في أكثر النسخ ضبط "خَصَّ" بالخاء المعجمة والصاد المهملة بصيغة الفاعل، وفي نسخة بصيغة المفعول ورفع "زيدا"، إلا أنه لا يصح لوقوع نصب نفرا بلا خلاف، وفي نسخة صحيحة: وحض، بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة واقتصر عليه الشارح (^٣) وقال: معناه حضه وحثه، والضمير في "قريشه" عائد إلى عثمان وفي "به" إلى القرآن (^٤).
والحاصل أن عثمان -﵁- (لما عزم على ما أشار إليه حذيفة وأجمع بَقِيَّةُ المسلمين عليه بعث إلى حفصة أن أرسلي إليَّ بالصحف لننسخها في المصاحف (^٥) ثم نردها عليك فأرسلت بها إليه فجمع زيد بن ثابت ونفرًا من
_________________
(١) قصة غزو حذيفة في أرمينية وأذربيجان ومشاهدته اختلاف الناس في القرآن رواها البخاري في ك: فضائل القرآن، باب جمع القرآن ٨/ ١١ رقم (٤٩٨٨).
(٢) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف صـ ٣٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٢، وصحَّح إسنادَه ابنُ حجر في الفتح ٩/ ١٨، والقسطلاني في لطائف الإشارات ١/ ٦١، والسيوطي في الإتقان ١/ ٧٩.
(٣) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٦٧).
(٤) الذي يظهر أن الضمير في "به" عائد إلى لسان قريش؛ لا إلى القرآن كما قال الشارح، والضمير في إنزاله عائد إلى القرآن فيكون المعنى: على الرسول بلسان قريش إنزال القرآن انتشر.
(٥) قال في الفتح ٩/ ١٨: (والفرق بين الصحف والمصحف أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سورًا مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا، وقد جاء عن عثمان أنه إنما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة).
[ ١١٣ ]
قريش وهم عبد الله بن الزبير (^١) وسعيد بن العاص (^٢) وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام (^٣) وأُبَيُّ بن كعب (^٤) وأمرهم بكتابة القرآن في المصاحف المتعددة ثم قال: مهما اختلفتم أنتم وزيد في شيء فاكتبوه على طبق لسان قريش ووَفْقِ
_________________
(١) ابن العوام ابن خويلد القرشي الأسدي، عفيف الإسلام، قارئ القرآن، أبوه حواري رسول الله، وأمه بنت الصديق، وجدَّتُهُ صفية عمة رسول الله، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد، وحفظ عن النبي وهو صغير، وحدث عنه بجملة من الحديث، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وهو أحد الشجعان من الصحابة، بويع بالخلافة سنة ٦٤ عقب موت يزيد بن معاوية، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة، حَنَّكَهُ النبي وسماه، وله مبايعة وهو ابن سبع أو ثمان، كان إذا قام للصلاة كأنه عمود، ثم اعتزل حروب علي ومعاوية ثم بايع لمعاوية، قتل في جمادى الأولى سنة ٧٣. اهـ مختصرًا من الإصابة ٢/ ٣٠٩ ترجمة (٤٦٨٢) والغاية ١/ ٤١٩ ترجمة (١٧٧١).
(٢) ابن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي أبو عثمان، كان له يوم مات النبي ٩ سنين، وكان من فصحاء قريش ولهذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة القرآن، ولي الكوفة وغزا طبرستان ففتحها وغزا جرجان وكان في عسكره حذيفة وغيره من كبار الصحابة، وولي المدينة لمعاوية، وكان مشهورًا بالكرم والبر، حليمًا وقورًا، وحج بالناس في سنة ٤٩ أو سنة ٥٢ ولبث بعدها، مات سنة ٥٣. اهـ مختصرًا من الإصابة ٢/ ٤٧ ترجمة رقم (٣٢٦٨).
(٣) ابن المغيرة بن عبد الله القرشي المخزومي، يكنى أبا محمد، كان من أشراف قريش، وتزوج عمر أمه بعد موت أبيه في طاعون عمواس سنة ١٨ فنشأ في حجر عمر، وتزوج بنت عثمان، ثم كان ممن ندبه عثمان لكتابة المصاحف من شباب قريش، قال ابن حبان: ولد في زمن النبي ولم يسمع منه، وذكره البغوي والطبراني؛ في الصحابة، والبخاري وأبو حاتم الرازي؛ في التابعين، مات سنة ٤٣. اهـ مختصرًا من الإصابة ج: ٣/ ٦٦ ترجمة رقم (٦١٩٩).
(٤) ابن قيس، أبو المنذر الأنصاري -﵁- أقرأُ الأمةِ وسيد القراء، عرض القرآن على النبي -ﷺ-، وقال له: "إني أمرت أن أقرأ عليك" وفي لفظ "أن أقرئك القرآن" قال: الله سماني لك قال: "نعم" فبكى أُبَيٌّ، وقال -ﷺ-: "وأقرؤهم لكتاب الله أُبَيُّ بن كعب"، وقال: "استقرؤوا القرآن من أربعة عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأُبَيُّ بن كعب" وقال له: "ليهنك العلم أبا المنذر"، أخذ عنه القراءة ابن عباس وأبو هريرة وأبو عبد الرحمن السلمي، شهد بدرًا والمشاهد كلها، ومناقبه كثيرة، وكان يختم القرآن في ثمان، إسناده صحيح، واختلف في وقت وفاته؛ فقيل: سنة ١٩ سنة، وقيل: ٢٠، وقيل: ٢٢، وقيل: ٣٠، قال أبو نعيم: وهو الصحيح؛ لأن زر بن حبيش لقيه في خلافة عثمان؛ وقال الواقديّ: وهو أثبت الأقاويل، وقال ابن عبد البر: والأكثر أنه مات في خلافة عمر، وروى البخاريّ في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: قلت لأُبَيّ لما وقع الناس في أمر عثمان … فذكر القصة. وروى البغويّ عن الحسن في قصة له أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة). فالله أعلم. اهـ مختصرا من معرفة القراء الكبار ١/ ٢٨ ترجمة رقم (٣) وانظر: الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ١٨١ - ١٨٢) ترجمة رقم (٣٢) وأسد الغابة (١/ ١٦٨).
[ ١١٤ ]
بيانهم فإن القرآن غالبًا نزل بلسانهم، فاختلفوا في كتابة ﴿التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨] فقال زيد: اكتبوا: التابوه؛ بالهاء، وقال الآخرون: التابوت؛ بالتاء المجرورة، فراجعوا عثمان فقال: اكتبوه بالتاء فإنه نزل بلسان قريش) (^١) -أي: في الوقف (^٢) - أوَّلًا ثم نزل بسائر اللغات (^٣).
(وسألوا عثمان عن قوله: "لم يتسنَّ" فقال: اجعلوا فيها الهاء)، ورُوِي (أنه أرسل إلى أُبَيٍّ يسأله عنها، وعن قوله "لا تبديل لِلْخَلْق"، وعن قوله "فأمهل الكافرين" وبعث ذلك إليه في مكتوب فمحا أُبَيٌّ إحدى اللامين وكتب: ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، ومحا الألف من: "فأمهل الكافرين"، وكتب: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧]، وكتب: ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] بإلحاق الهاء فيه) (^٤).
فإن قيل: لم أضاف عثمانُ هؤلاء النفرَ إلى زيد ولم يفعل ذلك أبو بكر؟.
قلت: كان غرضُ الصديقِ جمعَ القرآنِ بجميع أحرفه ووجوهه التي نزل بها وذلك على لغة قريش وغيرها، وكان غرضُ عثمان في تجريد لغة قريش من بين الأحرف السبعة التي جمعها أبو بكر (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري ك: المناقب، باب: نزل القرآن بلسان قريش (٣٥٠٦) وفي ك: فضائل القرآن، باب: نزل القرآن بلسان قريش والعرب (٤٩٨٤) وانظر في البخاري حديث (٤٩٨٨) وليس في روايات الحديث ذكر أبي بن كعب فيهم، وقال الحافظ في الفتح ٩/ ١٨: (وعند ابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين قال: "جمع عثمان اثني عشر رجلا من قريش والأنصار منهم أُبَيّ بن كعب …، وكأن ابتداء الأمر كان لزيد وسعيد للمعنى المذكور فيهما في رواية مصعب، ثم احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي ترسل إلى الآفاق فأضافوا إلى زيد من ذكر ثم استظهروا بأُبَيّ بن كعب في الإملاء).
(٢) وذلك أن لسان قريش في التابوت في الوقف بالتاء المجرورة لا بالهاء.
(٣) يوضحه قوله الآتي قريبًا: (وبها أنزل عليه أوَّلًا ثم رخص أن يقرأ بغيرها ثانيًا).
(٤) انظر: الوسيلة صـ ٦٧ والجميلة صـ ٦٩.
(٥) هذا معنى ما في "المقنع" صـ ١٢٠ والإتقان النوع الثامن عشر: في جمعه وترتيبه (١/ ٧٩ - ٨٠).
[ ١١٥ ]
فإن قيل: فما قَصَدَ بإحضار تلك الصحف، وقد كان زيد ومن أضيف إليه حفظةَ القرآن؟
قلت: الغرض بذلك سدُّ بابِ المقالة؛ حتى لا يزعم أن في الصحف شيئًا لم يكتب، أو كتب ما لم يكن فيها، ويؤيده ما في صحيح البخاري عن ابن الزبير قلت لعثمان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ نسختها الأخرى فَلِمَ تكتبُها؟؛ أو تدعُها؟ (^١).
قال: (يا ابن أخي لا أغير شيئًا منه من مكانه) (^٢)، وفيه تسليم ظاهر من عثمان للنُّسَخِ، وإشارة إلى أن ترتيب الآي توقيفي (^٣).
وفي الكامل: (تقول العرب: صاعقة وصواعق، وهو لغة أهل الحجاز وبه نزل القرآن، وبنو تميم تقول: صاقعة (^٤) وصواقع) (^٥).
والحاصل: أنهم اختاروا لغة قريش لأنها أفصحُ اللغات وأيسرُها، وهي لغة النبي -ﷺ-، وبها أنزل عليه أوَّلًا، ثم رُخِّصَ أن يقرأ بغيرها ثانيًا، فأسقطوا عند الاختلاف ما سواها؛ إذ الأمة ما كلفت بحفظ الأحرف السبعة كلِّها؛ بل خيرت
_________________
(١) قال في الفتح ٨/ ١٩٤: (كذا في الأصول بصيغة الاستفهام الإنكاري كأنه قال: لم تكتبها وقد عرفت أنها منسوخة؟ أو قال: لم تدعها أي: تتركها مكتوبة؟ وهو شك من الراوي أيَّ اللفظين قال؟، ووقع في الرواية الآتية بعد بابين "فلم تكتبها؟ قال تدعها يا ابن أخي" وله من رواية أخرى قلت: تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير منها شيئًا عن مكانه"، وهذا السياق أولى من الذي قبله، وأو للتخيير لا للشك).
(٢) رواه البخاري ك: تفسير القرآن، باب: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن (٤٥٣٠) و(٤٥٣٦).
(٣) وهكذا قال ابن حجر في الفتح ٨/ ١٩٤.
(٤) كذا في نسخة (ل) و(س) و(ز ٨)، وفي (ز ٤) "وبنو تميم يقول صاقعة"، وفي (بر ١) "صاعقة"، وفي (ص) "وبنو تميم يقول صاعقة".
(٥) انظر: الكامل (٢/ ٨٤١) ولعل مراد المؤلف من إقحام هذا النص من الكامل؛ الاستشهاد بقوله: (وهو لغة أهل الحجاز وبه نزل القرآن).
[ ١١٦ ]
في أيِّها شاءت منها، هذا خلاصة ما في المقنع (^١)، لكن قال الجعبري: (مصحف عثمان مشتمل على السبعة التي اشتمل عليها مصحف أبي بكر احتمالًا) (^٢).
وحاصله والله أعلم: أنهم كتبوا الكلمات، على صور تحتمل القراءات، باللغات المختلفات، وما وقع فيه من المخالفة بين اللغات -بحيث لا يتصور الجمع بينها-؛ فاعتمدوا على لغة قريش؛ فإنه نزل بها غالب الآيات البينات، ومجمل الكلام، أن لا يكون القرآن مرسومًا على لغة غير قريش من قبائل الأنام، فلا يقدر أحد أن يقول: أقرأ وَفْقَ لساني من نحو أهل الشام، وأهل العراق ويرتفع الاختلاف فيما بين طوائف الإسلام، ويشير إليه قوله: