"يَهْوَى"؛ بفتح الياء والواو: أي: يحب ويرضى، وقوله: "فيَحْتَجِرا": جواب النفي، ولذا حُذِفَ نونُه، والفاء للسببية.
والمعنى: فَجَرَّدَ زيدٌ ومن معه القرآنَ كما كان يقصد كتابتَهُ عثمانُ، من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ، وبيانه أنه ليس في القرآن المكتوب شكلُ إعرابٍ، ولا نقطُ كتابٍ، فيمتنعا عن المطلوب من التصرف في وجوه القرآن، بل على وجهٍ يَحْتَمِلُ الكلماتُ وجوهَ الغيبِ والخطابِ والتذكيرِ والتأنيثِ والرفعِ والنصبِ والجرِّ والجزمِ وسائرَ الهيئاتِ (^٣)؛ فيمكن أن يقرأ هذا بالرفع وهذا بالجزم كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] (^٤)، وكذا الغيب
_________________
(١) المقنع صـ ١٢٠ - ١٢١ سبب اختلاف مرسوم المصاحف.
(٢) انظر: الجميلة صـ ٧٤.
(٣) أي: مما صحت به الرواية؛ إذ القراءة سنة متبعة كما تقدم، والأمثلة تبين أن هذا هو مرادُه.
(٤) قال في النشر ٢/ ٢٢١: (فقرأ نافع ويعقوب بفتح التاء وجزم اللام على النهي، وقرأ الباقون بضم التاء والرفع على الخبر).
[ ١١٧ ]
والخطاب في نحو: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ و﴿تَعْلَمُونَ﴾ (^١)، وكذا التذكير والتأنيث نحو: ﴿وَلَا يُقْبَلُ﴾ [البقرة: ٤٨] (^٢) وكذا النصب والرفع نحو: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] (^٣) وكذا الفتح والكسر نحو: ﴿وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] (^٤) وأمثال ذلك من احتمال الحركات الإعرابية والبنائية كما هي مفصلة في اللامية الشاطبية؛ ومن ذلك نحو: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧] و﴿يَقْضِ الْحَقَّ﴾ (^٥) ونحو: ﴿كَلِمَت﴾ بالجمع والمفرد (^٦)، و﴿مَالِكِ﴾ [الفاتحة: ٤] بالمد والقصر، ولا يبعد أن يكون معنى قوله "فجردوه": أي: جردوا المصحف المأمور بكتابته من القراءات المنسوخة والروايات الشاذة واللغات غير الفصيحة (^٧)، أو يحمل التجريد على المعنى الأعم والله أعلم.
_________________
(١) قال في النشر ٢/ ٢٦٩: (واختلفوا في ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]؛ فروى أبوبكر بالغيب، وقرأ الباقون بالخطاب)، وقال في (٢/ ٣٧٠): (واختلفوا في: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] فقرأ المدنيان، وابن عامر بالخطاب، وقرأ الباقون بالغيب).
(٢) قال في النشر ٢/ ٢١٢: (فقرأ ابن كثير والبصريان ﴿تُقْبَلُ﴾ بالتأنيث، وقرأ الباقون بالتذكير).
(٣) قال في النشر ٢/ ٣٧٢: (فقرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع).
(٤) قال في النشر ٢/ ٤٠٠: (واختلفوا في ﴿الْوَتْرِ﴾ فقرأ حمزة والكسائي وخلف بكسر الواو، وقرأ الباقون بفتحها).
(٥) قال في النشر ٢/ ٢٥٨: (فقرأ المدنيان وابن كثير وعاصم ﴿يَقُصُّ﴾؛ بالصاد مهملةً مشددةً من القصص، وقرأ الباقون بإسكان القاف وكسر الضاد معجمة من القضاء).
(٦) كقوله تعالى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا﴾ [الأنعام: ١١٥] و﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٣٣] و﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦] و﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٦] قال ابن الجزري في النشر ٢/ ٢٦٢ عند آية الأنعام: (هنا وفي يونس وغافر؛ فقرأ الكوفيون ويعقوب بغير ألف على التوحيد في الثلاثة، وافقهم ابن كثير وأبو عمرو في يونس وغافر، وقرأ الباقون بألف على الجمع فيهن).
(٧) في (بر ٣) "اللغات غير الفصيحة" كما أثبته خلافًا لباقي النسخ التسع "الغير فصيحة" ودخول "ال" على "غير" المضافة غير فصيح بل غير صحيح.
[ ١١٨ ]
(وأول ما أحدثه الناس النقط على الباء والتاء وقالوا: لا بأس به وهو نور له أي: ظهور له، ثم أحدثوا نقطًا ثلاثًا عند منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم كذا روى الأوزاعي (^١) أيضًا عن يحيى بن أبي كثير (^٢)، وقال: كان القرآن مجردًا في المصاحف) (^٣)، ونقل الأوزاعي أيضًا عن قتادة (^٤) أنه قال (بدأوا فنقطوا ثم خمَّسوا) (^٥).
وأما الشكل فقد جعلوه نقطًا بالحمرة، ثم أحدث الخليل (^٦) له هذه الصور لئلا يغلط العامة في قراءة الآيات والسور، ومن هنا كأنه قيل (^٧): (العلم نقطة كثَّرها الجاهلون) (^٨) أي: كان قليلًا يفهمه العاقلون فسبَّبَ كثرتَه الغافلون.
_________________
(١) عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي، شيخ الإسلام وإمام أهل الشام، كان إمامَ أهل زمانه ثقة مأمونًا صدوقًا فاضلًا خَيِّرًا كثير الحديث والعلم والفقه، مات في بيروت مرابطًا سنة ١٥٧. اهـ مختصرًا من سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٧.
(٢) يحيى بن أبي كثير واسمه صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، من أثبت الناس إنما يعد مع الزهري ويحيى بن سعيد، إمام لا يحدث إلا عن ثقة مات سنة ١٢٩. اهـ مختصرًا من طبقات الحفاظ ١/ ٥٨ ترجمة رقم (١١٣).
(٣) رواه أبو عمرو الداني في المحكم صـ ٢ بسنده عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير والمؤلف قدم فيه وأخّر، ولا يضر.
(٤) ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي البصري؛ الأعمى؛ المفسر أحد الأئمة في حروف القرآن وله اختيار، وكان يضرب بحفظه المثل، توفي سنة ١١٧. اهـ من الغاية ٢/ ٢٥ ترجمة (٢٦١١).
(٥) رواه أبو عمرو الداني في المحكم صـ ٢ بسنده عن الأوزاعي قال سمعت قتادة وذكره.
(٦) أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري؛ الإمام؛ صاحب العربية ومنشئ علم العروض أحد الأعلام، أخذ عنه سيبويه النحوَ؛ والنضرُ بن شميل والأصمعي وآخرون، وكان رأسا في لسان العرب ديِّنا ورعًا قانعًا متواضعًا متقشفًا متعبدًا كبير الشأن مفرط الذكاء، إذا أفاد إنسانًا شيئًا لم يُرِهِ بأنه أفاده، وإن استفاد من أحد شيئًا أراه بأنه استفاد منه، وثقه ابن حبان، ومات سنة ١٧٠ وقيل قبلها، وله كتاب العين في اللغة، ومات ولم يتممه ولا هذبه ولكن العلماء يغرفون من بحره. اهـ من سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٢٩ ترجمة رقم (١٦١).
(٧) كذا في جميع النسخ، ولعل صوابها: وكأنه من هنا قيل.
(٨) عزاه الصنعاني في سبل السلام ٤/ ١٧٨ باب الزهد والورع، وفي إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (١/ ١٨٢) إلى علي -﵁-.
[ ١١٩ ]
قال المبرِّد (^١): (والشكل الذي في الكتب من عمل الخليل، وهو مأخوذ من صور الحروف الضم واو صغيرة وضعها في أعلى الحروف لئلا يلتبس بالواو المكتوبة، والكسرة ياء صغيرة تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوق الحرف) (^٢).
وقيل: (أول من أعرب المصحف بالنقطة يحيى بن يَعمَر وقيل: نصر (^٣) بن عاصم الليثي (^٤) وقيل: أبو الأسود (^٥) (^٦).
وقال أبو عمرو الداني: (يجوز أن يكون يحيى بن يَعمَر ونصرُ بن عاصم أولَ من نقطها، وأخذا ذلك من أبي الأسود إذ كان السابقَ إلى ذلك، والمبتدئَ به فيما هنالك، فأبُو الأسود أول من نقط الحركات والتنوين، وأما الهمزة والتشديد والروم والإشمام فللخليل (^٧).
وذلك بأن زياد ابن أبيه قال لأبي الأسود: إن هذه الحمراء -يعني الأروام والأعجام (^٨) - قد كثرت -أي: فيما بين أهل الإسلام- فأفسدت من ألسن
_________________
(١) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمر بن حسان أبو العباس النحوي، روى القراءة عن أبي عثمان بكر بن محمد المازني، توفي سنة ٢٨٦ بالكوفة عن ٦٦ سنة. اهـ من الغاية ٢/ ٢٨٠ ترجمة (٣٥٣٨).
(٢) قال الداني في المحكم صـ ٧: (وقال أبو الحسن بن كيسان قال محمد بن يزيد) وذكره.
(٣) كذا في (ل) وهو الصواب، وفي سائر النسخ نصير.
(٤) ويقال الدؤلي البصري، النحوي، قرأ القرآن على أبي الأسود الديلي، وسمع من مالك بن الحويرث وأبي بكرة الثقفي، ويقال إنه أول من نقط المصاحف وخمَّسَها وعشَّرَها، وثقه النسائي وغيره، وتوفي قبل سنة ١٠٠. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٧١ ترجمة رقم (٢٧).
(٥) هو الدؤلي؛ ظالم بن عمرو قاضي البصرة، قرأ على علي -﵁- وروى عن عمر وأبي بن كعب وابن مسعود وأبي ذر -﵃- والكبار، وهو أول من وضع مسائل في النحو بإشارة علي -﵁-، أخذ عنه يحيى بن يعمر وجماعة، وقد أسلم في حياة النبي -ﷺ- ولم يره، وثقه أحمد العجلي وغيره توفي سنة ٦٩. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٥٩ ترجمة رقم (١٨).
(٦) ذكر الأقوال الثلاثة أبو عمرو في كتاب النقط المطبوع في آخر المقنع صـ ١٢٤ - ١٢٥.
(٧) قال الداني في النقط صـ ١٢٥ (وأكثر العلماء على أن المبتدئ بذلك أبو الأسود الدؤلي؛ جعل الحركات والتنوين لا غير، وأن الخليل بن أحمد هو الذي جعل الهمز والتشديد والروم والإشمام) وانظر: المحكم صـ ٦ - ٧.
(٨) أي: وسائل الإعجام وهو كما قال ابن منظور في اللسان ١١/ ٣٥٨: (وشَكَل الكتابَ يشكُله شكلًا، وأشكله: أعجمه، وقال أبو حاتم: شكلت الكتاب أشكله فهو مشكول إذا قيدته بالإعراب، وأعجمت الكتاب إذا نقطته).
[ ١٢٠ ]
العرب -أي: بالخطأ في الإعراب- فلو وضعت شيئًا يعلم به الناسُ كلامَهم ويعرفون كلام الله وَفْقَ مراده، فأبى ذلك أبو الأسود، وكره إجابته إلى ما سأله واجتهد، فقال زياد لرجل: اقعد في طريقه فإذا مر بك فاقرأ شيئًا من القرآن وتعمد اللحنَ فيه، أي: بأن تقرأ ما يكون شاذًّا أو يكون ملحونًا بظاهر ما فيه، ليكون سببًا لبيان إعراب مبانيه، ليتضح بها وجوهُ معانيه، فلما مرَّ به أبو الأسود رفع صوته وقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]؛ بالجر، فأعظم ذلك أبو الأسود وقال: عز وجه الله أن يتبرأ من رسوله، ثم رجع من فوره إلى زياد فقال: قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيتُ أن أبدأ بإعراب القرآن فابعث إليّ رجلًا كاملًا لمعرفة اللسان، في ميدان البيان، فبعث إليه ثلاثين رجلًا فاختار منهم واحدًا من قبيلة بني عبد القيس، فقال له أبو الأسود: خذ المصحف وصبغًا يخالف لون المداد، يعني لنبين المراد، في بيان المواد، فإذا رأيتني فتحت شَفَتَيَّ فانقط واحدة فوق الحرف وإذا ضممتُهما فاجعل النقط في جانب الحرف، وإذا كسرتُهما فاجعل النقطة في أسفل الحرف، فإن أتبعتُ شيئًا من هذه الحركات به فانقط نقطتين، ففعل ذلك حتى أعرب المصحف كله (^١).
هذا، وفي الإتقان: (عن ابن مسعود: "جَرِّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء"، أخرجه أبو عبيد وغيره (^٢)، وهو يَحْتَمِل وجهين:
أحدهما: جَرِّدوه في التلاوة ولا تخلطوا به غيره.
والثاني: جَرِّدوه في الخط من التعشير والنقط.
_________________
(١) هذه القصة رواها أبو بكر الأنباري في كتاب إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله -﷿- ١/ ٣٩ - ٤١، وأبو عمرو الداني في المحكم صـ ٣ - ٤.
(٢) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص: ٣٩٢) وابن أبي شيبة في مصنفه ٢/ ٣٨١ في التعشير في المصحف بلفظ: "جردوا القرآن"، زاد في رواية "لا تلحقوا به ما ليس منه" وبإسناده رواه عبد الرزاق في مصنفه في أواخر الصوم، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في معجمه الكبير ٩/ ٣٥٣ رقم (٩٧٥٣).
[ ١٢١ ]
وقال البيهقي: الأظهر أنه أراد لا تخلطوا به غيره من الكتب؛ لأن ما خلا القرآن من كتب الله إنما يؤخذ عن اليهود والنصارى وليسوا بمأمونين عليها) (^١).