"من"؛ مبتدأ؛ موصول متضمن لمعنى الشرط فلذا دخل الفاء في خبره وهو قوله "فما شُهِرا"؛ بصيغة المجهول، وألفه للإطلاق؛ أي: ما اشتهر عند المحدثين، وما صح عند المحققين، وجملة "ستُقيم العُرْب ألسُنُها لَحْنًا به"؛ مفعول به لـ "روى"، و"قولَ عثمانٍ"؛ منصوب بأعني أو بدل من المفعول، وقال الشارح: (هو المفعول والجملة هي المقول) (^١)، وصرف "عُثمانٍ" للضرورة، و"العُرْب"؛ بضمٍّ فسكونٍ؛ لغةٌ في العَرَب، وهو فاعل "ستقيم"، و"ألسُنُها"؛ بدل منه؛ بدل البعض من الكل (^٢) أو بدل الاشتمال (^٣)، وقوله: "لحنًا به"؛ مفعول به لـ "ستقيم"، وضمير "به" راجع إلى الأصل المذكور (^٤).
وذكر الشارح بسنده (عن عبد الأعلى (^٥) أنه لما فرغ من المصحف أُتِيَ به عثمان -﵁- فقال: "قد أحسنتم وأجملتم أرى شيئًا من لحنٍ ستقيمه العرب بألسنتها" (^٦) قال: وكذلك رووا عن يحيى بن يعمَر (^٧) أنه قال ذلك عن
_________________
(١) انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٣٤).
(٢) بناء على أن المراد بالألسن جمع لسان وهو العضو المعروف.
(٣) بناء على أن المراد بالألسن جمع لسان وهو اللغة.
(٤) في قوله في البيت رقم (٧): إذ خير القرون أقاموا أصله وزرا.
(٥) ابن عبد الله بن عامر بن كريز أبو عبد الرحمن البصري، مقبول. اهـ من التقريب ١/ ٤٦٤.
(٦) راوه أبو داود في كتاب المصاحف (صـ ٤١) اختلاف ألحان العرب في المصاحف رقم (١٠٤، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨) وقال: (هذا عندي يعني بلغتها، وإلا لو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعًا لما استجاز أن يبعث به إلى قوم يقرؤونه) وقال قبله: (والألحان اللغات، وقال عمر إنا لنرغب عن كثير من لحن أبيّ، يعني لغة أبيّ). وقال ابن تيمية: "هذا خبر باطل لا يصح من وجوه" ثم ساقها في مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٥٣، ورواه أبو عبيدة في فضائل القرآن حديث (٥٥٥).
(٧) العدواني أبو سليمان البصري، أخذ القراءة عرضًا والعربية عن أبي الأسود الدؤلي، وسمع ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبا هريرة -﵃-، قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء وغيره وهو أول من نقط المصحف وكان فصيحًا مُفَوَّهًا عالمًا، توفي قبل سنة ٩٠. اهـ مختصرًا من معرفة القراء الكبار ١/ ٦٧ ترجمة رقم (٢٤).
[ ٧٨ ]
عثمان -﵁- (^١). ورووا عن عكرمة (^٢) مثل ذلك. قال: وقال عثمان -﵁-: (لو كان المُمْلي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا) (^٣).
وهذا كله ضعيف، وإسناده مضطرب ومختلط ومنقطع (^٤)، ولأن عثمان جعل للناس إمامًا يقتدون به فكيف يرى فيه لحنًا ويتركه لتقيمه العرب بألسنها؟ (^٥)، وأيضًا فإنه لم يكتب مصحفًا واحدًا بل كتب سبعة فكيف يصنع رواة هذه الآثار أيقولون: إنه رأى اللحن في جميعها متفقة عليه فتركه لتقيمه العرب بألسنها؟ أو رأى ذلك في بعضها؟ فإن قالوا: رآه في بعض دون بعض، فقد اعترفوا بصحة البعض، والحال أنه لم يذكر أحدٌ من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف بل لم تأت المصاحف مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة وليس ذلك بلحن إجماعًا، وإن قالوا: رآه في جميعها لم يصح أيضًا لما ذكرناه من مناقضة قصده في نصب إمام يُقْتَدَى به على هذه الحال (^٦)، وأيضًا فإذا
_________________
(١) قال الذهبي في معرفة القراء الكبار ١/ ٦٨ والسير ٤/ ٤٤٢: (قال عمران القطان عن قتادة عن نصر بن عاصم عن عبدالله بن فطيمة عن يحيى بن يعمر قال: قال عثمان -﵁-: في القرآن لحن ستقيمه العرب بألسنتها) وضعف محققا الكتابين هذا الأثر لجهالة عبد الله بن فطيمة.
(٢) ابن عبد الله مولى ابن عباس، أصله بربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من الثالثة، مات سنة ١٠٧ وقيل بعد ذلك. اهـ من التقريب ٢/ ٣٠.
(٣) هو قطعة من الحديث السابق وقد سبق تخريجه.
(٤) بيانه: ما ذكره الداني في المقنع صـ ١١٥: (هذا الخبر عندنا لا يقوم بمثله حجة ولا يصح به دليل من جهتين: إحداهما أنه مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه مرسل لأن ابن يعمَر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئًا ولا رأياه).
(٥) قال الداني في المقنع صـ ١١٥ - ١١٦: (وأيضًا فإن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان لما فيه من الطعن عليه مع محله من الدين ومكانه من الإسلام وشدة اجتهاده في بذل النصيحة واهتباله بما فيه الصلاح للأمة فغير ممكن أن يتولى لهم جمع المصحف مع سائر الصحابة الأخيار الأتقياء الأبرار نظرا لهم ليرتفع الاختلاف في القرآن بينهم ثم يترك لهم فيه مع ذلك لحنا وخطأ يتولى تغييره من يأتي بعده ممن لا شك أنه لا يدرك مداه ولا يبلغ غايته ولا غاية من شاهده هذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله ولا يحل لأحد أن يعتقده).
(٦) في جميع النسخ التسع "الحالة" والصواب ما أثبتناه كما في الأصل المنقول منه.
[ ٧٩ ]
كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم خيار الصحابة فكيف يقيمه غيرهم من آحاد الأُمَّة) (^١)؟.
قال الجعبري: (ولأن قولَه: "أحسنتم وأجملتم" مدحٌ، فكيف يمدحُهم على الإساءةِ، ولأن الفصاحةَ والكتابةَ نشأت من قريشٍ؛ فغيرُها فرعٌ عليها، فكيف يجعلُ الفرعَ أصلًا والأصلَ فرعًا (^٢)؟.
وهذه الأجوبة على سبيل الدَّفْعِ (^٣)، والمصنف -﵀- أجاب بجوابين آخرين على طريق الرَّفْعِ (^٤) حيث قال) (^٥):