يقول تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥].
تتحدث هذه الآية عن جزاء ما قتل من النعم والخلاف قائم بين الفقهاء فى قيمة الجزاء هل يقتضى المماثلة أم لا؟
فى الحقيقة وردت مجموعة من القراءات فى هذه الآية نذكرها ثم نبين تأثير الوقف فى الحكم الفقهى.
١ - ورد قراءة فَجَزاءٌ مِثْلُ برفع جزاء وتنوينه ومِثْلُ على الصفة والخبر مضمر والتقدير فعلية جزء مماثل واجب أو لازم من النعم. وهذه القراءة تقتضى أن يكون المثل هو الجزاء بعينه.
٢ - جزاء بالرفع غير منون ومِثْلُ بالإضافة أى فعلية جزاء مثل ما قتل ومِثْلُ مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك وأنت تقصد أنا أكرمك ونظير هذا قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: ١٢٢].
التقدير كمن هو فى الظلمات وقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أى ليس كهو شىء وهذه القراءة تقتضى أن يكون الجزاء غير المثل إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه. وقوله: مِنَ النَّعَمِ صفة لجزاء على القراءتين جميعا.
٣ - قرأ الحسن مِنَ النَّعَمِ باسكان العين وهى لغة.
٤ - وقرأ عبد الرحمن فَجَزاءٌ مِثْلُ بالرفع والتنوين ومِثْلُ بالنصب والمعنى أن يجزئ مثل ما قتل.
٥ - وقرأ ابن مسعود والأعمش فَجَزاءٌ مِثْلُ بإظهار (هاء) ويحتمل أن يعود على الصيد أو على الصائد القاتل «١».
_________________
(١) القرطبى ٦/ ١٩٩، الجصاص ٢/ ٦٦٤، ابن العربى ٢/ ١٨٠ وما بعدها، الكشاف ١/ ٦٧٨ - ٦٧٩.
[ ٥٩ ]
فهذه القراءات وردت فى هذه الآية وجميعها لم تتحدث عن الوقف غير أن الجصاص الحنفى وكعادة الحنفية كما تبين لنا فى الآيات السابقة أنهم يلجئون إلى الاستدلال بالوقف لترجيح مذهبهم حيث قال الوقف على قوله تعالى: مِثْلُ ما قَتَلَ والاستئناف بقوله:
مِنَ النَّعَمِ.
فى ذلك يقول الجصاص: كما أن قوله: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى تضمينه بغيره، وقوله: مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يمكن استعماله على غير وجه التفسير لأن قوله مِنَ النَّعَمِ معلوم أن فيه ضمير أراده المحرم، فمعناه: (من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا إن أراد الهدى، والطعام إن أراد الطعام، فليس هو إذا تفسيرا للمثل كما أن الطعام والصيام ليسا تفسيرا للمثل المذكور) «١».
إذا قراءة الوقف هنا أيدها المذهب الحنفى القائل بأن الجزاء لا يقتضى المماثلة بل إن الجصاص أيد قوله هذا بدليل لغوى؛ المتمثل فى حرف (أو) الذى هو للتخيير فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما أو من النعم هديا.
ويقول أبو حنيفة: «المثل هو القيمة ويشترى بالقيمة هديا إن شاء وإن شاء اشترى طعاما أو أعطى كل مسكين صاع» «٢».