اعلم أن "نافعًا" هذا هو ابن أبي نعيم المدني المقرئ (^٢) و"أبا عبيد" هو القاسم بن سلام (^٣)؛ أي: "الخلف" بينهما في "بعض" ما روياه، لا في كل ما نقلاه، فإن فيه ما اتفقا على رسمه، وفيه ما اختلفا على رسمه (^٤)؛ (فإن رسم المصاحف إنما حصل منه ما حصل بالنقل عن جماعة حيث رأى بعضهم مواضع منها فأخبروا بها، ورأى آخرون غير تلك المواضع فذكروها، واتفقوا في مواضع فأجمعوا عليها، فإذا قيل في هذا الكتاب: رواه نافع، فليس ذلك، لأن غيره (^٥) قد روى خلافه هنالك، وإنما أريد به أن ذلك من قبيل رواية نافع ونصه، وكذا إذا قيل رواه أبو عبيد، أو في الإمام كذا، إنما يراد به رواية أبي عبيد بخصوصه، وإذا قيل: رواه نصير (^٦) فذلك أيضًا من قبيل أنه لم يذكره (^٧)،
_________________
(١) كذا في (ل) و(س) و(ص) وكذا هو في المطبوع، وفي (ز ٤) و(بر ١) و(ز ٨) "في البعض" والبيت يستقيم بهما.
(٢) نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم أبو رويم، قال قرأت على سبعين من التابعين، وأقرأ الناس دهرًا طويلا، قال مالك: نافع إمام الناس في القراءة، مات سنة ١٦٩. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ١٠٧ ترجمة رقم (٤١).
(٣) ابن عبد الله الهروي الأنصاري مولاهم البغدادي؛ الإمام؛ أحد الأعلام وذو التصانيف الكثيرة في القراءات والفقه واللغة والشعر، توفي سنة ٢٢٤. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ١٧٠ ترجمة رقم (٧٦).
(٤) في (برا) "على وسمه" وفي سائر النسخ كما أثبته.
(٥) في (ص) " فليس المراد أن عبيد" وفي سائر النسخ كما أثبته.
(٦) هو نُصَيْر بن يوسف بن أبي نصر الرازي المقرئ النحوي أبو المنذر صاحب الكسائي كان من الأئمة الحذاق لا سيما في رسم المصحف وله فيه مصنف قرأ عليه محمد بن عيسى الأصبهاني وغيره، مات في حدود ٢٤٠. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٢١٣ ترجمة رقم (١٠٨) وغاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٣٤٠) ترجمة رقم: (٣٧٤٢)
(٧) يعني أن نافعًا لم يذكره، لا أنه أو غيرَه روى خلافه.
[ ١٣١ ]
واتفاقهم مفهوم من بيان ما ذُكِر ونحوِه.
قال السخاوي: (فإن قيل يروي نافع عن مصحف المدينة وأبوعبيد عن مصحف عثمان وهو الذي كان عنده بالمدينة أيضًا فكيف يقع في ذلك اختلاف؟.
قلت: اختلاف هذين الإمامين مع ما هما عليه من العدالة والإتقان والضبط يدل على أن المصحف الذي رآه أحدهما غير الذي ينقل عنه الآخر، وما المانع من أن يكون عثمان اتخذ لنفسه مصحفًا وجعل لأهل المدينة مصحفًا وهذا هو الظاهر لأنه لم يكن ليجعل للناس إمامًا يقتدون به ثم يختص به هو دونهم) (^١).
قلت: الظاهر ما سبق من أن مجموع المصاحف سبعة؛ أربعة متفق عليها وثلاثة مختلف فيها ولا مانع في أن يكون المدني عنده؛ لأنه خليفةُ الزمان، كما أن سائر المصاحف المرسلة كان عند الأمراء في ذلك الأوان، أو يكون المصحف المدني واحدًا موضوعًا في المسجد النبوي وكذا سائر المصاحف يكون في المسجد الكوفي والبصري والشامي.
وأما قول شارح: إن مجموعها ثمانية؛ خمسة متفق عليها، وثلاثة مختلف فيها. وهذا نقل الناظم لأنه ذكر في الأول أربعة وفي الثاني ثلاثة وفي قوله: وقال مصحف عثمان؛ ثامنًا لكن مدار قوله في العقيلة على اليمني والبحريني (^٢) احتمالًا فهذا الاحتمال بعيد عن مقام الاستدلال.
_________________
(١) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٨٤).
(٢) كذا في (ل) وفي (ز ٤) و(س) "اليمني والبحرين"، وفي (ز ٨) " اليمني والبحرين إن احتملا"، وفي (بر ١) و(ص) "اليمني والبحري).
[ ١٣٢ ]
وأما قول من قال في هذا البيت: إن نافعًا ينقل عن المصحف الذي جعل إمامًا في المدينة، وأبو عبيد ينقل عن المصحف المخصوص بعثمان الذي رآه في بعض خزائن الأمراء ووقع الخلف في الأخير لا في الأول لأن الأول باق بالاتفاق فلا يفضي ذلك إلى تكاذبها؛ فهو مخالف لما سبق من التحقيق في عدد المصاحف، وكذا لما تقدم من قول أهل التحقيق: إن الخلف على خلاف هذا الاختلاف كما هو الظاهر من مفهوم هذا البيت، ولذا استدركه بعضهم (^١) بقوله: (وعبارة الناظم غير مشعرة بهذا المعنى فلو غَيَّرَ المبنى وقال:
ونقل نافعِ عن رسم المدين أبو … عبيدهم عن الإمام فاعددِ الصَدَرا (^٢)؛
لأوضح جدًّا).