("العِلْق"؛ بكسر أوله: الشيء النفيس (^٢)؛ وإن استقبح هذا قوم "من العقلاء" (^٣)؛ فما على العلماء من اصطلاح السفهاء (^٤) (^٥)، والعِلاقة بكسر العين عِلاقة السوط وغيرها، وأما بفتحها ففي المحبَّةِ وأمثالِها (^٦)، وقد لا يُفَرَّقُ بينهما (^٧)، والروايةُ بالكسرِ، ولعلها مراعاةً لمجاورة ما قبلها (^٨)، قال الشاعر:
وبي (^٩) علاقة حب ليس يعلمها … إلا الذي خلق الإنسان من علق (^١٠)
و"العلائق" ما يتعلق المرء به من بضاعة وصناعة (^١١)، و"إذ"؛ تعليلية حرفية كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩]؛ أي:
_________________
(١) في (ز ٤) "عِلْقٌ عَلاقَتُه"، وفي (س) و(ص) و(ل) و(بر ١) "عِلْقٌ عِلاقَتُه"، وفي (ز ٨) بدون تشكيل.
(٢) لسان العرب (١٠/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، والقاموس المحيط (٣/ ٣٦٧) ومنه قول رجل من تميم مخاطبًا بعض ملوك العرب: أَبَيْتَ اللَّعْنَ إن سَكَابِ عِلْقٌ نَفِيسٌ لا تُعارُ ولا تُباعُ. انظر: (ديوان الحماسة، باب: الحماسة صـ ٦٧ - ٦٨).
(٣) ليس في الوسيلة صـ ٢٣ "من العقلاء" وما إخالُهُ حَمَلَهُ على إدراجِها - مع إيهامِها - إلا وَلَعُهُ بالسجع.
(٤) في (ز ٨) "من إصلاح السفهاء" وفي (ز ٤) "عما على العلماء من الصلاح السفهاء" وفي (ص) "وإن استقيم هذا قوم من العقلاء فما على العلماء من إصلاح السفهاء).
(٥) ما بين القوسين من الوسيلة صـ ٢٣ وله تتمةٌ توضحه؛ (وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وإن كان النساءُ اليومَ إذا سمِعْنَ ذلك أنْكَرْنَهُ)؛ فيبدو أنه كان للعِلْقِ عند السفهاء في زمانهم معنى رديء، والله أعلم.
(٦) ذكر ابن القيم أن العَلاقةَ أولُ مراتبِ المحبةِ، وسميت بذلك لتَعَلُّقِ القلبِ بالمحبوبِ. مدارج السالكين ٣/ ٢٧، وانظر: اللسان ١٠/ ٢٦٢.
(٧) قال في اللسان ١٠/ ٢٦٢: (وقال اللحياني عن الكسائي: "لها في قلبي عِلْقُ حُبٍّ وعَلاقة حُبٍّ وعِلاقة حُبٍّ" قال: ولم يعرف الأصمعي عِلْق حُبٍّ ولا عِلاقة حُبٍّ، إنما عرف عَلاقَة حُبٍّ؛ بالفتح وعَلَق حب بفتح العين واللام).
(٨) أي: مجاورة عِلاقته لعِلق في قوله: عِلْقٌ عِلاقته.
(٩) وفي نسخة (ز ٨) "لي علاقة".
(١٠) ذكره في الوسيلة صـ ٢٤، ولم يعزه أيضًا، ولم أقف على قائله، وذكره أيضًا صاحب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" (١/ ٨٢).
(١١) انظر: اللسان ١٠/ ٢٦٩.
[ ٧٠ ]
لأنكم ظلمتم؛ لا ظرفية اسمية كما ذكره الشارح (^١)، واعتذر لتأخير الفعل بالضرورة الشعرية، معلِّلًا بالقواعد النحوية، فإن "إذ" يضاف (^٢) إلى الجملة الاسمية والفعلية؛ نحو: جئت إذ قام زيد، وإذ يقوم زيد، وإذ زيد يقوم، وأما إذ زيد قام، فمستقبح عندهم لأنهم لا يفصلون (^٣) بينها وبين الفعل الماضي.
ثم المراد بـ"خير القرون" الصحابة فإنهم خير القرون الآتية والماضية؛ لشهادة قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وهذا لا ينافي ما ورد عنه -ﷺ- أنه قال: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (^٤)؛ حيث أريد به القرون الآتية، بدليل قوله: (ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ (^٥) أحدِهم يمينَه ويمينُه شهادتَه) (^٦)، وفي رواية: (ثم يفشو الكذب) (^٧)؛ لا الماضية كما ذهب إليه الشارح وقال: (معناه -والله أعلم- خير القرون الماضية قرني، ثم الذين يلونهم كذلك خير من القرون الماضية، ثم الذين يلونهم كذلك، فيكون كل قرن من القرون المذكورة في الحديث خيرًا من القرون الماضية قبل هذه الأمة؛ فلا يعارض هذا الحديثُ حديثَ (^٨) "أمتي كالمطر لا يُدْرَى أوله خير أم
_________________
(١) انظر: (الوسيلة صـ ٢٦) حيث ذكر ما ذكره المؤلف عنه والاعتذارَ والتعليلَ الذي ذكره عنه المؤلف.
(٢) كذا في (ز ٤) و(س) و(ص) وفي (بر ١) و(ز ٨) "إذ تضاف"، وفي (ل) مكتوبة بالتذكير والتأنيث في رسم واحد.
(٣) وفي (ص) "يفصلان".
(٤) رواه البخاري ك: الشهادات (٢٦٥١) و(٢٦٥٢) وفي المناقب رقم (٣٦٥٠) و(٣٦٥١) وفي الرقاق رقم (٦٤٢٨) و(٦٤٢٩) وفي الأيمان والنذور رقم (٦٦٥٨) و(٦٦٩٥). ومسلم ك: فضائل الصحابة رقم (٢٥٣٣) و(٢٥٣٤) و(٢٥٣٥) و(٢٥٣٦). وليس في شيء من روايات هذا الحديث اللفظُ الذي أورده المصنف (خير القرون) بل كلها؛ إما "خير الناس"، أو "خيركم"، أو "خير أمتي".
(٥) كذا في (ز ٨)، وفي (بر ١) و(ل) و(س) و(ز ٤) "سبق شهادة يمينه"، وفي (ص) "حيث أريد به قرون … سبق بشهادة يمينه".
(٦) هي روايات البخاري رقم (٢٦٥٢) و(٣٦٥١) و(٦٤٢٩) و(٦٦٥٨).
(٧) هذه رواية الترمذي برقم (٢٣٠٢).
(٨) كذا في (بر ٣)، وفي سائر النسخ "يتعارض هذا الحديث حديث".
[ ٧١ ]
آخره" (^١) (^٢)، ولا يخفى أن هذا المعنى لا يلائم المقام؛ لقوله -ﷺ-: (خير القرون القرن الذي أنا فيهم)، ولا يلزم منه التسوية بين الصحابة وغيرهم على ما صرح به الجعبري (^٣).
وأما الجمع بين الحديثين؛ فقيل المراد بالثاني؛ خفض العيش وسعة الحال وكثرة الأرزاق والأموال؛ فإن الله تعالى فتح على هذه الأمة في أول الوهلة أقطار البلاد من الأمصار، وأباحهم أموال الأمم ومساكنهم ونساءهم، وملَّكهم رقابهم، وكذلك يقع في آخر الأمر حيث تتَّسعُ (^٤) البركاتُ وتتضاعفُ الخيراتُ كما ورد في الحديث عند نزول عيسى -﵇- (^٥)، وقيل عدم الدراية (^٦)؛ من حيثِيَّةِ الإيمانِ الغيبِيِّ الحاصلِ للمتأخرين؛ بخلافِ الإيمانِ الشهوديِّ الواصلِ
_________________
(١) رواه الترمذي ك: الأمثال عن رسول الله (٢٨٦٩) بلفظ (مثل أمتي مثل المطر). وأحمد في مسند أنس بن مالك رقم (١١٩١٨) بلفظ (إن مثل أمتي مثل المطر)، وبلفظ (مثل أمتي) (١٢٠٥٢) حديث عمار بن ياسر (١٨٤٠٢)، وجزم ابن القيم في أعلام الموقعين ٢/ ٣٥٨ بنسبته إلى النبي -ﷺ- وقال ابن حجر في الفتح ٧/ ٦: (وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة)، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ٥/ ٣٥٨ رقم (٢٢٨٦): (روي من حديث أنس وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو، … وذكر طرقها ثم قال (وبالجملة فالحديث صحيح بلا ريب بمجموع هذه الطرق).
(٢) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٢٥).
(٣) انظر: الجميلة صـ ٢١ ولفظه (ولما فيه من احتمال التسوية بين الصحابة ومن بعدهم).
(٤) كذا في (س) و(ل) و(بر ١)، وفي (ز ٤) و(ص) "مساكنهم ونسائهم … حيث يتسع البركات"، وفي (ز ٨) " مساكنهم ونسايهم … حيث تتبع البركات".
(٥) لعله يشير إلى قوله -ﷺ- الذي في صحيح مسلم (٤/ ٢٢٥٤) برقم: (٢٩٣٧) (… فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم -أي يأجوج ومأجوج- فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يَكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتَكِ، ورُدِّي بركتَكِ، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِّسْل؛ حتى أن اللِّقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللِّقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللِّقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس …).
(٦) المذكورة في قوله -ﷺ-: "لا يُدْرَى".
[ ٧٢ ]
بمشاهدةِ المعجزاتِ الكائنةِ للمتقدمين (^١)، و"الوَزَر"؛ الجبلُ، والمرادُ به هنا الملجأُ والمَفَرُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] وهو منصوب على الحال.
والمعنى: أن المرسومَ أمرٌ نفيسٌ لا يُسْمَحُ بمثله، وهو أَوْلى ما يتعلَّقُ به الإنسانُ من غيرِه؛ لأن الصحابة الذين هم خير الأمة -باتفاق الأئمة- أقاموا أصلَ هذا المرسومِ، ورسموا هذا الرسمَ المعلومَ، حالَ كونِه ملْجأً للناس، يرجعون إليه حال الالتباس، حيث لا يجوز فيه القياس.