بكسر الصاد حال من فاعل "قل"؛ أي: حال كونك "مقتصِرا" على الحذف، أو بفتحها حال من "مالك" فيكون على التقديرين حال مؤكدة، وأما ما قيل: المعنى مقتصِرًا على سورة الفاتحة في حذف مالك فغير صحيح لما سيأتي بيانه (^٢)، و"بالصاد" خبر مبتدأ مؤخر هو "كلُّ صراطٍ"، و"قل" عطف على الجملة الأولى.
والمعنى: ثبت رسم كلِّ صراط في القرآن العظيم غير مختص بسورة الفاتحة بالصاد سواء كان مجردا عن اللام أو مقرونًا بها، قال أبو عمرو الداني (^٣) فيما اتفق على رسمه مصاحف أهل الأمصار: (حدثنا خلف بن حمدان المقرئ (^٤) حدثنا محمد بن عبد الله الأصبهاني (^٥) عن أبي عبد الله الكسائي (^٦) عن جعفر بن الصباح (^٧) قال: قال محمد بن عيسى (^٨): هذا ما
_________________
(١) المقنع صـ ٨٣ و٩١.
(٢) قبل نهاية شرح هذا البيت.
(٣) نقل المؤلف هذا النص عن الداني من "الوسيلة" للسخاوي كما سيأتي التنبيه عليه قريبًا ولذا فهناك فروق لا تضر بين هذا النص وما في المقنع المطبوع لكنه مطابق لما في الوسيلة صـ ٨٧ - ٨٨.
(٤) قال محقق المقنع صـ ٨٣: (في نسخة "٤٨" أخبرنا خلف بن أحمد بن خاقان المقرئ، وفي "٤٧" أخبرني خلف بن حمدان فيما أذن في روايته، وخلف هذا هو: خلف بن إبراهيم بن محمد بن جعفر بن حمدان بن خاقان الخاقاني تَرْجَمَهُ ابن الجزري في غاية النهاية ١/ ٢٧١ والمؤلف يروي عنه كثيرًا في هذا الكتاب فتارة ينسبه لأبيه إبراهيم، وتارة لجده الأوسط محمد وتارة لجده الأعلى حمدان، وتارة يقول حدثنا الخاقاني) وقال الذهبي في معرفة القراء الكبار ١/ ٣٦٣ ترجمة رقم (٢٩٣) ما مختصره: (قال تلميذه أبو عمرو الداني: كان ضابطًا لقراءة ورش متقنًا لها مجودًا مشهورًا بالفضل والنسك واسع الرواية صادق اللهجة كتبنا عنه الكثير من القراءات والحديث والفقه، مات بمصر سنة ٤٠٢ وهو في عشر الثمانين).
(٥) ابن أشته، تقدمت ترجمته.
(٦) هو: محمد بن أحمد بن الحسن الأصبهاني المقرئ قرأ على جعفر بن عبد الله بن الصباح -وهو شيخه هنا- قرأ عليه محمد بن عبد الله بن أشته -وهو الراوي عنه هنا- توفي سنة ٣٤٧ بأصبهان. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ٢٩٣، ٢٩٤ ترجمة رقم (٢٠٨).
(٧) الأنصاري الأصبهاني المقرئ إمام جامع أصبهان، قرأ على الدوري .. وقرأ بأصبهان على محمد بن عيسى التيمي -وهو شيخه هنا- وكان رأسًا في علوم القرآن والتجويد وعليه قرأ محمد بن أحمد الكسائي - وهو الراوي عنه هنا - .. توفي سنة ٢٩٤. اهـ من معرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ٢٤٤.
(٨) التيمي الرازي ثم الأصبهاني المقرئ، أحد الحذاق قرأ القرآن على نصير -وهو شيخه هنا- وخلاد صاحبي الكسائي .. وصنف كتاب الجامع في القراءات وكتابا في العدد وفي الرسم وكان رأسًا في النحو، قال أبو نعيم الأصبهاني: ما أعلم أحدًا أعلم منه في وقته في فنِّه يعني القراءات، توفي سنة ٢٥٣، وممن قرأ عليه من الأصبهانيين جعفر بن عبد الله بن الصباح مقرئ أصبهان -وهو الراوي عنه هنا-. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ٢٢٣، ٢٢٤ ترجمة رقم (١٢٣).
[ ١٣٧ ]
اجتمع عليه كُتَّاب مصاحفِ أهل المدينة والكوفة والبصرة وما يكتب بالشام، وما يكتب بمدينة السلام، ولم يختلف في كتابته شيء من مصاحفهم، أخبرني بهذا الباب نصير بن يوسف (^١) قراءة عليه قال: كتبوا ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بغير ألف) (^٢) قال (^٣): (وحدثني أبو المظفر عبد الخالق بن فيروز الجوهري (^٤) بالسند المتقدم (^٥) إلى أبي بكر عبد الله (^٦) ابن أبي داود (^٧)، كذلك كل ما قلت: حدثني الجوهري فهو بذلك الإسناد) (^٨)، وقال السخاوي: (وإنما
_________________
(١) الرازي المقرئ النحوي صاحب الكسائي، كان من الأئمة الحذاق لا سيما في رسم المصحف وله فيه مصنف، قرأ عليه محمد بن عيسى الأصبهاني -وهو الراوي عنه هنا- اهـ من معرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ٢١٣، ٢١٤.
(٢) المقنع صـ ٨٣.
(٣) الضمير في قوله "قال" يعود إلى السخاوي - أي: في الوسيلة صـ ٨٨؛ لا إلى الداني كما توهمه عبارة المؤلف لأن هذا الخبر ليس موجودًا في المقنع، بل في الوسيلة كما سيأتي، ولما تضمنه الكلام، ولعل سبب ذلك -أي: إتيانه بهذه العبارة الموهمة- كونه نقل كلام الداني من الوسيلة للسخاوي فاسترسل بقوله: "قال" مع أنه لم يشر إلى السخاوي حتى يعيد الضمير إليه، وهذا الكلام الذي ذكره المؤلف موجود في شرح البيت (٤٦) من الوسيلة، وقد صنع نحوًا من هذا في شرح البيت (٦٢) وسيأتي التنبيه عليه في محله إن شاء الله.
(٤) قال الحافظ علي بن المفضل: لم يكن موثوقًا به، وقال الحافظ ضياء الدين: تكلموا في سماعه، وقال ابن النجار بجرحه اهـ من ميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٥٣٤ ترجمة رقم (٤٧٩٢)، توفي سنة ٥٩٠ وهي السنة التي توفي فيها الإمام الشاطبي كما في السير ٢١/ ٢٤٣.
(٥) ذكر السخاوي السند بتمامه في المقدمة صـ ٧ وعند شرح البيت (٩) صـ ٣٤ - ٣٥.
(٦) في (ز ٨) "إلى أبي عبد الله بن أبي داود"، وباقي النسخ التسع كما أثبته.
(٧) عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر السجستاني البغدادي الإمام المشهور صاحب كتاب المصاحف ابن الإمام أبي داود صاحب السنن ثقة كبير مأمون، روى الحروف، وروى عنه القراءة ابن مجاهد وغيره، توفي سنة ٣١٦. اهـ مختصرًا من الغاية ١/ ٤٢٠ ترجمة (١٧٧٩) وانظر: الطبقات ١/ ٣٢٣ ترجمة (٢٥٧).
(٨) الوسيلة صـ ٨٨.
[ ١٣٨ ]
رسم بالصاد دون السين -وإن كانت السينُ الأصلَ-؛ لأن الأصل لا يحتاج أن ينبه عليه فرسم بالصاد ليعلم أنهم أبدلوا من السين الصاد ليخف على اللسان النطق بالكلمة من حيث إن الصاد حرف مطبق كالطاء فيتقاربان وكتبوه أيضًا على الأخف والأكثر ولذا قالوا في ﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مصغبة؛ من أجل الغين، وفي ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: صلقوكم (^١)؛ من أجل القاف، وفي ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾: مصخرات؛ من أجل الخاء.
وأما حذف الألف من ﴿مَلِكِ﴾ فيحتمل وجهين:
أحدهما: أنه كتب ذلك على قراءة: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فلا يكون فيه حذف (^٢) واختير كتابته على هذه القاعدة ليحتمل الرسمُ كلًّا من القراءتين (^٣)، فيعتقد من يقرأ بالإثبات أن الألف محذوفة كما حذفت من الله والرحمن، وقال أبو عبيد: أخبرنا يحيى بن سعيد الأموي (^٤) نا عبد الملك بن جريج (^٥) عن
_________________
(١) قال ابن الجوزي في زاد المسير ٦/ ٣٦٦: (والعرب تقول " صلقوكم" بالصاد ولا يجوز في القراءة؛ وهذا قول الفراء، وقد قرأ بالصاد أُبيّ بن كعب وأبو الجوزاء وأبو عمران الجوني وابن أبي عبلة في آخرين) وعزاها إلى ابن أبي عبلة؛ ابن عطية في المحرر الوجيز ١٣/ ٥٩.
(٢) في (ص) و(ل) و(ز ٤) و(بر ١) "إلا حذف الألف"، وفي (ز ٨) "فلا يكون فيه حذف الألف"، و(س) " فلا يكون فيه إلا حذف" والصواب ما أثبتناه من الوسيلة صـ ٩٠ عند شرح البيت نفسه وهو ما يقتضيه السياق.
(٣) أي: قراءتي المد والقصر، قال في النشر ١/ ٢٧١" (فقرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بالألف مدًّا، وقرأ الباقون بغير ألف قصرًا) وانظر: الكشف ١/ ٢٥.
(٤) ابن أبان بن سعيد بن العاص أبو أيوب القرشي الكوفي الإمام المحدث الثقة، روى عن يحيى ابن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة والأعمش وسفيان الثوري، حدث عنه أحمد بن حنبل وولده سعيد وخلق، قال أحمد وغيره: ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة، مات سنة ١٩٤. اهـ مختصرًا من سير أعلام النبلاء ٩/ ١٣٩ ترجمة (٤٧).
(٥) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو خالد القرشي الأموي المكي، مولى أمية بن خالد، الإمام العلامة الحافظ، شيخ الحرم، صاحب التصانيف وأول من دون العلم بمكة، وكان من أوعية العلم وبحوره، والرجل في نفسه ثقة حافظ لكنه يدلس بلفظة "عن"، مات سنة ١٥٠. اهـ مختصرًا من سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٥ ترجمة (١٣٨).
[ ١٣٩ ]
عبد الله بن أبي مليكة (^١) عن أم سلمة زوج النبي -ﷺ- قالت: (كان رسول الله -ﷺ- يقطع قراءته؛ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾) (^٢)، قال أبو عبيد: هكذا قال الأموي في حديثه "مَلِكِ" بغير ألف قال: وهو الذي نختاره في هذه القراءة لأن الإسناد فيها عن النبي -ﷺ- أثبت (^٣)، فهذا أبو عبيد قد استدل بهذا الحديث على أنها قراءة رسول الله -ﷺ-، وقد قدمت أنهم كتبوا على ما كانوا يسمعونه من قراءته -ﷺ-، وفي الحديث المذكور رد على من زعم (^٤) أن أول من قرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مروان، وكذا كان يقرأ ابن عمر وابن عباس وأبو الدرداء ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بغير ألف (^٥).
والوجه الثاني: أن يكون الكاتب أراد ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ولكنه حذف الألف اختصارًا فيكون قصده بذلك أن لا يحجر على القارئ بالقراءة الأخرى
_________________
(١) هو ابن عبيد الله بن أبي مليكة أبو بكر التميمي التابعي المشهور، ذكره الداني وقال: وردت الرواية عنه في حروف القرآن، توفي سنة ١١٧. اهـ من الغاية ١/ ٤٣٠ ترجمة (١٨٠٦).
(٢) رواه الترمذي ك: فضائل القرآن عن رسول الله، باب: ما جاء كيف كانت قراءة النبي (٢٩٢٣) وفي ك: القراءات عن رسول الله، باب: في فاتحة الكتاب (٢٩٢٧). وأبو داود ك: الحروف والقراءات، برقم (٤٠٠١). وأحمد في مسند الأنصار: حديث أم سلمة زوج النبي.
(٣) وقد وردت روايات فيها النص على أنه -ﷺ- "قرأها بغير الألف" أخرجها الترمذي وابن أبي الدنيا وابن الأنباري كلاهما في كتاب المصاحف عن أم سلمة، وأخرجه ابن الأنباري عن أنس، ذكره في الدر المنثور ١/ ٣٥ - ٣٧. وروايات أخرى فيها أنه -ﷺ- "قرأها "ملك" دون ذكر "بغير الألف" أخرجها ابن أبي دواد والخطيب من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب والبراء بن عازب، وابن أبي داود وابن الأنباري عن أنس وعن الزهري، وابن أبي داود وابن الأنباري والدارقطني في الأفراد وابن جميع في معجمه عن أبي هريرة.
(٤) الذي زعم ذلك هو ابن شهاب الزهري، كما تقدم في شرح البيت (٨).
(٥) وردت رواية عن بعض الصحابة تنص على أنهم قرؤوها "ملك بغير الألف" أخرجها ابن الأنباري عن أنس أن أبا بكر وعمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل. وروايات أخرى أنهم قرؤوا "ملك" دون التنصيص "بغير ألف"؛ أخرجها ابن أبي داود والخطيب من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب والبراء بن عازب عن أبي بكر وعمر، وابن أبي داود وابن الأنباري عن الزهري عن أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وابن مسعود ومعاذ بن جبل، وابن أبي داود وابن الأنباري عن أنس عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
[ ١٤٠ ]
وأن ينبه أيضا على أنهم استعملوا في الخط ما يستعملونه في اللفظ من الاختصار وذلك كثير في كلامهم، وكذا (^١) حذفوا ألف الوصل من ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، قال الكسائي (^٢): عرف مكانُه فحذف ولم يفعلوا ذلك في نحو ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ (^٣) (^٤).
قلت: ولعل وجهه كثرة الاستعمال في البسملة مع الجلالة، ولذا أثبتوا الألف في ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وأما ما روي (أن كاتب عمر بن عبد العزيز كتب: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وضربه عليه (^٥) فإنه لم يكتب (^٦) على حذف السين كما قاله السخاوي (^٧)؛ بل على اقتصاره في جره السين عن أسنانه لأنه يتوهم منه حذفها؛ إذ لم يكن على قاعدة خط العرب، والحاصل أن (^٨) (زيد بن
_________________
(١) كذا في (بر ١) و(ز ٨) و(ل) إلا أنه بدل كلمة "وكذا" و"لذلك"، وفي (س) بدل قوله: "وأن ينبه" "يتنبه" وبدل قوله: "وكذا" "ولذلك"، وفي (ص) "فيكون قصده بذلك التنبيه على القارئ بالقراءة الأخرى وأن ينبه أيضًا على … ولذلك حذفوا".
(٢) أبو الحسن علي بن حمزة الأسدي مولاهم الكوفي، الإمام المقرئ النحوي، أحد القراء السبعة، رحل إلى البصرة فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد، انتهت الإمامة في القراءة والعربية، له من التصانيف كتاب معاني القرآن، كتاب القراءات، كتاب العدد واختلافهم فيه، كتاب الهجاء، كتاب مقطوع القرآن وموصوله، كتاب الحروف، كتاب الهاءات، توفي سنة ١٨٩. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ١٢٠ ترجمة رقم (٤٥).
(٣) وردت في القرآن مرارا، أولها: [البقرة: ١٩١].
(٤) انظر: الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٨٨ - ٩٢) مع حذف يسير وتصرف لا يضر.
(٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن صـ ١٨٠.
(٦) كذا في (بر ١) و(ز ٤) و(ز ٨) و(ل) و(ص)، وفي (س) "فإنه لم يكتب على حذف الألف"، وفي (بر ٣) "لعله يضربه" بعد قوله: "فإنه لم يكتب"؛ ليكون "فإنه لم يضربه على حذف السين … الخ) والذي في الوسيلة صـ ٩٣ (وقد حمل بعضَ الكتاب معرفةُ الناس ببسم الله الرحمن الرحيم على حذف السين أيضًا، وفعل ذلك كاتب عمر بن عبد العزيز -﵀- فضربه على ذلك، فقيل له: فيم ضربك أمير المؤمنين؟ فقال: في سين).
(٧) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٩٣).
(٨) من هنا إلى نهاية حديث تعلم زيد السريانية منقول بمعناه وأكثر ألفاظه من الوسيلة صـ ٩٣ - ٩٦.
[ ١٤١ ]
ثابت ومن أضيف إليه من أهل الإتقان والضبط في الرواية والدراية كانوا بمكان عظيم في معرفة الكتابة، وقد اختاره النبي -ﷺ- لكتابة الوحي، فما كتبوا شيئًا عن عدم التحصيل وضعف المعرفة، فإياك أن تسمع قول قائل: لم يكن العرب أهل الكتاب والأقلام، ففي هجائهم ضعف ونقص في الكلام، وربما يحتج بقوله -ﷺ-: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نَحْسُب" (^١) وبأنه -ﷺ- كان لا يكتب؛ فإن عدم كتابته كان زيادة دلالة في معجزته كما حقق في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
وأما بقية العرب فكان الغالب عليهم عدم القراءة والكتابة، والحكم باعتبار الأغلب؛ وإلا فجماعة منهم كانوا أرباب الكتابة وهم في الغاية القصوى في المعرفة والفطانة، وكُتَّابُ رسول الله -ﷺ-: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأُبَيُّ بن كعب، وأبان بن سعيد، وخالد بن سعيد بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان (^٢)، والعلاء بن الحضرمي، وحنظلة بن الربيع -﵃-، وكل هؤلاء كُتَّابُ الوحي لرسول الله -ﷺ-، وكان الزبير بن العوام، وجهم بن الصلت؛ يكتبان أموال الصدقة، وكان حذيفة يكتب خرص النخل، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات (^٣)، ولما دخل المصريون على عثمان ضربه رجل
_________________
(١) رواه البخاري ك: الصوم باب: قول النبي لا نكتب ولا نحسب (١٩١٣). ومسلم ك: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال (١٠٨٠).
(٢) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي؛ أمير المؤمنين ولد قبل البعثة بخمس سنين، ذكره الداني في تاريخ القراء وقال: وردت عنه الرواية في حروف القرآن، توفي في رجب سنة ستين. اهـ مختصرًا من غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ٣٠٣ ترجمة رقم (٣٦٢٥) وانظر: الإصابة ٣/ ٤٣٣ ترجمة رقم (٨٠٦٨).
(٣) ذكرهم جميعًا ابن كثير وترجم لكل منهم وذكر ما يدل على كونه كان من كتّاب الوحي في البداية والنهاية ٨/ ٣٢١ - ٣٥٦ وزاد أبا بكر، وعمر، وأرقم بن أبي الأرقم، وثابت بن قيس بن شمّاس، وخالد بن الوليد، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أبي السرح، وعبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم، وعبد الله بن زيد الأنصاري، والعلاء بن عقبة، ومحمد بن مسلمة، وذكرهم ابن القيم في الزاد ١/ ١١٧ حاشا أبانًا، والعلاء، وجهمًا، وحذيفة، والحصين بن نمير، وزاد على من ذكر هنا أبا بكر، وعمر، وعمرَو بن العاص، وثابت بن قيس بن شمّاس، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم، وللتوسع انظر: "كُتَّابُ النبي -ﷺ- " للأعظمي.
[ ١٤٢ ]
بالسيف على يمينه وبين يديه المصحف وهو يقرأ فرفع يديه وهو يقول: (والله إنها أول كف خطت المفصل بين يدي رسول الله -ﷺ- (^١).
وقال معاوية: قال لي رسول الله -ﷺ-: (يا معاوية: أَلِق الدواةَ، وحرِّف القلمَ، وانصب الباءَ، وفرِّق السين، ولا تعوِّرِ الميم، وحسِّنِ الله، ومُدَّ الرحمن، وجوِّد الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى؛ فإنه أذكر لك) (^٢)، وعن زيد بن ثابت قال: (قال لي رسول الله -ﷺ-: "إنها تأتيني كتب لا أحب أن يعلمها كل أحد فهل تستطيع أن تتعلم السريانية" فقلت: نعم فتعلمتها في سبع (^٣) عشرة ليلة) (^٤) (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري بإسناده من طريق أبي سعيد مولى أبي أسيد. انظر: تاريخ الأمم والملوك ٤/ ٣٨٤.
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ٧/ ١٣٨ ترجمة رقم (٦٧٨٨) محمد بن زكريا وقال: (لكني وجدت له هذا الحديث الباطل) وذكر هذا الحديث بلفظ مقارب، وذكر الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة صـ ٢٩١ الجملة الأخيرة منه؛ "ضع .. " وقال: (لا يصح وقد رواه ابن عساكر عن أنس مرفوعًا، والديلمي عنه أيضًا ولا يصح ذلك)، وأخرجه السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء صـ ١٧٠.
(٣) في جميع النسخ التسع "سبعة" وهو خطأ لغة مع كونه ليس في شيء من روايات الحديث كما سيأتي بيانه.
(٤) رواه الترمذي ك: الاستئذان والآداب عن رسول الله، باب: ما جاء في تعليم السريانية (٢٧١٥) بلفظ: (فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته) وقال: (هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير هذا الوجه عن زيد بن ثابت)، ورواه أبو داود ك: العلم باب: رواية حديث أهل الكتاب (٣٦٤٥) بلفظ: (فلم يمر بي إلا نصف شهر حتى حذقته)، وأحمد في مسند الأنصار: حديث زيد بن ثابت (٢١٠٧٧) بلفظ: (فتعلمتها في سبعة عشر يوما)، و(٢١١٠٨) بلفظ: (خمس عشرة ليلة)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود وصحيح الترمذي.
(٥) هنا نهاية النقل من الوسيلة المُنَوَّهِ عنه قريبًا.
[ ١٤٣ ]
هذا، وقيل: من قرأ بالحذف في ﴿مَالِكِ﴾ وافق الرسم، ومن قرأ بالإثبات اعتمد على مجرد النقل، فعلم بهذا أن أعظم أركان القراءة هي الرواية المتواترة، ثم موافقة الرسم في الكتابة، ثم موافقة القاعدة العربية، ثم الظاهر أنه (^١) أراد بقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (^٢) احترازًا عما في غير الفاتحة، (^٣) (لكن ذكر أبو عمرو حذف الألف أيضًا في قوله تعالى: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] في جميع المصاحف فكان ينبغي أن يذكره الناظم فهو نقص في العقيلة؛ إذ مقتضى ذلك أن ما عداه يكتب على لفظه وقد قال في رجزه:
وحذفوا من صالح ومالكْ … وخالد (^٤)
فأشار إلى حذف ألف فاعل في الأعلام، وأما الكتابة في الصراط على لفظه.
وقال ابن قتيبة (^٥): ما كان من الأعلام المنقولة من الصفات على فاعل، وكثر استعماله نحو: مالك، وصالح، وخالد فحَذْفُ ألفِه أحسنُ من إثباتِه، فإن حُلِّيَتْ باللام تعيَّنَ الحذفُ كالحرث، أو قَلَّ استعماله نحو: جابر وحاتم تعين الإثباتُ) (^٦) كما حققه الأثبات.
أقول: فلو قال:
بالحذف مَالِك في القرآن مقتصرًا؛
لَشَمِلَ: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ و﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].
_________________
(١) أي: الشاطبي.
(٢) أي: في قوله: وقل بالحذف مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مقتصرًا.
(٣) من هنا إلى قوله تعين الإثبات منقول بمعناه وأكثر ألفاظه من الجميلة صـ ٨٧ - ٨٨.
(٤) تمامه كما في الجميلة صـ ٨٨: فَمَيِّزَنَّ ذلكْ.
(٥) أدب الكاتب صـ ١٦١.
(٦) نهاية النقل من الجميلة المُنَوَّه عنه قريبًا.
[ ١٤٤ ]
ثم اعلم أن ما ذكره ابن قتيبة محمول على القواعد العربية، وأما في الرسم؛ فالأعلام المنقولة نحو: مالك وصالح فمحذوف الألف بلا خلاف (^١)، بخلاف "صالحًا" و"خالدًا" حال كونهما وصفًا؛ فإنه لا خلاف في إثبات ألفهما (^٢)، وأما ما ذكره الحافظ طاهر الأصبهاني (^٣) في رسالته الموضوعة في رسم القرآن: أن كل ما جاء مالك وصالح وخالد بحذف ألفه فليس على إطلاقه في صالح وغير صحيح في خالد؛ إذ لم يوجد في القرآن خالد علمًا.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر بقية ما حذف من الفاتحة هنا مثل الألف من ﴿اللَّهُ﴾ ومن ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ومن ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ومن ﴿الضَّالِّينَ﴾ على أن فيه خلافًا؟
قلت: لأن ما لم يذكر غير مختص بالفاتحة فأخر إلى باب الحذف في كلمات يحمل عليها أشباهها (^٤).
فإن قيل: ﴿الصِّرَاطَ﴾ أيضًا لا يختص بالفاتحة؟
فالجواب: أنه لم يجعل بابًا لما رسم بحرف بدل حرف ليؤخر الصراط إليه بخلاف ما تقدم والله تعالى أعلم.
_________________
(١) كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] و﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] و[هود: ٦١].
(٢) هذا على مذهب الداني حيث خصَّ الحذف بالأعلام أما على مذهب أبي داود فهي محذوفة فيهما علمًا أو وصفًا، وهو الذي عليه العمل، كما في قوله تعالى: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤ و٩٣] و[التوبة: ٦٣] وقوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢] و[المائدة: ٦٩] و[الكهف: ٨٨] و[مريم: ٦٠] و[طه: ٨٢] و[الفرقان: ٧١] و[القصص: ٦٧ و٨٠] و[سبأ: ٣٧] و[فصلت: ٣٣].
(٣) أبو الحسين فخر الدين طاهر بن عرب بن إبراهيم بن أحمد الأصبهاني، ولد فيما أخبر في ٧ محرم سنة ٧٨٦). اهـ مختصرًا من غاية النهاية ١/ ٣٣٩ الترجمة رقم (١٤٧٦)
(٤) بعد شرح البيت (١٢٨).
[ ١٤٥ ]