يتزن بنقل "الأول" (^٣)، والـ"مُسْتَحْدَث": بصيغة المفعول، وكذا "سُطِرا"، وألفه للإطلاق.
والمعنى: أن الإمام مالكا (^٤) قال: إن المصحف ينبغي أن يكتب على منهاج رسم الكتاب الأول الذي كتبه الصحابة؛ لا حال كونه مُسْتَحْدَثًا على مسطور اليوم عند العامة، قال الشارح السخاوي: (حدثني الإمام أبو القاسم الشاطبي بإسناده إلى أبي عمرو الداني حدثنا عبد الملك بن الحسن (^٥) حدثني عبد العزيز بن علي
_________________
(١) ذكر جزمه هذا، السيوطي في الإتقان (٢/ ٢٢١).
(٢) الإتقان، النوع السادس والسبعون: في مرسوم الخط وآداب كتابته (٢/ ٢٢١).
(٣) أي: يستقيم وزن البيت عروضيًا بنقل حركة الهمز إلى اللام.
(٤) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر أبو عبد الله الأصبحي المدني إمام دار الهجرة وصاحب المذهب، أخذ القراءة عَرْضًا عن نافع، روى القراءة عنه أبو عمرو الأوزاعي ويحيى بن سعيد، مات سنة ١٧٩. اهـ من الغاية ٢/ ٣٥ ترجمة (٢٦٤٢).
(٥) أبو محمد البزاز، روى القراءة عرضًا على ابن مجاهد، روى القراءة عنه عرضًا أبو الحسن علي بن محمد الخبازي. اهـ من الغاية ١/ ٤٦٨ ترجمة (١٩٥٥).
[ ١٢٥ ]
حدثنا المقدام بن تليد (^١) حدثنا عبد الله بن الحكم (^٢) قال أشهب (^٣): سئل مالك -﵀-: (أرأيت من استُكتِبَ مصحفا أترى أن يَكْتُبَ على ما أحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك ولكن يكتب على الكَتْبَةِ الأولى. قال مالك: ولا يزال الإنسان يسألني عن نقط القرآن فأقول له: أما الإمام من المصاحف فلا أرى أن ينقط فلا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، وأما المصاحف التي تتعلم فيها الصبيان وألواحهم فلا أرى بذلك بأسًا) (^٤).
ولا يخفى أن الناس في هذا الزمان كلهم كالصبيان، محتاجون إلى النقط والشكل لوضوح البيان، فإنا نرى العلماء والأعيان، يلحنون ويخطئون في مواضع كثيرة من القرآن، مع بيان النقط والإعراب في غاية التبيان، فكيف لو كتب المصاحف على منوال خط الصحابة عليهم الرضوان.
_________________
(١) في جميع النسخ التسع: "المقدام بن مليك"؛ بل في نسخَتَيْ (ل) و(س) مُشَكَّلَة هكذا: "مُلَيك" والصواب ما أثبتُّهُ من الوسيلة صـ ٧٩ والمقنع صـ ٩ والمحكم صـ ١١، وهو مقدام بن داود بن عيسى بن تليد الرعيني، كان فقيهًا مفتيا غير أنه لم يكن محمود الرواية، وضعفه الدارقطني، توفي سنة ٢٨٣. اهـ مختصرًا من سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٤٥). وقد ورد بهذا الاسم في المقنع صـ ٢٨، وفي المحكم صـ ١١ و١٥ و١٧ ولم أجد ترجمة لـ "ابن مليك".
(٢) ابن أعين بن ليث الإمام الفقيه المفتي للديار المصرية، أبو محمد المالكي، سمع من مالك، وأشهب وغيرهما، حدث عنه: … مقدام بن داود الرعيني، وعدة، وثقة أبو زرعة والعجلي وابن حبان وابن عبد البر وابن يونس. وقال أبو حاتم: صدوق. وسارت بتصانيفه الركبان، أفضت إليه الرئاسة بمصر بعد أشهب، توفي سنة ٢١٤. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥/ ١٠٥ - ١٠٦) ترجمة رقم: (٤٨٥)، والتاريخ الكبير "٥/ ترجمة رقم: (٤٢٨)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٨٩) ترجمة رقم: (٤٨٩)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٤٧) ترجمة رقم: (١٥٩٤).
(٣) أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي، الإمام، العلامة، مفتي مصر، أبو عمرو القيسي، العامري، الفقيه. قيل: اسمه مسكين، وأشهب؛ لقب له، روى عن مالك … وآخرين. وعنه … عبد الله بن عبد الحكم -ولازمه- وآخرون. ومات في شعبان سنة ٢٠٤. انظر لترجمته: تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٣٥/ ٦٦)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ٣٤٢) ترجمة رقم: (١٢٩٧)، وسير أعلام النبلاء ط الرسالة (٩/ ٥٠٠ - ٥٠٣) ترجمة رقم: (١٩٠).
(٤) روى الداني بسنده هذا عن أشهب عن مالك في المقنع صـ ٩ إلى قوله "الأولى"، ورواه بتمامه في المحكم صـ ١١.
[ ١٢٦ ]
قال السخاوي: (والذي ذهب إليه مالك هو الحق إذ فيه بقاء الحالة الأولى، إلى أن يعلمه الطبقة الأخرى بعد الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأحرى، إذ في خلاف ذلك تجهيل الناس بأخراهم في المرتبة الأولى، وقال أبو عمرو الداني: "لا مخالف لمالك من علماء الأمة في ذلك" (^١) (^٢) لكن قال في كتاب اللطائف: (يجوز كتابة المصاحف على غير الكتابة الأولى) (^٣) فكأنه أشار إلى أن مراعاة الكتْبة الأُولى ليست بواجبة بل هي الأَوْلى.
(وقال أبو عمرو في موضع آخر (^٤): سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف، أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك؟ قال: لا، قال أبو عمرو: يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو: ﴿أُولُو﴾ (^٥)، وقال الإمام أحمد: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف (^٦) أو ياء أو غير ذلك، قال البيهقي في شعب الإيمان: من كتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه
_________________
(١) المقنع ص ١٠.
(٢) ما بين القوسين من الوسيلة صـ ٨٠، والذي في الوسيلة (والذي ذهب إليه مالك هو الحق إذ فيه بقاء الحال الأولى، إلى أن يعلمها الآخر وفي خلاف ذلك تجهيل الناس بأوليتهم) وليس فيها قوله: (بعد الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأحرى) ولا قوله: (بأخراهم في المرتبة الأولى) وما إخاله حمله على هذا إلا ولَعُه بالسجع.
(٣) لم يقل ذلك القسطلاني بل صنع كما صنع غيره فنقل كلام الموجبين وكلام العز بن عبد السلام، واستدراكَ الزركشي عليه، فلا غضاضة في ذلك عليه، ولا ينسب بسببه إلى القول بجواز مخالفة الكتبة الأولى، وانظر: لطائف الإشارات صـ ٢٧٩، وأستبعد أن يكون قصد المؤلف كتاب اللطائف لابن مقسم النحوي -وهو مفقود فيما أعلم- لأنه كما قال ابن الجزري في ترجمته في الغاية ٢/ ١٢٤: (ويذكر عنه أنه كان يقول إن كل قراءة وافقت المصحف ووجهًا في العربية فالقراءة بها جائزة وإن لم يكن لها سند وأنه عُقد له مجلس وَوُقِفَ للضرب فتاب ورجع)، وهذا غير ما كان بنحوه ابن شنبوذ فإنه كان يعتمد على السند وإن خالف المصحف وهذا يعتمد على المصحف وإن خالف النقل، واتفقا على موافقة العربية.
(٤) هو في المقنع صـ ٢٨.
(٥) وردت في القرآن مرارا، أولها: [البقرة: ٢٦٩].
(٦) كذا في (س) و(ص)، وفي بقية النسخ (وألف).
[ ١٢٧ ]
ولا يغير مما كتبوه شيئًا فإنهم كانوا أكثر علمًا وأصدق قلبًا ولسانًا وأعظم أمانة منَّا فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم) كذا في الإتقان (^١) لشيخ مشايخنا الجلال السيوطي -﵀-.