بني "بعدُ" على الضم لحذف المضاف إليه مَنْويًّا، وأتى بالفاء على تقدير أما وتعبيرها، أو على توهُّمِ تقريرِها وتحريرِها، أو لئلا يتوهم إضافةُ "بعدُ" إلى
_________________
(١) مقصوده بلفظ التلاوة: (الحمد لله).
(٢) وذلك في قول الشاطبي (أحمده …) الخ.
(٣) انظر: الجميلة صـ ١٧.
(٤) ليس تكرار الحمد -ولو من كل وجه تكرارًا محضًا- شيئًا يُعْتَذَرُ منه، فقد صنعه الشافعي في مقدمة الرسالة، وهو محتج بلغته، وحسبك فصاحتُه، وصنَعَه غيرُه، انظر: مقدمة الرسالة بتحقيق أحمد شاكر صـ ٧ - ٨.
[ ٦٧ ]
ما بعدُ في تحبيرها (^١).
وأما قول الشارح: (فالفاء فيه زائدة كما في قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (^٢) [المدثر: ٣ - ٧]) (^٣)؛ فالمحققون لم يرضوا بالزيادة في كلامه سبحانه من غير فائدة ولذا قال القاضي (^٤): (الفاء فيه وفيما بعده لإفادة معنى الشرط فكأنه قال وما يكن من شيء فكبر ربك) (^٥) انتهى. والمعنى: فعظم ربك بقولك: "الله أكبر" وما في معناه من قوله: الله أجل وأعظم ونحوه في مبناه.
و"السبب": كل ما يتوصل به العبد فيما كسب أو اكتسب، و"سَنَنُ" الطريق؛ مثلثةٌ وبضمتين (^٦)؛ نَهْجُهُ وجِهَتُهُ، والروايةُ بفتحِهِما، وجوَّزَ الشارحُ ضمَّهما (^٧)، ويجوز ضمُّ السينِ وفتحُ النونِ الأُولى على أنه جمعُ سُنَّةٍ وهي الطريقة الأولى، و"مُختصِرا" بكسر الصاد حال من الضمير في "يهدي"، قال الشارح: (لا من المرسوم؛ لأنه لا يقع فيه الاختصار) (^٨) وفيه أنه يلزم من اختصار السبب اختصار المرسوم، مع أنه لا شبهة في أن هذه القصيدة مختصرة من الكتب المبسوطة، على أنه فرق بين الاختصار والاقتصار (^٩).
_________________
(١) لما كانت الفاء إنما يؤتى بها بعد "أما بعد" وقد جيء بها هنا مع كونها "وبعد" بين الشارح أن الحامل للناظم على المجيء بها أحد ثلاثة أمور: أ- على تقدير أمَّا، ب- أو على توهمها، جـ- أو لئلا يتوهم إضافة بعد إلى ما بعدها فتصير (وبعدَ المستعانِ).
(٢) في نسخة (ز ٤) إلى قوله (فاهجر) وفي سائر النسخ إلى قوله (فاصبر) دون ذكر (ولا تمنن تستكثر) لخلوها من موضع الشاهد.
(٣) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٢٣).
(٤) عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي، صاحب المنهاج في أصول الفقه ومختصر الكشاف في التفسير وغيرها. اهـ مختصرا من طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٥٩. وذكر السيوطي في بغية الوعاة: أنه توفي عام ٦٨٥ اهـ.
(٥) انظر: "أنوار التنزيل" للقاضي البيضاوي (٢/ ٥٤١).
(٦) مراد المؤلف ما ذكره صاحب اللسان ١٣/ ٢٢٦ بقوله: (وسَنَنُ الطريق وسُنَنُه وسِنَنُه وسُنُنُه؛ نهجه).
(٧) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٢٣).
(٨) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٢٢).
(٩) قال أبو هلال العسكري في الفروق صـ ٣١: (الاختصار: هو إلقاؤك فضول الألفاظ من الكلام المؤلَّف من غير إخلال بمعانيه … والاقتصار: تعليق القول بما يحتاج إليه من المعنى دون غيره مما يستغنى عنه) وقال الجرجاني في التعريفات صـ ١٧٥: (والقصر في الاصطلاح: تخصيص شيء بشيء وحصره فيه، ويسمى الأمر الأول مقصورًا والثاني مقصورًا عليه).
[ ٦٨ ]
ومعنى الجملة: أنَّ بعد الحَمْدَلَةِ والتَّصْلِيَةِ (^١) فالمطلوب منه الإعانة في تحصيل سبب يدل ويشير إلى معرفة طريق مرسوم المصاحف العثمانية في حال الاختصار بضبط القواعد الكلية، المندرج تحتها المسائل الجزئية، إذ لا يتم أمر إلا بمعونة الله تعالى في تكميل القضية، كما يشير إليه قوله تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ أي: نَخُصُّك بالعبادةِ والعبوديةِ، ونخصك بالاستعانةِ في الأمورِ الدينيةِ والدنيويةِ، ولله درُّ من قال من أرباب الحال، شعر:
إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول ما يجني عليه اجتهاده (^٢)
وقال آخر من أرباب الكمال، شعر:
من لم يكن للوِصالِ أهلًا … فكلُّ طاعاتِه ذنوبُ
ففي الآية الشريفة رد على الجبرية (^٣) والقدرية (^٤) وإيماءً إلى مرتبة الجمع (^٥) المعتبرة عند السادة الصوفية (^٦).
_________________
(١) قال الجوهري في الصحاح (٦/ ٢٤٠٢): (والصلاةُ: واحدة الصَلَواتِ المفروضة، وهو اسم يوضع موضع المصدر. تقول: صليت صلاة، ولا تقل تَصْلِيَةً … ويقال أيضًا: صَلَيْتُ الرجل نارًا، إذا أدخلته النار وجعلته يَصْلاها، فإن ألقيته فيها إلقاءً كأنَّك تريد إحراقه قلت: أَصْلَيْتُهُ بالألف، وصَلَّيْتُهُ تَصْلِيَةً)، وقد قال تعالى: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤].
(٢) عزاه التنوخي في كتابه الفرج بعد الشدة (١/ ١٧٧)، والراغب الأصفهاني في محاضرات الأدباء (١/ ٥٣٢) إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁-، وذكره اللبيب في (الدرة الصقيلة صـ ١٦٦) في شرح البيت نفسه من الرائية وعزاه إلى النميري.
(٣) وجهه: أنه أسند الطاعة (وهي العبادة) للمخلوق خلافًا لما زعمته الجبرية من أن لا فعل للعبد.
(٤) وجهه: أنه سأل الله المعونة، فعلم أنه لا استقلالَ للعبد بفعلٍ دون مشيئةِ اللهِ، خلافًا لما زعمته القدرية، من استقلال العبدِ وخلقِه أفعالَ نفسِهِ مخالفين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقوله -ﷺ-: (إن الله صنع كل صانع وصنعته).
(٥) على حد قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].
(٦) بل عند سلف الأمة وأئمتها.
[ ٦٩ ]