أخرج أبو عمرو الداني بسنده (عن نافع ابن أبي نعيم المدني قال الألف غير مكتوب؛ يعني في المصاحف فذكر منها: ﴿وَاعَدْنَا﴾ ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ [طه: ٨٠] حيث وقع (^١)، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] و﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] و﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤ والجاثية: ٥] و﴿تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]) (^٢) ثم ألف"اعْتُبِرا" للإطلاق، وضميره للألف على تقدير مضاف؛ أي: "اعْتُبِر" حذفُ ألفِ ما ذكر، والتقدير: ونَقْلُ "نافعٍ" ما ذكر هنا "اعْتُبِر"، ولو قرئ بصيغة الفاعل له وجهٌ؛ أي: "نافع اعتَبر" حذفَ الألفاتِ هنا، ولا مفهوم له؛ إذ بقية الرسومِ موافقةٌ له.
ثم اعلم أن قيد "هنا" واقع لـ"تَفْدُوهُمْ" فباقي الأمثلة تحت عموم "حيث"، إلا أن "خَطِيئَات" هنا أضيف إلى الضمير المفرد، وفيما عداه إلى ضمير الجمع خطابًا (^٣) أو غيبة (^٤) وهو داخل تحت عموم قاعدة حذف الألف من جمع المؤنث السالم على ما سيجيء (^٥)، وأما ما ذكره السخاوي (^٦) من أن
_________________
(١) لم يقع في القرآن إلا في ثلاثة مواضع؛ قال في النشر ٢/ ٢١٢: (واختلفوا في ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ هنا [أي البقرة: ٥١] و[الأعراف: ١٤٢]، وفي [طه: ٨٠] ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ﴾ فقرأ أبو جعفر والبصريان بقصر الألف؛ من الوعد، وقرأ الباقون بالمد؛ من المواعدة) وانظر: الكشف ١/ ٢٣٩.
(٢) المقنع صـ ١٠.
(٣) وهو قوله تعالى في [الأعراف: ١٦١]: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾.
(٤) وهو قوله تعالى في [نوح: ٢٥]: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾.
(٥) في شرح البيت (٦٦) حيث حكى (إجماعهم على تعميم حذف الألف من جمع المؤنث السالم جميعِه) وشرح البيت (٦٩) حيث قال عن"كلمات": (وهو داخل في عموم حذف ألف جمع المؤنث السالم سواء كان مضافًا إلى ضمير أم لا) ونحوه في شرح البيت (٨٠) و(٨٨).
(٦) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ١٠٧) ونصه: (وقوله: "هنا" يعني في البقرة اعتبر "الرِّيحِ" و" الصَّاعِقَةُ " وأما "تَفْدُوهُمْ" فلم يقع إلا في البقرة فليس قوله: "هنا" من أجل "تَفْدُوهُمْ" إنما هو من أجل " الصَّاعِقَةُ " و"الرِّيحِ").
[ ١٥٧ ]
قوله: "هنا" ليس من أجل "تَفْدُوهُمْ" إنما هو من أجل "الصَّعْقَةُ" و"الرِّيحِ" مع أن الحصر ليس بصحيح (^١)؛ فمبني على أن ألفه للتثنية (^٢)، ولا يخفى بُعْدُه عن القواعد العربية حيث فصل بقوله: "تَفْدُوهُمْ".
ثم اعلم أن حذف الألف إنما هو لاختلاف القراء في هذه الكلمات كما سبق في ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، إلا أن "الصَّعْقَة" لم يقرأ أحد من السبعة (^٣) هنا بحذف ألفها بخلاف ما في الذاريات (^٤) لقراءة الكسائي فيها (^٥)، نعم يجوز أن تكون مرسومةً على قراءة ابن محيصن، وكانت قراءتُه مشهورةً وانقطع تواترُها بعده، فإنها تُرْوَى عن علي وعائشة وابن الزبير وقرأ بها أبو رجاء (^٦) وأبو العالية (^٧) وقتادة والنخعي (^٨)، هذا وحَذْفُ العاطفِ في مواضع من البيت
_________________
(١) أي: حصرها بهما دون غيرهما من الكلمات الواردة في البيت قبلهما وبعدهما ليس بصحيح.
(٢) أي: ألف اعْتُبِرا.
(٣) بل ولا بقية العشرة.
(٤) وهو قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤].
(٥) قال في النشر ٢/ ٣٧٧: (فقرأ الكسائي"الصَّعْقَة" بإسكان العين من غير ألف، وقرأ الباقون بكسر العين وألف قبلها) وانظر: الكشف ٢/ ٢٨٨.
(٦) العطاردي؛ عمران بن تيم البصري، أخذ القراءة عرْضًا عن ابن عباس، وتلقن القرآن من أبي موسى ولقي أبا بكر، كان يختم القرآن في كل عشر ليال، مات سنة ١٠٥ وله ١٢٧ سنة. اهـ من معرفة القراء الكبار ١/ ٥٨ ترجمة رقم (١٧).
(٧) الرياحي؛ رفيع بن مهران البصري؛ مولى امرأة من بني رياح بن يربوع، أسلم في خلافة أبي بكر ودخل عليه وصلى خلف عمر، أخذ القراءة عرْضًا عن أبيّ وزيد بن ثابت وابن عباس، قرأ عليه الربيع بن أنس والأعمش، كان إمامًا في القرآن والتفسير والعلم والعمل مات سنة ٩٠ وقيل سنة ٩٣. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار (١/ ٦٠) ترجمة رقم (١٩).
(٨) رواها الطبري في تفسيره (٢٧/ ٦) بسنده عن عمر -﵁-، وعزاها إلى الكسائي، وعزاها القرطبي (١/ ٤٠٤) إلى عمر وعثمان وعلي وقال: (وهي قراءة ابن محيصن في جميع القرآن)، وفي (١٧/ ٥١) زاد عزوَها إلى حميد ومجاهد والكسائي، وعزاها في مختصر ابن خالويه صـ ١٣ إلى علي، وفي المحرر الوجيز (١/ ٢٢٥) إلى عمر، والقرطبي في أحكام القرآن إلى عثمان. وانظر: الدر المنثور ٢/ ٧٢٦، وتفسير أبي السعود (٢/ ٢٤٩) و(٨/ ١٤٢)، وفتح القدير ١/ ٨٧ و٥/ ٩١، وروح المعاني ٦/ ٦، والإتحاف صـ ١٣٧.
[ ١٥٨ ]
للضرورة.
ثم اعلم أن قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ اختلف في تلاوته فقرأ نافع بإثبات الألف على صيغة الجمع والباقون بحذفها (^١)؛ فنقل نافع حذف الألف من هاتين الكلمتين مع قراءته بإثباتها فيهما ليعلم أن القراءة إنما هي بالنقل والرواية لا اعتمادًا على مجرد الرسم أي: رسم الكتاب، وأما الهمز في "خَطِيئَتُهُ" مطلقًا فليس له صورة أصلًا، وكذا إذا لم تكن مضافة، وأما "الريح" فقرأ حمزة والكسائي بالإفراد (^٢)، وأما ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ بإثبات الألف فقراءة نافع وعاصم (^٣) والكسائي (^٤)، فـ ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ بضم التاء، لأنه من باب المفاعلة، و"تَفْدُوهُمْ" بفتحها؛ لأنه من الفدية فهو من باب فدى يفدي كرمى يرمي.