وكان لا بدّ لهذا الشّاب المتحرّق في طلب العلم أن تتوق نفسه إلى الرحلة إلى عاصمة الدّنيا العربية الإسلامية وموئل الحضارة ومعدن العلم والعلماء مدينة السّلام بغداد لطلب الأسانيد العالية ومذاكرة علمائها في هذا الفنّ الجليل الذي ملك عليه قلبه وروحه.
والظاهر أنه توجّه إلى بغداد بعيد سنة ٣٨٦ هـ-، وكان فيها يقينا قبل شهر صفر سنة ٣٨٨ هـ-، وهو تاريخ وفاة شيخه أبي الفرج محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يوسف بن العباس بن ميمون الشّنبوذي البغدادي «٤»، فقد قرأ عليه الكتاب العزيز من أوله إلى خاتمته بقراءة عاصم بن أبي النّجود- رواية أبي بكر ابن عيّاش عنه- «٥»، وبقراءة يعقوب- رواية رويس عنه «٦» -.
وكان من الطبيعي أن يتوجه الأهوازيّ إلى هذا الأستاذ الإمام في القراءات، فهو ممّن رحل ولقي الشيوخ وأكثر عنهم، وعمّر، فعلت أسانيده، حيث ولد سنة ٣٠٠ هـ-،
_________________
(١) غاية النهاية: ٢/ الترجمة ٢٧٩٥.
(٢) غاية النهاية: ١/ الترجمة ٢٩٦، وانظر ترجمة السرخسي أيضا: ١/ الترجمة ٥١٣، وقد نص ابن الجزري في ترجمة الأهوازي أنه قرأ عليه بالبطائح، ولكنه أخطأ فسماه محمدا، أو هو من غلط الطبع (١/ الترجمة ١٠٠٦).
(٣) غاية النهاية: ٢/ الترجمة ٣٤٣٢، وراجع تعليقنا قبل قليل.
(٤) مع أن بعضهم قال بوفاته في أواخر سنة ٣٨٧، وإن كان ما ذكرناه هو المرجح عند أهل العلم بالتاريخ، انظر: تاريخ الخطيب: ٢/ ٩٢، وأنساب السمعاني: ٧/ ٣٩٥، والمنتظم لابن الجوزي: ٧/ ٢٠٤، وإرشاد الأريب لياقوت: ٦/ ٣٠٤، واللباب لابن الأثير: ٢/ ٣٠، ومعرفة القراء للذهبي: ١/ الترجمة ٢٥٢، وتاريخ الإسلام، الورقة ١٩٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، وتذكرة الحفاظ: ٣/ ١٠٢٠، والعبر: ٣/ ٤٠، وميزان الاعتدال: ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢، والوافي بالوفيات للصفدي: ٢/ ٣٩، وغاية النهاية: ٢/ الترجمة ٢٧٠١، ونهاية الغاية، الورقة ٢٠٦، والنجوم الزاهرة: ٤/ ١٩٩، وطبقات المفسرين للسيوطي: ٣٧، وطبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٥٤ - ٥٧، وشذرات الذهب: ٣/ ١٢٩، وإنما قيل له الشنبوذي لأنه قرأ على ابن شنبوذ وتلمذ له كما في أنساب السمعاني وغيره.
(٥) المخطوطة، الورقة ٤ ب.
(٦) المخطوطة، الورقة ٧ ب.
[ ١٧ ]
وأخذ القراءة عرضا بالروايات عن مجموعة كبيرة من أساتذة هذا الشأن منهم: ابن مجاهد، وإبراهيم بن عرفة نفطويه، وابن الأخرم الدّمشقيّ، ومحمد بن هارون التّمار، وأبو بكر الأدميّ، وأبو مزاحم الخاقانيّ، وأبو بكر النقّاش، وغيرهم.
قال الدّاني: «مشهور نبيل، حافظ، ماهر، حاذق، كان يتجوّل في البلدان «١». وقال الخطيب البغداديّ: «سمعت أبا الفضل عبيد الله بن أحمد بن علي الصّيرفي يذكر أبا الفرج الشّنبوذيّ، فعظّم أمره، ووصف علمه بالقراءات وحفظه للتفسير» «٢».
والظاهر أنه بقي مقيما ببغداد إلى أواخر سنة ٣٩١ هـ- حينما غادرها إلى الشام «٣»، وقد قرأ ببغداد في هذه المدة على مجموعة من شيوخها في القراءات منهم:
١ - أبو الفرج المعافى بن زكريا النّهروانيّ الجريري «٤»، الإمام العلّامة المشهور صاحب التّصانيف المشهورة المتوفى سنة ٣٩٠ هـ- «٥».
قال الخطيب: «وكان من أعلم النّاس في وقته بالفقه والنّحو واللّغة وأصناف الأدب» «٦». وقال ابن الجزري: «أخذ القراءة عرضا عن أبي الحسن بن شنبوذ، وبكّار، وأبي مزاحم الخاقانيّ، والخضر بن الحسين الحلواني، أخذ القراءة عرضا عنه:
عبد الوهاب بن علي، ومحمد بن عمر النّهاونديّ، وأحمد ابن مسرور، وأبو علي الأهوازيّ » «٧».
٢ - أبو حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد بن كثير بن هارون البغداديّ الكتانيّ المقرئ المحدّث الثّقة المعروف بابن كوجك المتوفى سنة ٣٩٠ هـ- «٨».
ولد سنة ٣٠٠ هـ-، وعرض على أبي بكر بن مجاهد، ومحمد بن جعفر الحربي
_________________
(١) معرفة القراء: ١/ الترجمة ٢٥٢.
(٢) تاريخ الخطيب: ٢/ ٩٢. وقد أساء الدارقطني القول فيه، ولكن وثقه غير واحد، منهم أبو العلاء، الهمذاني وناهيك به.
(٣) معجم الأدباء: ٣/ ١٥٢، وتاريخ الإسلام، الورقة ٤٢٩ (أياصوفيا ٣٠٠٩) ومعرفة القراء: ١/ الترجمة ٣٤٣.
(٤) إنما قيل له الجريري لأنه كان على مذهب الإمام محمد بن جرير الطبري.
(٥) ترجمته في تاريخ الخطيب: ١٥/ ٣٠٨، وطبقات الشيرازي: ٩٣، ومعجم الأدباء: ٧/ ١٦٢، وإنباه الرواة للقفطي: ٣/ ٢٩٦، ووفيات الأعيان: ٥/ ٢٢١، وتاريخ الإسلام، الورقة ٢٠٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨، والعبر: ٣/ ٤٧، وتلخيص ابن مكتوم، الورقة ٢٤٩، ومرآة الجنان: ٢/ الورقة ٤٤٣ - ٤٤٤، والبداية والنهاية لابن كثير: ١١/ ٣٢٨، وشذرات الذهب: ٣/ ١٣٤ وغيرها.
(٦) تاريخ الخطيب: ١٥/ ٣٠٨.
(٧) غاية النهاية: ٢/ الترجمة ٣٦٢٣، وانظر: نهاية الغاية، الورقة ٢٧٦.
(٨) تاريخ الخطيب: ١٣/ ١٣٨، ومعرفة القراء: ١/ الترجمة ٢٨٣، وتاريخ الإسلام، الورقة ٢٠٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والعبر: ٣/ ٤٦، وغاية النهاية: ١/ الترجمة ٢٣٨٢، وشذرات الذهب: ٣/ ١٣٤.
[ ١٨ ]
وسمع الحروف من إبراهيم نفطويه، وسمع كتاب «السّبعة» من ابن مجاهد. وقد وثّقه الخطيب البغداديّ، وذكر أنه كان ينزل بالكرخ عند نهر الدّجاج «١»، وكان له مسجد هناك يقرئ به «٢»، وفي هذا المسجد قرأ عليه الأهوازيّ القرآن الكريم من أوله إلى خاتمته بقراءة عبد الله بن كثير- رواية البزّي عنه- «٣».
٣ - أبو الحسن علي بن إسماعيل بن الحسن بن إسحاق البصريّ القطّان المعروف بالخاشع الأستاذ المشهور المتوفى بحدود سنة ٣٩٠ هـ-، قال الإمام شمس الدين الذهبيّ في «تاريخ الإسلام» - بخطّه-: «أحد من عني بالقراءات ورحل فيها، قرأ بمكة على أبي بكر محمد بن عيسى بن بندار صاحب قنبل، وبأنطاكية على الأستاذ إبراهيم بن عبد الرّزاق، وبغيرها على محمد بن عبد العزيز بن الصباح، وأحمد بن محمد بن بقرة، ومحمد بن عبد الله «٤» الرازيّ صاحب الحسين بن عليّ الأزرق. وتصدّر للإقراء ببغداد، قرأ عليه أبو عليّ الأهوازيّ، وأبو نصر أحمد بن مسرور، وأبو بكر محمد بن عمر بن زلال النهاونديّ» «٥». وقال في «معرفة القرّاء الكبار»: «أقرأ ببغداد مدة واشتهر ذكره، وطال عمره، وصنف في القراءات، وبقي إلى حدود التّسعين وثلاث مائة» «٦».
وقد صرّح الأهوازيّ في كتابه هذا بأنه قرأ القرآن الكريم من أوله إلى خاتمته بالهمز والإظهار وبترك الهمز والإدغام وبالإظهار وترك الهمز بقراءة أبي عمرو بن العلاء- رواية شجاع بن أبي نصر البلخيّ عنه «٧».
٤ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الطّبريّ ثم البغداديّ المالكيّ العدل الثّقة المتوفى ببغداد سنة ٣٩٣ هـ- «٨».
كان أحد أساتذة الإقراء المشهورين ببغداد، ولد سنة ٣٢٤ هـ-، وقدم بغداد
_________________
(١) تاريخ الخطيب ١٣/ ١٣٨.
(٢) غاية النهاية: ١/ الترجمة ٢٣٨٢.
(٣) المخطوطة، الورقة ٣ ب.
(٤) في غاية النهاية: «عبيد الله» مصحف.
(٥) الورقة ٢٦٥ (أياصوفيا ٣٠٠٨).
(٦) . ١/ الترجمة ٢٦١، وانظر: غاية النهاية: ١/ الترجمة ٢١٧٥، والعجيب أن أبا بكر الخطيب لم يترجمه في تاريخ مدينة السلام فيستدرك عليه. كما لم يذكره الأستاذ العلامة فؤاد سزكين في المصنفين في القراءات من كتابه «تاريخ التراث العربي» مع نص الذهبي على تصنيفه.
(٧) المخطوطة، الورقة ٧ أ.
(٨) تاريخ الخطيب: ٦/ ٥١٠، وتاريخ الإسلام، الورقة ٢٢٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، ومعرفة القراء: ١/ الترجمة ٢٨٥، وغاية النهاية: ١/ الترجمة ٥، والنجوم الزاهرة: ٤/ ٢٠٩، وشذرات الذهب: ٣/ ١٤٢، ووقع اسمه في المطبوع من غاية النهاية: «إبراهيم بن أحمد بن إسحاق»، وهو خطأ لا ريب فيه إذ لم نعرف في أجداده من اسمه «إسحاق»، وهي كنيته فكأنها اشتبهت عليه، وما أثبتناه من تاريخ الخطيب، وهو العليم به، ومن خط الإمام الذهبي في «تاريخ الإسلام» وفيهما الكفاية.
[ ١٩ ]
وسكنها، وصار شيخ الشّهود العدول بها، وقال الذّهبيّ في «تاريخ الإسلام»: «قرأ لقالون على أبي الحسين بن بويان، وقرأ لأبي عمرو على أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن الولي والحسن بن محمد الفحام، وقرأ لعاصم على أبي بكر محمد بن الحسن بن زياد النّقّاش، وقرأ لحمزة على أبي بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم صاحب إدريس الحدّاد، وقرأ لحمزة أيضا على أبي عيسى بكّار بن أحمد وأبي الحسن محمد بن عبد الله بن مرّة الطّوسيّ» «١». وقال الخطيب: «وكان كريما سخيا، مفضلا على أهل العلم، حسن المعاشرة، جميل الأخلاق، وداره مجمع أهل القرآن والحديث، وكان ثقة» «٢».
وقد صرّح الأهوازيّ في كتابه هذا بأنه قرأ عليه القرآن الكريم من أوله إلى خاتمته بقراءة عاصم بن أبي النّجود- رواية حفص بن سليمان عنه- «٣».
٥ - أبو مسلم محمد بن أحمد بن عليّ بن حسين الكاتب البغداديّ المتوفى بمصر سنة ٣٩٩ هـ- «٤».
ولد سنة ٣٠٥ هـ-، وروى القراءات سماعا عن أبي بكر بن مجاهد، ومحمد بن أحمد ابن قطن، وعلي بن أحمد بن بزيع. وسمع من جماعة، ودخل المغرب، وسكن مصر بأخرة، قال الذّهبيّ في «تاريخ الإسلام»: «روى عنه الحافظ عبد الغني، وأبو عمرو الدّاني، ورشأ بن نظيف، وأبو علي الأهوازيّ» وذكر غيرهم «٥».
٦ - ولعلّه قرأ بها على شيخه أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عيسى الحربيّ، فالحربية من محالّ بغداد كما هو معروف، قال ابن الجزري: «شيخ روى القراءة عن أحمد ابن عبد الرّحمن الولي، قرأ عليه أبو عليّ الأهوازيّ ونسبه وكناه» «٦».
قلت: وممّا يؤيد كونه بغداديا أنّ شيخه أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل الولي شيخ بغدادي معروف توفي سنة ٣٥٥ هـ- «٧».
٧ - ولعلّه قرأ ببغداد على شيخه أبي بكر أحمد بن محمد بن سويد الباهليّ المؤدب، قال ابن الجزري: «روى القراءة عرضا عن عليّ بن سعيد بن ذؤابة، روى القراءة عنه أبو عليّ
_________________
(١) الورقة ٢٢٠ (من مجلد أياصوفيا ٣٠٠٨ بخطه).
(٢) تاريخ الخطيب: ٦/ ٥١١.
(٣) المخطوطة، الورقة ٥ أ.
(٤) تاريخ الخطيب: ٢/ ١٦٨، وتاريخ الإسلام، الورقة ٢٤٩ - ٢٥٠ (أياصوفيا ٣٠٠٨)، ومعرفة القراء: ١/ الترجمة ٢٨٦، وميزان الاعتدال: ٣/ ٤٦١، والوافي بالوفيات: ٢/ ٥٢، وغاية النهاية: ٢/ الترجمة ٢٧٥٦.
(٥) تاريخ الإسلام، الورقة ٢٥٠ (أياصوفيا ٣٠٠٨).
(٦) غاية النهاية: ٢/ الترجمة ٢٧٩٦.
(٧) انظر: تاريخ الخطيب ٥/ ٤١٠، وتاريخ الإسلام، الورقة ١٨ (أحمد الثالث ٢٩١٧/ ١٠)، ومعرفة القراء: ١/ الترجمة ٢٢٧، وغاية النهاية: ١/ الترجمة ٢٨٨.
[ ٢٠ ]
الأهوازيّ «١»، فابن الجرزي وإن لم يصرّح بمكان قراءة الأهوازيّ عليه أو ينسبه إلى بغداد، فمن المحتمل جدا أنّ هذا الشّيخ بغدادي، فشيخه أبو الحسن علي بن سعيد بن الحسن بن ذؤابة بغدادي معروف «٢»، فضلا عن أنّ ابن الجزري ذكر في ترجمة أبي العباس أحمد بن سهل الأشنانيّ البغداديّ الثّقة المشهور المتوفى سنة ٣٠٧ هـ- ببغداد أنه من شيوخ أبي بكر أحمد بن محمد بن سويد الباهليّ شيخ الأهوازي «٣».
٨ - وقرأ ببغداد أيضا على شيخ يقال له عبد العزيز بن هاشم بن عبد العزيز الخراسانيّ «٤».
٩ - وقرأ بها أيضا على شيخ يقال له عبد القدّوس بن محمد بن أحمد البغداديّ «٥»، وهو ممّن قرأ على أبي العباس أحمد بن سهل بن الفيروزان الأشنانيّ البغداديّ المقرئ المشهور «٦».