولى كتابة مصحف عثمان -﵁- الذي بعث به عثمان نسخًا إلى الأمصار، توفي سنة ٤٥. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٣٦ ترجمة (٥)، وانظر: الإصابة ١/ ٥٦١ ترجمة (٢٨٨٠).
(٣) ذكره ابن حجر في الإصابة ترجمة ابن عباس -﵄- (٢/ ٣٣٢).
(٤) رواه الدارمي بلفظ (هل تدرون ما ذهاب العلم …) في المقدمة، باب: في ذهاب العلم (٢٤٣).
(٥) انظر: البخاري مع الفتح ك: مناقب الأنصار (٧/ ١٢٧)، ومعرفة القراء الكبار للذهبي صـ ١٧.
[ ١٠٤ ]
العرضتين الأخيرتين ومن فطانته الزكية، تعلم السريانية، في سبع عشرة ليلة بالإشارة النبوية (^١).
وقد ذكر الشارح السخاوي (^٢) بإسناده الثابت المتصل (^٣) إلى زيد بن ثابت أنه قال: (أرسل إليّ أبو بكر مَقْتَلَ اليمامة -وكان عنده عمر- فقال: إن هذا قد أتاني وقال: إن القتل قد استَحَرَّ بالقراء، وإني أخشى أن يستمر القتل بالقراء في سائر المواطن فيذهب القرآن، وقد رأيت أن تجمعوه، فقلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -ﷺ-، فقال عمر: هو والله خيرٌ، ولم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدره ورأيت الذي رأى عمر، قال: ثم قال لي أبو بكر: وإنك شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله -ﷺ- فاكتبه، قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليّ منه، فقلت لهما كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله -ﷺ-، فقالا: هو والله خير، فلم يزالا يراجعاني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدورهما، ورأيت فيه الذي رأيا، فكتبت القرآن من الصحف والعسب -أي: صدور جريد النخل- واللخاف -أي: الحجارة الرقاق- ومن صدور الرجال حتى فقدت آية كنت أسمع رسول الله -ﷺ- يقرأ بها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت (^٤) فأثبتها في
_________________
(١) يأتي تخريجه في شرح البيت (٤٦).
(٢) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٥٥ - ٥٨).
(٣) قال السخاوي: (حدثني أبو المظفر بن فيروز -﵀- بالسند الذي قدمته إلى أبي بكر عبدالله بن داود، ثنا عمرو بن علي بن بحر، ثنا أبو داود، ثنا إبراهيم بن سعد، ثنا الزهري، أخبرني عبيد بن السباق ..) وذكر الخبر عن زيد.
(٤) ابن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري، من السابقين الأولين شهد بدرًا وما بعدها وقيل أول مشاهده أُحُدٌ، وكان يكسر أصنام بني خطمة، وكانت راية خطمة بيده يوم الفتح، وفي البخاري أن النبي جعل شهادته بشهادتين، استشهد بصفِّين، وكان كافًّا سلاحه حتى قتل عمار بصفِّين فسل سيفه، وقاتل حتى قتل. اهـ من الإصابة ١/ ٤٢٥ ترجمة رقم (٢٢٥١).
[ ١٠٥ ]
سورتها) (^١). وبسنده أيضًا إلى علي كرم الله وجهه أنه قال: (رحم الله أبا بكر هو أول من جمع القرآن بين اللوحين) (^٢) انتهى، ويروي عن علي أيضًا أنه قال: (إن أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر) (^٣).
ومعنى قول عمر: (خشيت أن يذهب القرآن) مع علمه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أنه كان مكتوبًا متفرقًا فيذهب البعض بذهاب البعض فلم يعلم كيف كان وضع كتابته، لا لفظُه وأداءُ قراءتِهِ، أو خاف أن ينقطع تواتره في بعض الأوقات أو في الأطراف، أو خاف من التحريف والخلاف (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري في ك: تفسير القرآن، باب: قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وفي ك: فضائل القرآن، باب: جمع القرآن (٤٩٨٦) وباب: كاتب النبي (٤٩٨٩) وفي ك: الأحكام، باب: يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلًا (٧١٩١) وفي ك: التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم (٧٤٢٥). ورواه غيره.
(٢) رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٢٣٠، ٣٥٤) رقم ٢٨٠ و٥١٤ وقال محققه: (إسناده حسن … وأخرجه ابن سعد ٣/ ١٩٣ وابن أبي داود في المصاحف صـ ١١ - ١٢ من طرق، وأبو عبيد في فضائل القرآن صـ ٢١٣ رقم ٥٣٧ وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح ٩/ ١٢ والسيوطي في الإتقان ١/ ١٦٥ وذكره ابن كثير في فضائل القرآن: وقال هذا إسناد صحيح). ورواه الداني في المقنع صـ ٢ عن عبد خير من قوله، وابن جرير في تفسيره (١/ ٦٣).
(٣) رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٣٥٤) رقم ٥١٣ وقال محققه: (إسناده حسن … وذكره ابن كثير في فضائل القرآن عن جماعة عن الثوري بهذا اللفظ وصحح إسناده) ورواه ابن أبي داود في المصاحف صـ ١١، ١٢ من طرق.
(٤) بل الذي يظهر والله أعلم أنه من باب قوله -ﷺ- يوم بدر: "اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم" رواه البخاري (٤٨٧٥) عن ابن عباس، وقوله يوم أحد "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض" رواه مسلم (١٧٤٣) عن أنس، وقوله يوم بدر "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" رواه مسلم (١٧٦٣) عن عمر؛ مع علمه -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧]، وقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥]، وكلها مكية، وعمدًا تركت ذكر بعض الآيات الصريحة في التمكين لهذا الدين كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣ والفتح: ٢٨ والصف: ٩]؛ لكون أكثرِها نزلت بعد بدر، والحاصل أن علمنا بحكم الله القدري في أمر معين لا يعفينا من إقامة حكمه الشرعي فيه، ونظائر هذا في سيرته وهديه -ﷺ- كثير، ومن هنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة العبودية صـ ١٠ - ١١ (وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية والحقائق الكونية، وهذا مقام عظيم غلط فيه الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين التحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيهم إلا الله، وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر -﵀- فيما ذكر عنه؛ فبين أن كثيرًا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسك إلا أنا فإنه انفتحت لي فيه رَوْزَنَةٌ فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعًا للقدر لا من يكون موافقًا للقدر، والذي ذكره الشيخ -﵀- هو الذي أمر الله به ورسوله)، فَعِلْمُ عمر بِتَكَفُّلِ الله بحفظ كتابه لا يعفيه من عمل ما في وسعه لإقرار هذا القدر الماضي به أو بغيره. والله أعلم.
[ ١٠٦ ]