بفتح المثلثة أي: غلب غيرَها من المصاحف في إثبات ألفها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] كما نطق به على أنه منصوب بالاستثناء، وبه قرأ ابن عامر، والباقون بحذف الألف (^٦) على أنه مرفوع بالبدل (^٧)، ولو قال:
_________________
(١) المقنع صـ ١٠٢.
(٢) كذا في (س) و(بر ١) و(ل) و(ز ٤)، وفي (ص) "و" وبدل "أو"، وفي (ز ٨) "أي".
(٣) فقرأ نافع وابن عامر بلا واو قبل السين، وقرأ بقية السبعة بالواو. انظر: النشر (٢/ ٢٤٢)، والإقناع (٢/ ٦٢٢)، والكشف (١/ ٣٥٦).
(٤) انظر: النشر (٢/ ٢٤٥)، والإقناع (٢/ ٦٢٤)، والكشف (١/ ٣٧٠).
(٥) المقنع صـ ١٠٢، ١٠٣، ١١٠.
(٦) انظر: النشر ٢/ ٢٥٠، والإقناع ٢/ ٦٣٠.
(٧) انظر: الكشف ١/ ٣٩٢.
[ ١٧٦ ]
ونصب شام قليلًا منهم كثرا (^١)؛ لظهر أمره بلا مِرا، لاشتماله على كتابة الشامي وقراءته، ثم يجوز ضم المثلثة في "كثرا" أيضًا أي: كثر نقله، لا يقال: "نصب شام" يوهم أنه أراد به القراءة؛ لأنا نقول: هذا الكتاب موضوع لبيان رسم الكتابة، ويتزن البيت بضم ميم الجمع.
وأما قوله: " وَبِالْكِتَابِ " فمعطوف على وَبِالزُّبُرِ، والتقدير: " وَبِالْكِتَابِ " "رسم الشامي" والحال أنه قد ثبت الخلاف في إثبات ألفه وحذفه (^٢) رسمًا وكتابةً (^٣)، وكذا اختلف فيه عن ابن عامر قراءةً فأثبت عنه هشام (^٤) روايةً.
ثم اعلم أن (^٥) (جميع ما في هذا الحديث وما قبله مما ذكره أبو عمرو في المقنع (^٦) وقال: إنه سمع من غير واحد من شيوخه أن في مصاحف المدينة والشام - ﴿سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] بغير واو قبل السين، وفي سائر
_________________
(١) يعني بدل قوله في البيت: وَرَسْمُ شامٍ قَلِيلًا منهمُ كَثَرَا.
(٢) بل ثبت الاتفاق على حذف ألفه لأنه ليس من المواضع الأربعة المستثناة في الرعد والحجر والكهف والنمل التي سيأتي بيانها في"باب الحذف في كلمات يحمل عليها أشباهها" شرح البيت (١٤٣)، فلعله سبق قلم من الشارح إذ الحديث هنا في إثبات الباء في " وَبِالْكِتَابِ " لا الألف بدليل بقية كلامه؛ إذ ابن عامر قرأ: " وَبِالْكِتَابِ "؛ بإثبات الباء كما في مصحف الشام، ولم يقرأ بحذف الألف من"كتاب"في هذا الموضع أحد من العشرة لا ابن عامر ولا غيره.
(٣) قوله "رسمًا وكتابةً" من باب عطف الشيء على نفسه لأن الرسم هو الكتابة، ومن أمثلته في كتاب الله ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٤].
(٤) في بعض النسخ (ابن ذكوان) والصحيح ما أثبتناه كما في النشر ٢/ ٢٤٥، ٢٤٦، والإقناع ٢/ ٦٢٤.
(٥) من هنا منقول من الوسيلة للسخاوي صـ ١٢٧ - ١٢٨.
(٦) في باب: ذكر ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز والعراق والشام المنتسخة من الإمام بالزيادة والنقصان، صـ ١٠٢ - ١١٤.
[ ١٧٧ ]
المصاحف ﴿وَسَارِعُوا﴾ (^١)، ثم ذكر (^٢) بسنده (^٣) عن علي بن حمزة الكسائي قال: اختلف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام؛ فأهل المدينة والشام- (^٤) ﴿سَارِعُواْ﴾ بغير واو، وأهل الكوفة والبصرة بالواو) انتهى (^٥).
ولا يخفى أن في الأصل (^٦) ليس في (^٧) ذكر مصحف أهل مكة فهو من الزائد والله تعالى أعلم (^٨).
ثم (^٩) (قال أبو عمرو: وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ بزيادة باء في الموضعين في مصحف (^١٠) أهل الشام، وأسنده بإسناده المتصل إلى ابن عامر وكذا إلى أبي الدرداء (^١١)، وقال أبو عمرو أيضًا: ورأيت هارون بن موسى الأخفش يقول في كتابه: الباء زيدت في الإمام الذي وجه به إلى الشام في قوله ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾
_________________
(١) المقنع صـ ١٠٢.
(٢) الضمير في قوله "ذكر" يعود إلى السخاوي لا إلى الداني كما توهمه عبارة المؤلف لأن هذا الخبر ليس موجودًا في المقنع، بل في الوسيلة كما سيأتي، ولعل سبب ذلك كونه نقل كلام الداني من الوسيلة للسخاوي فاسترسل بقوله "ذكر" مع أنه لم يشر إلى السخاوي حتى يعيد الضمير إليه، وهذا الكلام الذي ذكره المؤلف موجود في شرح البيت (٦١) من الوسيلة صـ ١٢٧ - ١٣٠.
(٣) أي: سند السخاوي من طريق ابن أبي داود في المصاحف بسنده إلى علي بن حمزة. انظر: المصاحف ٢/ ٤٩. وأما سند السخاوي إلى ابن أبي داود فقد أشار إليه في هذا الموضع بقوله: "وحدثني أبو المظفر بن فيروز بالسند المقدم"وذكر السند بتمامه في شرح البيت (٩) صـ ٣٤ وفي المقدمة صـ ٧.
(٤) ما بين العارضتين سقط من نسخة (بر ٣).
(٥) أي: كلام السخاوي في الوسيلة صـ ١٢٨.
(٦) مراده بالأصل: المقنع الذي سبقت الإشارة إليه.
(٧) كلمة "في" ليست موجودة في نسخة (بر ٣).
(٨) هذه العبارة فيها ركاكة ومراده أن مصحف أهل مكة لا ذكر له في المقنع وقد ذكره الشاطبي هنا في العقيلة فهي من زياداتها عليه.
(٩) من هنا منقول من الوسيلة للسخاوي من صـ ١٢٨ - ١٣١.
(١٠) كذا في الأصل، والذي في الوسيلة والمقنع "مصاحف".
(١١) المقنع صـ ١٠٢.
[ ١٧٨ ]
[آل عمران: ١٨٤] وحدها (^١)، قال أبو عمرو: والأول عندي أثبت لأنه عن أبي الدرداء (^٢)، وفي سائر المصاحف بغير باء في الحرفين، وقال أبو محمد المكي (^٣) في كتاب الكشف له: وقرأ هشام: ﴿وَبِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] بزيادة باءٍ؛ إعادة للحرف تأكيدًا، قال: وكذلك هي في مصاحف أهل الشام (^٤) وقال في الهداية غير هذا (^٥).
قلت (^٦): والذي قاله الأخفش هو الصحيح إن شاء الله تعالى لأني كذلك رأيته في مصحف لأهل الشام عتيق يغلب على الظن أنه مصحف عثمان أو هو منقول عنه وهذا المصحف موجود في مدينة دمشق في مسجد بنواح الموضع المعروف بالكشك، وهم يزعمون أنه مصحف علي كرم الله وجهه وقد كشفته وتتبعت الرسم الذي اختص به مصحف الشام فوجدته كله) (^٧).