"الحَزْم"؛ بالحاء المهملة والزاي؛ هو الضبط، وفي نسخة: العزم بمعنى الاهتمام التام، وأَلِفُ "بَهَرا" للإطلاق، والضمير (^١) لكلٍّ من المذكورات (^٢)، ويقال: بهره: إذا غلبه وقهره.
والمعنى: "فقام" زيد بن ثابت بتوفيق الله وإعانته، وَفْقَ إرادته، وشرَع فيما أُمِرَ بكتابته، حال كونه يجمع القرآن على وجه النصيحة في الدين وطريق الجد كما هو شأن المجتهدين والاحتياط في أمر اليقين الذي غلب غيره في هذا التعيين فجمعه من صدور الرجال والرقاع ونحوهما من المَحَالِّ حتى قال: (فقدت آيةً كنت أسمعها من رسول الله -ﷺ- فما وجدتها إلا عند رجل من الأنصار وهي ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]) (^٣).
_________________
(١) أي: ضمير الفاعل المستتر في بهرا.
(٢) وهي النصح والجد والحزم.
(٣) رواه البخاري ك: الجهاد والسير، باب: قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا﴾ (٢٨٠٧) وفي ك: المغازي، باب: غزوة أحد (٤٠٤٩) وفي ك: تفسير القرآن، باب: "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا" (٤٧٨٤) وفي ك: فضائل القرآن، باب: جمع القرآن (٤٩٨٨). ورواه غيره.
[ ١٠٧ ]
فإن قيل: كان زيدٌ حافظَ القرآنِ، وكاتبَ وحيِ الفرقانِ، فما وجهُ تَتَبُّعِهِ في هذا الشأن، وكيف يحصل التواتر في شيء يوجد عند واحد من الأقران (^١)؟.
قلت: لما كان المكتوبُ المتفرقُ كلُّه أو أكثرُه كتب بين يدي رسول -ﷺ- (^٢) أراد الاستظهار، ليكون أثبتَ في مقام الاستقرار، وليضع الخط على وَفْقِ الرسم الأصلي (^٣) والعلم الحاصل من موضعين أتم مما يحصل من موضع واحد.
ومعنى "فقدتُ": لم أرها مكتوبةً، ومعنى"لم أجدها إلا عند رجل" أي: مثبوتة، وهذا لا ينافي التواتر لأن مداره على كثرة الحفاظ من النقلة، لا على الكتابة المنقولة، وعليه يحمل قوله أيضًا: "فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة" بمعنى: الصحيفة التي فيها الآية فإنها إذا كانت مما كتب بين يدي رسول الله -ﷺ- فلا بد من النظر فيها وإن كان حافظًا ليتذكرها بذلك، ويستظهرها بما هنالك، وليعلم هل فيها قراءة غير قراءته أم لا؟ وكذلك إذا كانت الصحف مما لا يُعْلَمُ أَمْرُها وتَوَقُّفُ كتابتِها، بأن لم تكن كتبت بين يدي رسول الله -ﷺ- (^٤)، ومما يدل على أنهم كانوا يكتبون لرسول الله -ﷺ- من نحو ذلك ما رُوِيَ أن النبي -ﷺ- لما أنزل الله عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] قال عبدالله (^٥) بن جحش (^٦) وابن أم مكتوم: (إنا أعميان
_________________
(١) انظر كلام ابن حجر. فتح الباري (٨/ ٦٣١) عند حديث ٤٩٨٦.
(٢) وهذا يدل على أن المؤلف يرى توقيف الرسم بأن كتب بين يديه -ﷺ-.
(٣) وهذا دليل ثان على التوقيف.
(٤) وهذا يدل على أن المؤلف يرى توقيف الرسم بأن كتب بين يديه -ﷺ-.
(٥) كذا في (بر ٣)، وهو الصواب خلافًا لما في باقي النسخ التسع "ابن عبد الله بن جحش".
(٦) قال ابن حجر في الإصابة (٢/ ٢٨٧) ترجمة رقم (٤٥٨٤): (جاء ذكره في حديث ضعيف ووصف بكونه أعمى، وليس الذي قبله أعمى، فذكر الكلبي في تفسيره عن أبي صالح عن ابن عباس أنه نزل فيه وفي ابن أم مكتوم لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر، والذي في الصحيح أنها نزلت في ابن أم مكتوم، وقد نقله الثعلبي عن ابن الكلبي فقال: لما ذكر الله فضيلة المجاهدين جاء عبد الله بن أم مكتوم وعبد الله بن جحش وليس بالأسدي وكانا أعميين فقالا: حالانا على ما ترى فهل من رخصة فنزلت).
[ ١٠٨ ]
يا رسول الله فهل لنا رخصة) فأنزل الله تعالى ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فقال -ﷺ-: (ائتوني بالكتف والدواة) فألحقها زيد بأمر رسول الله -ﷺ- قال زيد: (فكأني أنظر إلى موضعها عند صدع في الكتف) (^١).
وأما ما سبق في قولهم: إنه -ﷺ- لم يأمرنا بجمعها فمحمول على جمعها في كتاب واحد من المتفرقات فلا ينافي قوله -ﷺ-: (لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن) (^٢) والله تعالى أعلم.