يروى "مكة" بالرفع على أنها مبتدأ، خبره؛ "ضاعَتْ"، وضبط في بعض النسخ بالنصب، ولا يظهر وجهه، والبحرين بضم النون وكسرها لأن للعرب في الاسم المنقول من التثنية مذهبين: إعرابه بالحروف، وإعرابه بالحركات، وقُطَر: تمييزٌ؛ وهو بضمتين أو بضم ففتح بمعنى: العُود، والنشرُ: هو الرائحة الطيبة.
والمعنى: فاحت في تلك المواضع المذكورة نسخ في طيب ريحها المشهورة كأنها قطع أعواد المبخرة، ويجوز أن يكون "قُطَرا" مفعولًا به لـ"نَشْرِها" على أن النشر: ضد الطي، ويكون مضافًا إلى الفاعل؛ كأنها نشرت في تلك المواضع عُودًا عُودًا، ورجع فوحه ونفعه إلى سائر العالم عَودًا عَودًا، وحاصل المعنى: أنه روي أن عثمان -﵁- أرسل مصحفًا إلى مكة ومصحفًا إلى البحرين ومصحفًا إلى اليمن فيكون الجملة على هذه الرواية سبعة، وقيل: إنه كتب خمسةً؛ الأربعة المتقدمة، وواحدة إلى مكة، وأما مصحف البحرين ومصحف اليمن فلم يعلم خبر لهما (^١).
هذا وقال أنس بن مالك -﵁-: (إن عثمان -﵁- أرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفًا وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذي أرسل إليهم) (^٢).
_________________
(١) روايات عدد المصاحف التي أرسلها عثمان أوردها ابن أبي داود في كتاب المصاحف باب: ما كتب عثمان -﵁- من المصاحف صـ ٤٣، وتقدم قريبًا قول الداني وفيه: (وقد قيل إنه جعل سبع نسخ، ووجه من ذلك أيضًا نسخة إلى مكة ونسخة إلى اليمن ونسخة إلى البحرين، والأول أصح وعليه الأئمة).
(٢) رواه ابن أبي داود في المصاحف صـ ٢٧ باب: جمع عثمان -رحمة الله عليه- المصاحفَ، والحديثُ رواه البخاري بلفظ (فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) ك: فضائل القرآن باب: جمع القرآن رقم ٤٩٨٧.
[ ١٢٣ ]
وقال السخاوي: (فلما فرغ عثمان من أمر المصاحف حرق ما سواها ورد تلك الصحف الأولى إلى حفصة -﵂-، فلما ولي مروان المدينة طلبها ليحرقها فلم تجبه حفصة لذلك ولم تبعث بها إليه، فلما ماتت حضر مروان في جنازتها وطلب الصحيفة من أخيها عبد الله بن عمر وعزم عليه في أمرها فسيَّرَها إليه عند انصرافه فحرقها خشية أن تظهر فيعود الناس إلى الاختلاف) (^١).
فإن قيل: الاختلاف باق إلى زماننا هذا؟
قلت: القراءات التي نُعَوِّل عليها الآن لا تخرج عن المصاحف المذكورة فيما يرجع إلى زيادة أو نقصان، وما كان من الخلاف راجعًا إلى شكل أو نقط فلا يخرج عنها أيضًا؛ لأن خطوط المصاحف كانت مجملة محتملة لجميع ذلك كما يقرأ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٦٠] بضم الصاد وكسرها (^٢)، و﴿كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] بالرفع وبالنصب (^٣)، و﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] و﴿يَضِرْكُمْ﴾ (^٤) ونحوها.
ثم اعلم أنه (إذا احتيج إلى تعطيل بعض أوراق المصحف لبِلًى ونحوه فلا يجوز وضعها في شق ونحوه لأنه قد يسقط ويوطأ ولا يجوز تمزيقها لما فيه من تقطيع الحروف وتفرقة الكلم وفي ذلك ازدراء بالمكتوب، كذا قاله الحليمي قال: وله غسلها بالماء وإن أحرقها بالنار فلا بأس فقد أحرق عثمان مصاحف كان فيها آيات وقراءات منسوخة، ولم ينكر عليه، وذكر غيره أن الإحراق أولى من الغسل لأن الغسالة قد يقع على الأرض). انتهى (^٥).
_________________
(١) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٧٦ - ٧٧).
(٢) قال في النشر ٢/ ٢٣٢: (قرأ أبو جعفر وحمزة وخلف ورويس بكسر الصاد، وقرأ الباقون بضمها).
(٣) قال في النشر ٢/ ٢٤٢: (فقرأ البصريان (كلُّه) بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب).
(٤) قال في النشر ٢/ ٢٤٢: (فقرأ ابن عامر والكوفيون وأبو جعفر بضم الضاد ورفع الراء وتشديدها، وقرأ الباقون بكسر الضاد وجزم الراء مخففة).
(٥) أي: من الإتقان، النوع السادس والسبعون: في مرسوم الخط وآداب كتابته (٢/ ٢٢١).
[ ١٢٤ ]
وفيه؛ أن الرماد أيضًا يقع على الأرض لكن يسامح فيه ضرورة، مع أن بعد الانحلال، وحصول الابتدال، لا ينسب إليه الابتذال، وأما ما جزم القاضي حسين في تعليقه بامتناع الإحراق لأنه خلاف الاحترام (^١)؛ فمردود لما وقع عليه إجماع الصحابة الكرام، وكذا جَزْم النووي بالكراهة مدفوع، وذكر السيوطي (أن في بعض كتب الحنفية أن المصحف إذا بلي لا يحرق بل يحفر له الأرض ويدفن)، قال: (وفيه وقفة لتعرضه للوطء بالأقدام) (^٢) انتهى. ولا يخفى أن المراد به أرض لا يكون مواطئَ الأنامِ، لاسيما وإذا لم يعلم به لا يترتب عليه شيء من الآثام، والله أعلم بالمرام.