بعد النظر في النصوص الواردة عن الأئمة في مسألة حكم الأخذ بالتجويد وما تقدم من بيان اعتناء سلف هذه الأمة به.
تحرر عندي أنّ تعلّم علم التجويد فرض كفاية.
وأن العمل بأحكامه حال القراءة فرض عين سواء كان ذلك في الصلاة أو خارج الصلاة وسواء كان المقروء يسيرًا أو كثيرًا وذلك لما يأتي:
أولًا:
أن الأمة قد أجمعت على تلقي القرآن وعرضه منذ نزوله جيلًا بعد جيل بهذه الكيفية التي عرفت بالتجويد لا خلاف بينهم في ذلك، إذ القراءة عندهم سنة متبعة.
وقد كنت عزمت على عقد مبحث أذكر فيه أدلة المعارضين للقول بالوجوب ومناقشتها فلم أجد دليلًا من إمام معتبر يقول بغير الوجوب فصرفت عنه النظر.
وما ذكره بعض المعاصرين من أنه دليل معارض للقول بالوجوب كقصة اختلاف هشام بن حكيم وعمر بن الخطاب في القراءة ونحو ذلك، تتبعته فألفيته بعيدًا كل البعد عن تقرير أحكام التلاوة وأدائها التي هي صلب الموضوع ولبه، بل هو راجع إلى اختلاف القراءات والحكمة من تعدد الحروف النازلة.
ثانيًا:
أن قراءة القرآن وتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من
[ ٥٣ ]
أئمة القرآن المسندين إلى رسول الله ﷺ عبادة.
قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ ١.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ حرفًا من كتاب لله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول (ألم) حرف ولكن (ألف) حرف و(لام) حرف و(ميم) حرف" ٢.
وكل عبادة يجب أن تؤدى كاملة غير منقوصة ليحصل لصاحبها الثواب كاملًا.
وبقدر ما نقص منها مع قدرته على التمام نقص من أجره وثوابه وبقدر تفريطه لحقه الإثم والعقاب.
وإلى ما ذكرت أشار ابن الجرزي بقوله: ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها، والناس في ذلك بين محسن مأجور ومسيء آثم، أو معذور.
فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح استغناءً بنفسه واستبدادًا برأيه وحدسه، واتكالًا على ما ألف من حفظه، واستكبارًا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه، فإنه مقصر بلا شك وآثم بلا ريب وغاش بلا مرية فقد قال رسول الله ﷺ "الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة
_________________
(١) ١ سورة المزّمل آية ٢٠. ٢ الترمذي: ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن: ٥/٣٣، حديث رقم (٢٩١٠) وابن الضريس في فضائل القرآن: ٤٦. وفي جامع الأصول: ٨/٤٩٨.
[ ٥٤ ]
المسلمين وعامتهم".
أما من كان لا يطاوعه لسانه أو كان لا يجد من يهديه إلى الصواب بيانه فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها ١.
ثالثًا:
ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" ٢.
والماهر بالشيء الحاذق العارف به.
ولا يكون ماهرًا بالقرآن عارفًا به من أخلّ بشيء من معانيه ومبانيه.
فمن لم يعط الحروف حقها من المدّ إن كانت ممدودة، ومن التمكين إن كانت مُمكّنة، ومن الهمز إن كانت مهموزة، ومن الإدغام إن كانت مدغمة، ومن الإظهار إن كانت مظهرة، ومن الإخفاء إن كانت مخفية، ومن الحركة إن كانت محركة، ومن السكون إن كانت مسكّنة إلخ، مع قدرته على ذلك، لم يكن ماهرًا بالقرآن، وأما من كان لا يطاوعه لسانه مع اجتهاده وحرصه على الوصول إلى مرتبة الماهر فإن الله أعدله من الأجر على قدر اجتهاده إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فمن رام مصاحبة السفرة الكرام البررة وجب عليه أن يقيم حروفه ويحرص على أدائها سالمة من الخطأ والزلل كما يقيم حدوده.
رابعًا:
ما ورد من النهي عن الهذرمة وهي الإسراع بالقراءة إلى الحد الذي لا يمكّن القارئ من ضبط أحكام القراءة، ولا يمكّن السامع من التدبر، ومثلها الهذّ،
_________________
(١) ١ النشر: ١/٢١٠، ٢١١. ٢ فتح الباري: ٨/٦٩١، ومسلم في صلاة المسافرين رقم ٦/٨٤.
[ ٥٥ ]
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لا تنثروه نثر الدقل ١، ولا تهذّوه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة ٢.
وعن أبي وائل قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: قرأت المفصل البارحة فقال: «هذّا كهذّ الشعر، إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القُرناء التي كان يقرأ بهنّ النبي ﷺ: ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم» ٣.
ولذلك ورد النهي عن ختم القرآن في أقل من سبع وفي رواية أقل من ثلاث كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص٤.
فإذا نهي عن الهذرمة والهذّ وجب الأخذ بضدهما وهو تبيين الحروف وإخراجها من مخارجها وإعطائها حقها على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة الناقلين لها بالأسانيد المتصلة سواء كان ذلك في ترتيل، أو تدوير، أو حدر.
فذو الحذق معط للحروف حقوقها (إذا رتل القرآن أو كان ذا حدر)
خامسًا:
أن القول بعدم وجوب الأخذ بهذه الأحكام من إظهار وإدغام وإخفاء ومد وترقيق وإمالة ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ الدقل هو رديء التمر ويابسه وما ليس له اسم خاص فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثورًا. اللسان: ١١/٢٤٦ ٢ تفسير البغوي: ٤/٤٠٧. ٣ فتح الباري: ٩/٨٨. ٤ فتح الباري: ٩/٩٤. مسلم بشرح النووي: ٨/٤٢ ٥ من قصيدة الخاقاني: أنظر قصيدتان في التجويد: ١٩.
[ ٥٦ ]
فيه قدح صريح لصدر هذه الأمة من القراء الناقلين إلينا كتاب ربنا بحروفه وقراءاته ورواياته وطرقه بهذه الكيفيات والهيئات التي تلقوها وأقرءوا بها ودونوها في كتبهم حتى وصلت إلينا عن طريقهم بالأسانيد المتصلة.
فهل يقول ذو بصيرة أنهم أنشأوها واخترعوها من أنفسهم وأوجبوها على الناس وتناقلها الناس عنهم في كل عصر ومصر.
ولم يخالفهم أحد أو يأخذ على أيديهم لاستحداثهم في كتاب الله ما ليس منه، والله ﷿ قد تكفل بحفظ كتابه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] والإجماع قائم على أن من زاد في القرآن حركةً أو حرفًا أو نقص من تلقاء نفسه مصرًا على ذلك يكفر.
كما أن الإجماع قائم على أن النقص في كيفية القرآن وهيئته كالنقص في ذاته ومادته.
فترك المد والغنة والتفخيم والترقيق، كترك حروفه وكلماته. فإذا كان الجواب قطعًا بالنفي وأنهم برءاء من الاختراع والابتداع بل منهجهم الإتباع، فلا يقرأ أحدهم إلا بما أقرئ، وجب اتباعهم، قال محمد بن صالح: سمعت رجلًا يقول لأبي عمرو ١ كيف تقرأ:
﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ زبان بن العلاء أبو عمرو البصري، أحد القراء السبعة ولد سنة (٦٨هـ) وقيل سنة (٧٠هـ) قرأ على الحسن البصري، وحميد بن قيس الأعرج، وعلى أبي العالية. توفي سنة (١٥٤هـ) وقيل غير ذلك. غاية النهاية: ١/٢٩٢، تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر: ١٢/١٧٨، طبقات خليفة بن خياط: ٢٢٧ ٢ سورة الفجر آية ٢٥-٢٦.
[ ٥٧ ]
قال: (لا يعذب) بالكسر، فقال له الرجل كيف وقد جاء عن النبي ﷺ (لا يعذب) بالفتح، فقال له أبو عمرو: لو سمعت الرجل الذي قال سمعت النبي ﷺ ما أخذته عنه وتدري ما ذاك لأني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة.
قلت وقراءة الفتح أيضًا قراءة متواترة.
قرأها من السبعة الإمام الكسائي، ومن العشرة يعقوب الحضرمي ١ وإنما أنكرها أبو عمرو لأنها لم تبلغه على وجه التواتر، لأن الخبر قد يتواتر عند قوم دون قوم ٢.
وقال ابن مجاهد أخبرنا الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قد قرئ به لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا ٣.
ويبين الشهرزوري في كتابه المصباح أن أحكام التجويد من إظهار وإدغام وإقلاب وإخفاء وإمالة وتفخيم وتحقيق همز وتخفيفه كل ذلك من لغة العرب التي نزل بها القرآن، وما من قارئ من قراء الأمصار: الحجاز والشام والعراق إلا وقد ورد عنهم الإدغام والإظهار والهمز والتليين والحدر والتحقيق والإمالة والتفخيم، وليس لأحد أن يعيب على قارئ ممن قرأ بهذه الأوصاف بل كل واحد من هذه الأوصاف نقله الخلف عن السلف جيلًا بعد جيل وقبيلًا بعد قبيل من لدن رسول الله (إلى زماننا هذا، ووقع على جواز ذلك الاتفاق في كل
_________________
(١) ١ النشر ٢/٤٠٠ ٢ جمال القراءة للسخاوي: ١/٢٣٥، منجد المقرئين: ٦٨. ٣ السبعة لابن مجاهد: ٤٨.
[ ٥٨ ]
عصر ومصر إمامًا بعد إمام وقدوة بعد قدوة إلى زماننا هذا. (١)
قلت: لازال الإجماع والاتفاق قائمًا على ما ذكر عن الأئمة قراء الأمصار من تلك الأحكام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالتارك للقراءة بها قارئ للقرآن بغير لغة العرب التي نزل عليها.
وفي موضع آخر من كتابه بين أن أخذهم لقواعد التجويد ليس بدعًا من أنفسهم وإنما هو النقل والرواية عن الأئمة الماضين والسلف الصالحين، فقد أوضحوا في كتبهم وبينوا في مصنفاتهم التجويد في القراءة والتحقيق في التلاوة، ولم يتركوا لغيرهم في ذلك مسلكًا وليس لنا فيما نورده من ذلك إلا التقريب والترتيب.. والله الموفق. (٢)
فعلينا أن نسلك مسلك أئمتنا ونقتفي أثرهم فهم الأمناء الناقلون والحفظة المسندون.
قرءوا القرآن فأدوه أحسن أداء، وكان حسن الأداء سبيلهم لحسن الاستماع، وكان حسن الاستماع سبيلًا لحسن التدبر، وحسن التدبر سبيلًا لحسن الانتفاع.
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
_________________
(١) ١ المصباح الزاهر: ٣/٩٢٩. ٢ المصباح الزاهر: ٤/١٤٦٨.
[ ٥٩ ]