يقول تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. [البقرة: ٢٢٢]
لا خلاف بين العلماء فى جواز الاستمتاع بالحائض فيما فوق السرة ودون الركبة بالنص والإجماع «١» والوطء فى الفرج محرم بهما «٢».
غير أنهم اختلفوا فى حكم الوطء بعد انقطاع الدم وقبل الغسل وسبب الخلاف يرجع إلى الاحتمالات التى فى قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ هل المراد به الطهر الذى هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء؟ ثم إن كان الطهر بالماء فهل المراد به طهر جميع الجسد أم طهر الفرج؟ «٣».
وقد ورد فى هذه الآية عدة قراءات كان من بينها وقف كان له أثرا بارزا فى الخلاف الفقهى وقبل ذكر اختلاف الفقهاء وأدلتهم أود أن أذكر هذه القراءات وهى:
١ - ورد وقف على قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ والاستئناف بقوله: فَإِذا تَطَهَّرْنَ «٤».
_________________
(١) اختلف العلماء فى مباشرتها فيما بين السرة والركبة فذهب الإمام أحمد إلى إباحته وهو قول عطاء وعكرمة والشعبى والثورى وإسحاق، وقال الحكم: «لا بأس أن تضع على فرجها ثوبا ما لم يدخله، وقال الحنفية والمالكية والشافعية: لا يباح وذكر كل فريق أدلة تؤيد مذهبه، وسبب اختلافهم ظواهر الأحاديث الواردة فى ذلك حيث وردت أحاديث فى الصحاح عن عائشة وميمونة وأم سلمة أنه ﷺ كان يأمر إذا كانت إحداهن حائضا أن تشد عليها إزارها ثم يباشرها. وروى ثابت بن قيس عن النبى ﷺ قال: اصنعوا كل شىء بالحائض إلا النكاح. راجع المغنى ١/ ٤٦٠، بداية المجتهد ١/ ٧٥ - ٧٦، أحكام ابن العربى ١/ ٢٢٦، القرطبى ٣/ ٥٨.
(٢) وإذا وطئ الحائض فى الفرج إثم ويستغفر الله وفى الكفارة عند العلماء مذهبان: أحدهما: يجب عليه الكفارة وهى رواية عن الحنابلة وابن عباس. ثانيهما: لا يجب وبه قال مالك والحنفية والشافعى وأكثر أهل العلم. المغنى ١/ ٤٦١، القرطبى ٣/ ٥٨.
(٣) بداية المجتهد ١/ ٧٧.
(٤) راجع هذه القراءات فى البحر المحيط ١/ ٦٩، النشر ٢/ ٢٢٧، أحكام الجصاص ١/ ٤٧٦، أحكام ابن العربى ٢/ ٢٢٨، تفسير القرطبى ٣/ ٥٩، تفسير آيات الأحكام ١/ ١٣٠، البحر المحيط ٢/ ١٦٨، شرح صحيح مسلم ٣/ ٢٠٦.
[ ٢٤ ]
٢ - قرأ الجمهور منهم نافع وأبو عمر وابن كثير وابن عاصم فى رواية حفص (يطهرن) بسكون الطاء وضم الهاء.
٣ - ورد فى مصحف أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود (حتى يطهرن) وهى قراءة شاذة.
٤ - قرأ حمزة والكسائى وعاصم فى رواية أبى بكر والمفضل عنه (يطهّرن) بتشديد الهاء والطاء وفتحهما وهى قراءة صحيحة ورجحها الطبرى.
٥ - ورد فى مصحف أنس بن مالك فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ورجح أبو على الفارسى قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثى مضاد لطمث وهو ثلاثى وهذه القراءة شاذة.
وبناء على هذه القراءات اختلف الفقهاء إلى فريقين وإليك بيان ذلك:
المذهب الأول: وهم الحنفية الذين قالوا بأن انقطاع الدم يجيز للزوج وطء زوجته بشرط أن يكون الانقطاع بعد عشرة أيام وهى أقصى مدة للحيض عندهم، أما دون ذلك فلا يجوز له الوطء إلا بعد الغسل أو يمضى عليها وقت صلاة كامل «١».
واستدلوا على ذلك بأدلة منها «٢».
١ - أن الوقف على قوله (حتى يطهرن) والاستئناف بقوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فهو ابتداء كلام لا إعادة لما تقدم، ولو إعادة لاقتصر على الأول، فقال: حتى يطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله خاصة فلما زاد عليه دل على أنه استئناف حكم آخر.
٢ - المراد بقوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ حتى ينقطع عنهن الدم، وقد يستعمل التشديد موضع التخفيف، فيقال: تطهر بمعنى طهر كما يقال: قطع وقطّع ويكون هذا أولى لأنه لا يفتقر إلى إضمار.
كما أنهم حاولوا الجمع بين القراءتين فحملوا قراءة التخفيف على انقطاع الدم لعشرة أيام وقراءة التشديد على ما هو أقل من عشرة أيام وغايتهم فى هذا مراعاة كل من
_________________
(١) المحلى ٧/ ١٢٠، السيل الجرار ١/ ١٤٧، المغنى ١/ ٤٦٤، القرطبى ٣/ ٥٩، أحكام ابن العربى ١/ ٢٢٨، الجصاص ١/ ٤٧٦، تفسير آيات الأحكام ١/ ١٣٠، أحكام الطهارة والصلاة فى الفقه الإسلامى ص ٤٠، ٤١، حجية القراءات الشاذة د. محمد عبد الرحيم ص ١٧٤ وما بعدها.
(٢) راجع هذه الادلة فى المراجع السابقة.
[ ٢٥ ]
القراءتين باستعمال أحدهما على سبيل الحقيقة والأخرى على سبيل المجاز «١».
٣ - مد التحريم إلى غاية وهى انقطاع الدم وما بعد الغاية مخالف لما قبلها فوجب أن يحصل الجواز بعد انقطاع الدم بسبب حكم الغاية لأن (حتى) تقتضى أن يكون حكم ما بعدها بخلاف ما قبلها كقوله تعالى: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، وقوله: وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء: ٤٣] فكذلك قوله: حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتخفيف فيراد به انقطاع الدم.
المذهب الثانى: وهو قول جمهور العلماء القائل بعدم جواز الوطء إلا بعد انقطاع الدم والغسل وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة وذهب الأوزاعى إلى أنها إن غسلت فرجها بالماء جاز وطؤها «٢».
واستدلوا على مذهبهم بأدلة نذكر منها «٣».
١ - يقول تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٢٢]. يعنى إذا اغتسلن، هكذا فسره ابن عباس.
كما أن القراءة الشاذة التى وردت فى مصحف ابن مسعود وأبى بن كعب وهى حَتَّى يَطْهُرْنَ فكلمة يَطْهُرْنَ مضارع تطهر وباب تفعل يأتى لعدة معان منها التكلف الذى يطلق على ما يكتسبه المكلفون بأنفسهم كما يقول: تعلم زيد، فإن التعلم من اكتسابه وكذلك إذا قلنا: تطهرت المرأة: كان المراد أنها اكتسبت الطهارة بنفسها وذلك يكون بالاغتسال بالماء لا بمجرد انقطاع الدم.
٢ - قوله تعالى فى آخر الآية: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فأثنى عليهم فيدل على أنه فعل منهم أثنى عليهم به وفعلهم هو الاغتسال دون انقطاع الدم.
يقول ابن العربى: قال تعالى فى آخر الآية: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فمدحهم وأثنى عليهم فلو كان المراد به انقطاع الدم ما كان فيه مدح، لأنه من غير عملهن والبارى سبحانه قد ذم على مثل هذا فقال: وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا «٤».
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص ١/ ٤٧٦، تفسير القرطبى ٣/ ٨٩.
(٢) المحلى ٧/ ١٢٠، السيل الجرار ١/ ١٤٧، المغنى ١/ ٤٦٤، القرطبى ٣/ ٨٨، أحكام ابن العربى ٢/ ٢٢٨، أحكام الجصاص ١/ ٤٧٦، تفسير أبى مسعود ١/ ٢٢٢.
(٣) راجع هذه الأدلة فى المراجع السابقة.
(٤) أحكام ابن العربى ٢/ ٢٣١.
[ ٢٦ ]
اشترط لإباحة الوطء شرطين انقطاع الدم والاغتسال فلا يباح إلا بهما كقوله تعالى:
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦] لما اشترط لدفع المال إليهم بلوغ النكاح والرشد لم يبح إلا بهما وأيضا يقول تعالى: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] ثم جاءت السنة باشتراط الوطء فوقف التحليل على الأمرين جميعا وهما انعقاد النكاح ووقوع الوطء فكذا هاهنا.
٤ - أن فعل (تطهر) لا يستعمل إلا فيما يكتسبه الإنسان وهو الاغتسال بالماء فأما انقطاع الدم فليس بمكتسب وقراءة (حتى يطّهّرن) والتشديد يدل على المبالغة فى الطهارة وذلك إنما يكون بالاغتسال بالماء فعلا لا بانقطاع الدم وأصله (يتطهرن) فقلبت التاء طاء لقرب مخرجيهما وأدغمت التاء فى الطاء فصارت (يطهرن).
٥ - كلمة (إذا) فى قوله (فإذا تطهرن) تفيد الشرط والمعلق على الشرط عند عدم الشرط فوجب أن لا يجوز الإتيان إلا بعد التطهر فدل ذلك على أن المراد ب (يتطهرن) الاغتسال.
٦ - إن ظاهر قوله: (فإذا تطهرن) حكم عائد إلى ذات المرأة فوجب أن يحصل هذا التطهر فى كل بدنها لا فى بعض من أبعاض بدنها وهذا لا يتحقق إلا بالاغتسال.