يقرأ البيت بصلة ميم الجمع، وضبط ﴿مَسَاكِينَ﴾ بالرفع على الحكاية (^١)، وبالنصب (^٢) وهو الأظهر لاشتماله على الحكاية (^٣) والإعراب لأنه عطف على ما قبله وهو مجرور (^٤)، اللهم إلا أن يُجعَلَ مبتدأً خبرُه: "جرى"؛ أي: جرى الرسم بالحذف في المبنى فإنه باعتبار المعنى أحرى؛ إذ لم يوجد الألف في ﴿مَسَاكِينَ﴾، والأساس في السليقة أن ينوَّن ﴿مَسَاكِينَ﴾ للضرورة، ثم الضمير في احذفهما مفسر بما بعده كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (^٥) [فصلت: ١٢].
والمعنى: احذف الألفين الملفوظين كما دل عليه قوله: "بالحذف مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وأراد بهما اللذَيْنِ بعد همز الوصل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢]، فالمحذوفان الألف الذي بعد الدال،
_________________
(١) أي: حكاية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: ٨] فإنه لم ترد هذه الكلمة مرفوعة في غير هذا الموضع.
(٢) أي: الفتح.
(٣) أي: حكاية قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقوله: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور: ٢٢] فإنه لم ترد هذه الكلمة منصوبة في كتاب الله في غير هذين الموضعين.
(٤) فيكون مجرورًا مثله وعلامة جره الفتح لأنه ممنوع من الصرف لكونه على صيغة منتهى الجموع مفاعيل.
(٥) أي: كما أن كلمة ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ في الآية فسرت الضمير (هن) في ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ فكذلك الضمير (هما) في قوله: واحذفهما مفسر بما بعده أي: الألف التي بعد الدال والتي بعد الراء صورة الهمزة في ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وقال السخاوي صـ ٩٦: ("واحذفهما" يعني: الألفين، ودل عليهما قوله "بالحذف مالك يوم الدين" وليس إلا حذف الألف)، والصحيح ما ذكره المؤلف.
[ ١٤٦ ]
والهمز الذي بعد الراء ففيه تغليب (^١)، أو الألف يطلق على اللينة وغيرها (^٢)، وإنما حذفا دون همزة الوصل استغناء باللفظ عن الحذف بخلاف همزة الوصل فإنه لو حذف لم يبق ما يدل عليه لا في اللفظ ولا في الخط، واستُثْنِيَ منه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لما سبق (^٣) من أنه جاز لكثرته، أو لدلالة طول الباء المعروف، عوضًا عن الألف المحذوف.
ثم اعلم أنه لم يقرأ أحد من السبعة (^٤) بحذفهما (^٥) حتى في وقف حمزة على الهمزة بالرسم أيضًا؛ لأن حذف الألف لا يجوز؛ إذ لم يكن عن همز مطلقًا كـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾، و﴿الْكِتَابُ﴾ وأمثالهما، وأما حذف الهمز (^٦) فلأنه يصرف المبنى ويحرف المعنى.
نعم قرأ حمزة وقفًا بإبدالها ألِفًا؛ قياسًا لا رسمًا، ولهذا قال السخاوي: (وأما المحذوفتان فالثانية منهما هي صورة الهمزة، وحذفتا لأن موضعهما معلوم غير مجهول، ولم يمكن النطق بالكلمة إلا بهما؛ فحذفتا اختصارًا وتخفيفًا؛ إذ لو كتبت لاجتمعت الأمثال (^٧) وذلك مكروه لما في صورة التكرار من الاستثقال، قال: وفي حذفهما أيضًا تنبيه على أن اتباع الخط ليس
_________________
(١) أي: على الرغم من عدم تسمية الهمزة ألفًا فإنه أطلقها عليها هنا تغليبًا كما يقال الأسودان للتمر والماء، والقمران للشمس والقمر ونحو ذلك.
(٢) هذان هما السببان أو أحدهما لإطلاق الألف على الهمزة كما سيتكرر في هذا الكتاب كثيرًا.
(٣) في شرح البيت (٤٦).
(٤) بل ولا بقية العشرة.
(٥) أي: حذف الألفين في ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ وفاقًا للرسم.
(٦) أي: التي بعد الراء.
(٧) حيث تتوالى ثلاث ألفات في كلمة واحدة؛ أولها بعد الفاء، وثانيها بعد الدال، وثالثها بعد الراء، وهذه صورتها "فادارأتم".
[ ١٤٧ ]
بواجب (^١)؛ فيقرأ القارئ بالإثبات في موضع الحذف، وبالحذف في موضع الإثبات، إذا كان ذلك من وجوه القراءات، ولم يذكر في المقنع حذف الألفين، وإنما قال في المقنع (^٢): المتفق عليه ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ بغير الألف ولم يحذف إلا التي هي صورة الهمزة والصحيح ما ذكره صاحب القصيدة) (^٣).
كذا قاله السخاوي وهو مُوهِمٌ أن فيه شيئًا من الزيادات وليس كذلك (^٤)؛ لأن مؤدَّى ما ذكراه واحد هنالك، فتأمل يظهر لك الزلل؛ فإن قوله: بغير ألف أفاد حذف الألف الأول، وقوله: ولم يحذف إلا التي هي صورة الهمزة مشيرًا إلى حذف الألف الثاني مع ما فيه من الاحتراز عن همزة الوصل، فإنها ليست صورة الهمزة في الأصل، ولذا لم يُكْتَب دائمًا إلا بالألف (^٥)، ثم قوله: "هنا" المراد به سورة البقرة كما يدل عليه الترتيب وهو قيد لـ" مَسَاكِينَ " لا لـ"ادَّ ارَءْتُم" أيضًا ففيه احتراز عما في سورة المائدة [آية: ٩٥] في قوله تعالى ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ فإنه سيذكره في محله (^٦) لكن لو قال معًا بدل "هنا" لوَفَّى إلا أنه كان يفوته الإجماع هنا والخلاف هناك (^٧).
_________________
(١) أي: في القراءة لا في كتابة المصاحف كما يدل عليه بقية كلامه.
(٢) صـ ٢٦ ونصه: (واتفق جميعها على حذف الألف التي هي صورة الهمزة في قوله في البقرة "فادرءتم" لا غير).
(٣) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٩٧).
(٤) بل هو كذلك فالصواب ما ذكره السخاوي فيكون من زيادات القصيدة على المقنع، وسبب تعقب القاري على السخاوي أنه اكتفى بالنظر في نقل السخاوي عن المقنع ولو رجع إلى عبارة المقنع التي نقلناها قريبا لما قال ما قال.
(٥) تقدم قريبًا أن هذا الذي يستدل به الهروي على أن الداني قد نص على حذف الألف الأولى وبنى عليه تغليط السخاوي لا وجود له في عبارة الداني في المقنع.
(٦) في البيت رقم (٦٠).
(٧) هنا: أي: في البقرة حيث حَذْف ألفِ " مَسَاكِينَ " فيها بإجماع نقلة الرسم مع اختلاف القراء فيها جمعًا وإفرادًا، وهناك: أي: في المائدة حيث حَذْفُ ألفها بخلافٍ بين المصاحف كما بينه في شرح البيت رقم (٦٠) مع اتفاق القراء على قراءته بالجمع كما سيأتي في كلام الشارح في هذا البيت.
[ ١٤٨ ]
فالمعنى: واحذف الألف من مَسَاكِينَ في سورة البقرة [آية: ١٨٤] لأجل الرسم، وهو قوله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾؛ فمن السبعة من قرأ بالحذف على أنه مفرد (^١) فقد وافق الرسم، ومن قرأ بإثبات الألف وهو نافع والشامي (^٢) فقد حذفها تخفيفًا وهو جمعٌ حينئذ.
أما في المائدة فأجمعوا على جمعه في القراءة (^٣) مع اختلافهم في الكتابة ولعل الناظم لهذا أفرده.
وأما قوله: "ومعًا يُخَادِعُونَ " فأراد به جنسَ ما وقع في السورتين؛ حيث وقع هنا في سورة البقرة [آية: ٩] موضعان وهما ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ وموضع في سورة النساء [آية: ١٤٢] وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ فالثلاثة مرسومة بحذف الألف مع الإجماع على إثبات الألف في النساء والأول من البقرة (^٤).
وأما الثاني فيها (^٥) فالكوفيون وابن عامر (^٦) على حذفها والباقون على إثباتها (^٧)، وأغرب السخاوي حيث قال: (وقوله: "ومعًا يُخَادِعُونَ " من زياده
_________________
(١) وهم: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. انظر: النشر ٢/ ٢٢٦، والكشف ١/ ٢٨٢.
(٢) انظر: النشر ٢/ ٢٢٦، والكشف ١/ ٢٨٢.
(٣) وهي قوله تعالى ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ آية (٩٥) انظر: النشر (٢/ ٢٥٥).
(٤) قراءةً لا رسمًا، قال في النشر ٢/ ٢٠٧: (واتفقوا على قراءة الحرف الأول هنا يخدعون وفي النساء كذلك).
(٥) كذا في (س) و(بر ١) و(ص) و(ل)؛ أي: في البقرة، وفي (ز ٨) "فيهما" فمعناه في موضعي البقرة، وفي (ز ٤) "منها" فمعناه من البقرة، فالكل محتمل.
(٦) هو عبد الله بن عامر اليحصبي؛ إمام أهل الشام في القراءة، أخذ القراءة عرضًا عن أبي الدرداء وفضالة بن عبيد، توفي سنة ١١٨. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٨٢ ترجمة رقم (٣٣).
(٧) وفي (ز ٤) "فالكوفيون وابن عامر على إثباتها والباقون على حذفها" والصواب عكسه وكذا هو في سائر النسخ، وانظر: النشر ٢/ ٢٠٧، والكشف ١/ ٢٢٤.
[ ١٤٩ ]
هذه القصيدة على المقنع؛ لأن المقنع لم يذكر فيه إلا الحذف في الأول ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ لأنه قال في المتفق عليه الذي رواه عن نصير وكتبوا ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بغير ألف، -وكذلك ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا﴾، وكذلك في النساء ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ بغير ألف (^١) - والذي ذكره صاحب القصيدة صحيح، والمصاحف متفقة على حذف الألفين في الحرفين جميعًا) (^٢) انتهى.
ولا يخفى وجه غرابته، إذ اتفقا في كل من المواضع الثلاثة على كتابته (^٣)،
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، وفي نسخة (ز ٨) (وكذلك رأيته في كتاب محمد بن عيسى الذي ذكر فيه ما قرأه على نصير "يخدعون الله" بغير ألف) مكان ما بين العارضتين، وهذا هو المطابقُ لما في شرح السخاوي لهذا البيت صـ ٩٨، ولم يشر محقق الوسيلة لاختلاف في نسخها في هذا الموضع، والمطابق أيضًا لما نقله الجعبري في الجميلة صـ ٩٠ عن الوسيلة، وقال المُحَشِّي عليه - أي: على شرح المُلّا - (هكذا وجدت من السخاوي؛ لكن الواقع في نسخ الشرح نقلا عن السخاوي: وكذلك "يخدعون" الأول وكذلك النساء "يخدعون الله" بغير ألف. والله أعلم). قلت: ولعل هذا هو سبب دعوى القاري على السخاوي بالإغراب وتَعَقُّبِه عليه بقوله: (ولا ويخفى وجه غرابته إذ اتفقا -أي: المقنع والعقيلة- في كل من المواضع الثلاثة على كتابته)، وبمراجعة شرح السخاوي يتبين أنهما لم يتفقا على كتابته في المواضع الثلاثة حيث نقل السخاوي عن المقنع الموضع الأول فقط، وأقول أخرى: ولعل سبب دعوى السخاوي هذه؛ أن الموضع الأول من البقرة هو الذي ذكره في المقنع من رواية نصير، أما الموضع الثاني من البقرة وموضع النساء فهما من قول أبي عمرو لا من رواية نصير حيث قال في المقنع صـ ٨٤: (قال أبو عمرو وكذلك كتبوا الحرف الثاني "وما يخدعون إلا أنفسهم" وكذلك كتبوا في النساء [آية: ١٤٢] ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وكذلك كتبوا ﴿قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ في المائدة [آية: ١٣] و﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ في الزمر [آية: ٢٢]، قال نصير: وكتبوا ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ بغير ألف) فمن قوله "قال نصير" عاد إلى سياق رواية نصير، والله أعلم. يبقى أن نقول: إن دعوى السخاوي أن هذا من زيادات العقيلة على المقنع غير صحيحة حتى على هذا الوجه لأن العقيلة ليست نظمًا لما ذكر المقنع الاتفاق عليه ولا مختصة بنظم رواية نصير فقط بل هي نظم للمقنع، أو يكون سبب دعواه هذه اختلاف النسخ كما اعتذر به له الجعبري في الجميلة والله أعلم.
(٢) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٩٨).
(٣) قال الجعبري في الجميلة صـ ٩٠ في شرح هذا البيت بعد أن نقل كلام السخاوي هذا على غير ما نقله عنه القاري؛ بل مقتصرًا على الأول من البقرة ما نصه: (قلت: ورأيت في نسخة بالمقنع مقروءة: وكذا كتبوا -أي بالحذف- الحرفَ الثاني"وما يخدعون إلا أنفسهم" ويحمل هذا على اختلاف النسخ، وأيضًا قال في الباب الثاني "وما يخْدَعون" بلا ألف، والأولى جَعْلُ معًا هنا بمعنى جميع على حد قول ابن بريدة: إذا حنت الأولى سجعن لها معًا ليندرج فيه ما في النساء ويخرج عن عهدة المقنع إذ قال فيه بعده وكذا كتبوا في النساء ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾) اهـ. وبالحمل على اختلاف النسخ اعتذر الجعبري للسخاوي حين نفى ذكر ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ [الأحزاب: ٤] في المقنع كما سأنقله عنه في شرح البيت (١٠٣) إن شاء الله.
[ ١٥٠ ]
غايته أن المتوسط هو المختلف في قراءته، والأول والثالث مجمع على إثبات الألف في روايته (^١)، والله أعلم.