تعرّض الأهوازيّ إلى حملة شديدة في الحطّ عليه والكلام فيه واتّهامه بالاتّهامات الشّنيعة، تزعّمها الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن الدّمشقيّ المعروف بابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ-، حينما ترجم له في «تاريخ دمشق» وألف كتاب «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعريّ» في الردّ عليه، وشتمه بكلّ الشّتائم المقذعة، فاتّهمه بالكذب والتّزوير، واجتهد في إيراد الأقوال المضعّفة له المشنّعة به، فابتدأ الفصل الذي كتبه في «تبيين كذب المفتري» بقوله «فأما ما ذكره ذو المعايب والمخازي أبو عليّ الحسن بن عليّ ابن إبراهيم الأهوازي فمما لا يعرّج عليه لبيب ولا يرعيه سمعه مصيب، لأنّه رجل
_________________
(١) هدية العارفين: ٢٧٦.
(٢) في دار الكتب الظاهرية بدمشق، ٤٥٢١ عام.
(٣) ميزان: ١/ ٥١٢، ولسان الميزان: ٢/ ٢٣٧.
(٤) النجوم الزاهرة: ٥/ ٥٦.
(٥) تبيين كذب المفتري: ٣٦٤ فما بعدها.
(٦) ذيل موالد العلماء ووفياتهم للكتاني، وفيات سنة ٤٤٦ وتبيين كذب المفتري ٤١٦، وإرشاد الأريب: ٣/ ١٥٤، ومعرفة القراء: ١/ الترجمة ٣٤٣، وغاية النهاية: ١/ الترجمة ١٠٠٦ وغيرها.
(٧) انظر تهذيب تاريخه: ٤/ ١٩٨، والذي ذكر ذلك هو تلميذه أبو محمد عبد العزيز الكتاني الدمشقي (إرشاد: ٣/ ١٥٥).
[ ٣٧ ]
قد تبيّنت عداوته لأهل الحقّ وشنآنه، ويكفيك من كتابه ترجمته وعنوانه، ولو كان من ذوي الدّيانات لم يتفرّغ لذكر المثالب، ولو أنّه من أولي المروءات لاستحيى من تتبع المعايب، ولولا أنّه وجدها كثيرة في نفسه لما اختلقها لمن ليس هو من أبناء جنسه» «١».
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: «ولا يستبعدنّ جاهل كذب الأهوازي فيما أورده من تلك الحكايات «٢»، فقد كان من أكذب النّاس في بعض ما يدّعيه من الرّوايات في القراءات، فلقد سمعت الشّيخ الفقيه أبا الحسن عليّ بن أحمد بن منصور بن قبيس الغساني ﵀ وكان ثقة «٣» يحكي عن أبيه أبي العباس بن قبيس الفقيه وكان في الثّقة مثله أو فوقه «٤» - وكان قد لقي الأهوازيّ وعاصره وسمع معه من بعض شيوخه- أنّه لما أظهر الأهوازيّ من الإكثار من الرّوايات في القراءات ما أظهر اتّهم في ذلك، فسار أبو الحسن رشأ بن نظيف وأبو القاسم بن الفرات وابن القمّاح المقرءون إلى العراق لكشف ما وقع في نفوسهم منه ووصلوا إلى بغداد وقرءوا على بعض الشّيوخ الذين روى عنهم الأهوازيّ وجاءوا بالإجازات عنهم وبخطوطهم بما أقرءوا فمضى الأهوازيّ إليهم وسألهم أن يروه تلك الخطوط التي معهم، ففعلوا ودفعوها إليه فأخذها وغيّر أسماء من سمّي عنده ليستتر دعواه، فعادت عليه بركة القرآن فلم يفتضح. هذا معنى ما سمعته منه. وبلغني عنه أنّهم سألوا عنه بعض المقرئين الذين ذكر أنّه قرأ عليهم وحكوه له فقال: هذا الذي تذكرونه قد قرأ عليّ جزءا من القرآن أو نحوه. قال أبو الحسن بن قبيس: وحدّثني والدي أبو العباس، قال: عاتبت، أو عوتب أبو طاهر الواسطيّ المقرئ في القراءة على أبي عليّ الأهوازيّ، فقال: أقرأ عليه للعلم، يعني بالقراءات، ولا أصدّقه في حرف واحد» «٥».
وقال ابن عساكر أيضا: «وأنبأنا الشّيخ أبو الفضائل الحسن بن الحسن بن أحمد الكلابيّ الإمام، قال: حدّثني أخي لأمي أبو الحسن عليّ بن الخضر بن الحسن العثمانيّ، قال: توفي أبو عليّ الأهوازيّ الحسن بن عليّ يوم الاثنين الرابع من ذي الحجة سنة ست وأربعين وأربع مائة، تكلّموا فيه وظهر له تصانيف زعموا أنّه كذب فيها» «٦».
وقد ضمّن الحافظ ابن عساكر هذه الأخبار والطّعون والشّتائم ترجمته له في «تاريخ دمشق» فنقلها الناقلون من كتبه على مرّ العصور فلا نجد مؤلّفا ترجم له إلا وضمّن بعضها كتابه.
وظاهر على هذه النعوت التي أطلقها الحافظ ابن عساكر في حقّ الأهوازيّ أنّها
_________________
(١) تبيين كذب المفتري: ٣٦٤.
(٢) يعني: في الطعن على الأشعري.
(٣) توفي سنة ٥٣٠ هـ- (العبر: ٤/ ٨٢).
(٤) توفي سنة ٤٦٨ هـ- (تهذيب ابن عساكر: ٢/ ١٠٠).
(٥) تبيين كذب المفتري: ٤١٥ - ٤١٦.
(٦) تبيين كذب المفتري: ٤١٦.
[ ٣٨ ]
صدرت عن غضب وحميّة وتعصّب لعقيدته الأشعرية، فضلا عن أنّ النصوص التي ساقها في تكذيب الأهوازي فيها نظر إذا ما حوكمت على وفق المنطق العقلي المنصف وإليك دلالات ذلك:
١ - إذا كان رشأ بن نظيف وصحبه قد قصدوا بغداد للتحقّق من روايات الأهوازي فكيف يعقل موافقتهم على دفع الإجازات وخطوط العلماء إليه- وهي وثائق خطيرة- ليأخذها بعيدا عنهم ويغيّر فيها الأسماء على هواه؟ ولماذا لم يعلنوا ذلك ويفضحوه بين العلماء فيروون مثل هذا بأنفسهم وهم أمناء على العلم وسلامته؟ وأما تعليل الراوي بأنّ عدم افتضاحه إنّما يعود إلى بركة القرآن ففيه ما فيه من التعليل الواهي السّاذج، إذ قد افتضح كثير من القراء بسبب تزويرهم ودعاواهم الباطلة كما هو معروف منتشر في كتب تراجم القرّاء.
٢ - أما الرّواية التي تشير إلى سؤالهم «بعض المقرئين» وقوله: «هذا الذي تذكرونه قد قرأ عليّ جزءا من القرآن أو نحوه» فهي مردودة لجهالة هذا الشّيخ وعدم تعيينه، فضلا عن أنّه لم ينكر القراءة عليه، بل أنكر إكمال القراءة ولو عرفناه لحكمنا بتصديقه أو ردّه.
٣ - إنّ ظاهر كلام أبي طاهر الواسطيّ- إن صحّ عنه- هو اعتراف كبير بعلم الأهوازيّ بالقراءات مع عدم تصديق لأسانيده في الرّواية، وهو يشير إلى اضطراره القراءة عليه وأخذ هذا العلم عنه لما له من منزلة متميزة على الرّغم من معرفته بعدم صحة أسانيده.
٤ - وأما رواية عليّ بن الخضر العثمانيّ فهي رواية تمريضية صدّرها الرجل بلفظة «زعموا» مما يؤكّد شكّه فيها وعدم وجود دليل يؤيدها.
ومع أنّ المصادر نقلت معظم هذه الرّوايات، لكنّها نقلت أيضا روايات بضدّها توثّق الرجل، أو تعترف بعلمه وفهمه، أو تأخذ عليه مآخذ معينة لا تضير علمه كثيرا.
فقد نقل الذهبيّ «١» وابن الجزري «٢» وابن حجر «٣» أنّ تلميذه الثّقة الشّريف النّسيب أبا القاسم عليّ بن إبراهيم الحسيني الدّمشقيّ المتوفى سنة ٥٠٨ هـ- قد قال فيه: ثقة ثقة.
ونقل ابن عساكر نفسه عن شيخه أبي الحسن عليّ ابن أحمد بن قبيس عن أبيه أبي العباس بن قبيس أنّه قال فيه: «كان عالما بالقراءات» «٤».
وتوفي الأهوازيّ وترك جملة من المؤلّفات في القراءات اشتهرت في حياته وبعد موته فتلقّفها أئمة القراء بالدّراسة والفحص والتّتبع، فكانت النتيجة: امتداح حسن تصنيفه، والثناء على علمه في هذا المجال، وهو أمر أجمع عليه أئمة القراء، قال أبو عمرو
_________________
(١) تاريخ الإسلام، الورقة ٤٢٩ (أياصوفيا ٣٠٠٩).
(٢) غاية النهاية: ١/ الترجمة ١٠٠٦.
(٣) لسان الميزان: ٢/ ٢٣٨.
(٤) تبيين كذب المفتري: ٣٦٨.
[ ٣٩ ]
الدّاني: «أخذ أبو عليّ القراءة عرضا وسماعا عن جماعة من أصحاب ابن مجاهد وابن شنبوذ، وكان واسع الرّواية، كثير الطّرق حافظا» «١»، وقال تلميذه أبو محمد عبد العزيز الكتانيّ: «كان الأهوازيّ مكثرا من الحديث وصنّف الكثير في القراءات، وكان حسن التّصنيف، وجمع في ذلك شيئا كثيرا، وفي أسانيد القراءات غرائب كان يذكر في مصنّفاته أنّه أخذها رواية وتلاوة وأنّ شيوخه أخذوها رواية وتلاوة» «٢». وقال الذّهبيّ: «أما القراءات فتلقّوا ما رواه من القراءة بالقبول، وصدّقوه في اللّقاء، وكان مقرئ أهل الشّام بلا مدافعة معرفة وضبطا وعلوّ إسناد» «٣» وقال علامة عصره في القراءات شمس الدّين ابن الجزري- وكانت عنده كتب الأهوازي-: «وكان بدمشق الأستاذ أبو عليّ الحسن بن عليّ بن إبراهيم الأهوازيّ مؤلّف الوجيز والإيجاز والإيضاح والاتّضاح، وجامع المشهور والشّاذ، ومن لم يلحقه أحد في هذا الشّأن» «٤» وقال أيضا: «صاحب المؤلّفات، شيخ القراء في عصره، وأعلى من بقي في الدّنيا إسنادا إمام كبير محدّث .. وأكثر من الشّيوخ والرّوايات فتكلّم فيه من قبل ذلك، وانتصب للكلام في الإمام أبي الحسن الأشعريّ، فبالغ الأشعرية في الحطّ عليه مع أنّه إمام جليل القدر أستاذ في الفن، ولكنّه لا يخلو من أغاليط وسهو، وكثرة الشّره أوقع الناس في الكلام فيه» «٥» فهذه شهادة لثلاثة من أئمة القراءات: أبو عمرو الدّانيّ، والذّهبيّ وابن الجزري، وناهيك بهم.
على أننا لا نشكّ بعد سبرنا لسيرته وشيوخه والإنعام في دراسة أقوال الثّقات من معاصريه، ودراستنا لبعض كتبه أو مما وصل إلينا من مقتطفات منها أنّ الرجل ابتلي بآفتين هما: الإغراب في الأسانيد، والتعصّب العقدي.
أما الإغراب فهو الانفراد بشيوخ لم يتابعه في الدرس عليهم أحد من أهل العلم فما هم بالمعروفين عند الآخرين. وهذا من غير شك إنّما أتى بسبب الشّره في الاستكثار من الشّيوخ وطلب الأسانيد العالية، وهي عادة قبيحة ابتلي بها الكثير من العلماء «٦»، وقد أشار الكتانيّ إلى ذلك «٧»، ونبّه عليها الذّهبيّ «٨» وابن الجزري «٩» في غير موضع من كتبهم.
_________________
(١) نقله الذهبي في تاريخ الإسلام، الورقة ٤٢٩ (أياصوفيا ٣٠٠٩).
(٢) معجم الأدباء: ٣/ ١٥٤.
(٣) تاريخ الإسلام، الورقة ٤٢٩ (أياصوفيا ٣٠٠٩).
(٤) النشر: ١/ ٣٥.
(٥) غاية النهاية: ١/ الترجمة ١٠٠٦ وانظر نهاية الغاية، الورقة ٤٣.
(٦) كان من أكبر عوامل تضعيف المحدثين للواقدي وتركه- على جلاله وعلمه- هو كثرة إغرابه (انظر دفاع ابن سيد الناس عنه في مقدمة كتابه: عيون الأثر.).
(٧) إرشاد الأريب: ٣/ ١٥٤.
(٨) انظر مثلا معرفة القراء: ١/ الترجمة ٢٥٦، ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٠ الخ.
(٩) غاية النهاية: ٢/ الترجمة ٣٥١١، ٣٦٣٧ وغيرهما.
[ ٤٠ ]
وأما التعصّب العقدي، فقد كان الرّجل كما يظهر ممّن يغالون في إثبات الصّفات للبارئ ﷿ ويتمسّكون بظاهر النصوص تمسكا لا يقوم على فهم صحيح لأصول العقيدة الإسلامية، فصار من المتحرّقين على الإمام أبي الحسن الأشعري، إمام الأشاعرة، بحيث ألّف كتابا في ثلبه، فأقام الأشاعرة عليه الدّنيا من أجل ذلك. قال الذّهبيّ: «وكان من غلاة السّنة صنّف كتابا في الصّفات فتكلّم فيه الأشاعرة لذلك، ولأنّه كان ينال من أبي الحسن الأشعري» «١».
من هنا نستطيع القول بأنّ النّقد الذي وجّه إلى الأهوازيّ إنّما كان ينصبّ في القراءات على أسانيده فيها وليس على المادة العلمية التي احتوتها كتبه المؤلّفة في هذا العلم. ودليلنا على ذلك أنّ أئمة هذا الشّأن قد تلقّوها عنه بالقبول كما أشار إلى ذلك الإمامان: الذّهبيّ وابن الجزري، بل إنّنا لم نجد عالما من علماء هذا الفنّ قد تكلّم في كتبه أو وجد أخطاء فاحشة مجاوزة للحدّ فيها، وإلا كانوا أشاروا إليه ونبّهوا عليه وردّوه في كتبهم، فالمهم في تقويم مثل هذا العالم هي المادة العلمية التي احتوتها كتبه، وهي مادة متقنة جمعها من المصنّفات السّابقة وعني بتنظيمها، ولم تعد الأسانيد في عصره الذي شاع فيه التّدوين وانتشر انتشارا واسعا سوى تقليد يحرص عليه الطّلبة والعلماء، لا فائدة كبيرة ترتجى منه «٢».
وتشير النصوص الكثيرة التي وقفنا عليها في تراجم القراء إلى أنّ كتب الأهوازي كانت من بين الكتب البارزة التي يعنى طلبة القراءات بدراستها وروايتها على شيوخهم طوال أعصر امتدّت إلى القرن التّاسع الهجري في الأقل مما يدلّل على أهميتها وشيوعها ومنزلتها بين الكتب التي من بابتها «٣».
_________________
(١) تاريخ الإسلام، الورقة ٤٢٩ (أياصوفيا ٣٠٠٩).
(٢) يراجع في هذا الشأن ما كتبه أستاذنا العلامة الدكتور بشار عواد معروف في مقدمته لتاريخ الخطيب ١/ ١٠٥ - ١١٠.
(٣) انظر ما كتبناه عن كتبه، وراجع غاية النهاية: ١/ الترجمة ١٦٨، ٢٥٧، ٥٨٨، ١٤١٤، ١٤٩٦ وغيرها. وقد وقع بعضها لابن الجزري بخط الأهوازي (انظر غاية النهاية: ١/ الترجمة ٢١٧٥)، وراجع مقدمة كتابه النشر: ١/ ٣٥.
[ ٤١ ]