أما الآية فقد سبق وأن قال الفريق الأول بوجوب الوقف فى الآية وقولهم بأن الله ربط آخر الآية بأولها فغير مسلم عندهم فإن أول الآية عام وآخرها خاص وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها بل يجرى كل على حكمه من عموم أو خصوص «٣».
فإن كان أول الخطاب قد شمل الجميع فما عطف عليه بلفظ الخصوص لا يوجب تخصيص عموم اللفظ وذلك نحو قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] وهو عموم فى المطلقة ثلاثا وما دونها ثم عطف قوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق: ٢] وقوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ [البقرة: ٢٢٨] وهذا حكم خاص فى المطلق لما دون الثلاث ولم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ فى إيجاب الثلاثة قروء من العدة على جميعهن «٤».
كما أن قولهم بعدم المماثلة اقتضى عندهم بأن الأمة لا تقتل بالحرة وهذا خلاف الآية حيث يقول تعالى: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى «٥».
أما قولهم بأن الكافر ليس أخا للمسلم فبه قال الفريق الأول غير أن هذا خاص بالعفو
_________________
(١) أخرجه الدار قطنى ٣/ ١٣٤.
(٢) ابن العربى ١/ ٩٠، المغنى ١١/ ٣٥٣، بدائع الصنائع ١٠/ ٢٦١.
(٣) أحكام ابن العربى ١/ ٩١.
(٤) الجصاص ١/ ١٨٨.
(٥) بدائع الصنائع ١٠/ ٢٦١.
[ ٣٧ ]
فلا يمنع من عموم ورود القصاص فإنهما قضيتان متباينتان فعموم احداهما لا يمنع من خصوص الأخرى ولا خصوص هذه يناقض عموم تلك «١».
كما يمكن أن تكون الأخوة من طريق النسب لا من جهة الدين «٢».
أما تأويلهم بالسبيل يكون عن طريق القصاص فإنهم لم يسلموا به بل قالوا بأن للآية تأويلات كلها محتملة فيجب التحاكم إلى قواعد الشريعة لمعرفة ما هو أولى بالقبول فحيث نفى الله السبيل فى الآية وكان محتملا أن يكون فى الآخرة فقط أو بعدم تمكين الكافر فى الدنيا من استئصال المؤمنين.
أما دليلهم العقلى القائل بأن الله شرط المساواة فى المجازاة فكذلك قال الخصوم والمساواة عندهم فى الدين ليس بشرط ألا ترى أن الذمى إذا قتل ذميا ثم أسلم القاتل يقتل به قصاص ولا مساواة بينهما فى الدين لكن القصاص محنة امتحنوا بها الخلق بذلك فكان من كان أقبل بحق الله تعالى وأشكر لنعمه كان أولى بهذه المحنة لأن العذر له فى ارتكاب المحذور أقل وهو بالوفاء بعهد الله تعالى أولى ونعم الله تعالى فى حقه أكمل فكانت جناية عظيمة «٣».
وقولهم بأن الحر أفضل من العبد فنعم ولكن التفاوت فى الشرف والفضيلة لا يمنع وجوب القصاص ألا ترى أن العبد لو قتل عبدا ثم أعتق القاتل يقتل به قصاص وإن استفاد فضل الحرية «٤».